قام بتأليف هذا الكتاب الروائي الانجليزي جوليان بارنيس. وكان قد نشر سابقا تسع روايات ومجموعة قصص قصيرة وكتابين فكريين. وكان الكاتب الأجنبي الوحيد الذي نال جائزتين أدبيتين فرنسيتين وهو الآن يعيش في لندن. وفي هذا الكتاب الجديد يتحدث المؤلف عن حبه لفرنسا وأدبها وثقافتها ونمط حياتها.
ثم يقول بالحرف الواحد: لقد زرت فرنسا للمرة الأولى في حياتي عام 1959 عندما كنت في الثالثة عشرة من عمري. وقد أعجبت بطبيعة هذا البلد من أول نظرة. في ذلك الوقت كنت مع أبي وأمي أقضي العطلة الصيفية بشكل عائلي هناك. بعدئذ أتيح لي أن أتعرف على فرنسا بعمق أكبر.
ثم يخصص المؤلف صفحات عديدة للتحدث عن الأدب الفرنسي وبخاصة عن فلوبير الذي لا يخفي إعجابه الشديد به. فهو يعتبره مؤسس الحساسية الجديدة في الرواية الفرنسية. كما أنه مؤسس التيار الواقعي في الكتابة الروائية وبخاصة في رائعته الخالدة: مدام بوفاري.
ومعلوم أن جان بول سارتر ألف عنه كتابا ضخما من ثلاثة أجزاء دون أن يكمله ! لقد سوّد آلاف الصفحات عن حياة فلوبير وأعماله. وكان عنوانه: أبله العائلة. لقد كتب عنه أكثر مما كتب فلوبير نفسه من صفحات في جميع رواياته. ونشرت غاليمار هذه الأجزاء الثلاثة الضخمة المليئة بالتحليلات الممتعة أحيانا والمضجرة أحيانا أخرى.
ولكن من دفع سارتر إلى هذه المغامرة المجنونة؟ يبدو أنه روجيه غارودي الذي قال له مرة في أحد مقاهي السان جيرمان دوباري عام 1954: لنحاول أنا وأنت أن نفسر نفس الشخص. أنا أكتب عنه من وجهة نظر ماركسية، وأنت تكتب من وجهة نظر وجودية. وسيرى القراء في ختام العمل من هو الأفضل. وهكذا كان... ولكن الفرق هو أن غارودي لم يكتب شيئا أما سارتر فكتب ثلاثة أجزاء ضخمة كما قلنا.
ثم يردف المؤلف قائلا: ولكن سارتر رفض أن يتبع المنهجية التقليدية في كتابة سير العظماء من الكتاب. وهي منهجية استخدمت سابقا من قبل الكثيرين إلى حد أنها استنفدت ذاتها تماما. ولذلك اتبع سارتر منهجية جديدة في دراسة فلوبير. فقد قام بتحليل ماركسي للوسط الاجتماعي الذي عاش فيه صاحب مدام بوفاري. وقام بتحليل فرويدي لشخصية فلوبير نفسه لكي يكشف عن عقده وأوجاعه النفسية. وهي العقد التي دفعته لأن يصبح فنانا أو روائيا من أعلى طراز.
والغريب أن سارتر كان يكره فلوبير في البداية ولا يطيقه أبدا. ولكنه غيّر موقفه بعد أن اطلع على مراسلاته الرائعة مع أصدقائه أو عشيقاته. وقد استغل هذه الرسائل أيما استغلال من أجل تطبيق منهجية التحليل النفسي عليه.ولكن لماذا اختار سارتر أن يكرس عشر سنوات من حياته لدراسة فلوبير دون غيره؟ لسبب بسيط: هو أنه يشبهه من حيث النشأة والوسط الاجتماعي البورجوازي.
فعائلة سارتر بورجوازية من الأقاليم تماما كعائلة فلوبير، ونفس القيم المرتكزة على الادخار وحب المال تجمع بين كلتا العائلتين. وبالتالي فسارتر عندما كان يحلل نفسية فلوبير كان يحلل نفسيته الخاصة هو أيضا. لقد اتخذ فلوبير كأداة لتصفية حساباته مع نفسه ومع عائلته وبيئته البورجوازية التي كان يكرهها كما هو معلوم.ثم يردف الكاتب الانجليزي قائلا:
ولكن هناك فرق بين الرجلين: وهو أن طفولة سارتر كانت سعيدة، هذا في حين أن طفولة فلوبير كانت تعيسة. سارتر حظي بالحب كثيرا في طفولته، أما فلوبير فكان طفلا غير محبوب لأن والده فضل عليه أخاه الأكبر منه سنا. ومشاكل الطفولة هذه أدّت إلى حصول أزمة نفسية لدى فلوبير في شبابه الأول. وكانت أزمة حادة جدا، وهي التي تقف وراء عبقريته أو إبداعه الروائي. فكل روائي أو كاتب كبير هو شخص عصابي، ولولا الكتابة الإبداعية لتفاقم عصابه ولربما جن. ومعلوم ان مرض فلوبير كان يتخذ شكل الصرع أحياناً.
ثم يتحدث المؤلف بعدئذ عن كاتب فرنسي آخر كبير كان معاصرا لفلوبير هو شارل بودلير. وقد ولد في عائلة بورجوازية ميسورة. ولكنه كان طفلا غريب الأطوار ولذلك طردوه من المدرسة. ثم أرسلته عائلته في رحلة بحرية طويلة إلى الهند. وتعرف أثناء الطريق على الكثير من الجزر والأماكن الساحرة والطبيعة الفتانة. ثم لم يكمل الرحلة وقفل راجعا إلى باريس.
والواقع أن عائلته كانت تريد أن يبتعد عن هذه المدينة التي شغلته بأضوائها ومقاهيها وحاناتها عن الدراسة. يضاف إلى ذلك أنه كان يتردد على حي العاهرات كثيرا. وهذا ما أدّى إلى إصابته بمرض الزهري الذي ظل يرافقه طيلة حياته كلها لأنه لم يكن له أي دواء في ذلك الزمان.
والواقع أن صحته كانت معتلّة دائما. وعندما عرضوه على أحد الأطباء أعلن بأنه مصاب بالهستيريا، أي بانفصام الشخصية والصرع والجنون. وقد اعتبر أن هذا الحكم عليه صائب وصحيح! فقد كان يعرف بأنه شخص غير عادي، شخص يختلف عن بقية البشر.ولم يكن وصف الناس له بالجنون يزعجه أبدا. على العكس كان يجد في ذلك مفخرة كبيرة.
وقد لعبت أمه دورا كبيرا في حياته. ولكنها كانت قاسية معه فحاول أن يسترضيها باستمرار. وأحيانا كان يتمرد عليها ويتركها ويغيب عنها لفترة طويلة ثم يعود بسبب حاجته إلى الفلوس. وللأسف فإن أمه لم تعرف معنى كتاباته ولم تدرك أنه عبقري إلا بعد أن مات: أي بعد فوات الأوان. وقد ندمت على ذلك كثيرا لأنها عاشت بعده فترة طويلة نسبيا. فبودلير مات في السادسة والأربعين من عمره، أي في عز الشباب.
كانت أمه منزعجة منه لأنه يهدر فلوسه هدرا. كان مسرفا في الصرف والبذخ ولا يعطي أي قيمة للمال. ومعلوم أنه ورث ثروة لا يستهان بها عن والده ولكنه بددها بسرعة. هذا هو سبب الخلاف الأساسي بينه وبين أمه. ومعلوم أنه مات مديونا أو مثقلا بالديون ومفلسا بشكل كامل. لقد فشل بودلير في الحياة فشلا ذريعا لكي ينجح في الأدب نجاحا لا مثيل له.
ثم يردف المؤلف قائلا: وفي كتاباته الشعرية أو النثرية لم يكن بودلير يبحث عن شيء آخر إلا الجمال. فالجمال هو هدف الفن في رأيه وليس الأخلاق، فالوعظ الأخلاقي يسيء إلى الفن بل ويقتله. الوعظ مكانه في الكنيسة لا في النص الشعري أو الأدبي.ولكنه في المجال السياسي لم يكن ديمقراطيا وإنما نخبويا. فقد كان يشتبه بالجماهير ويخشى الغوغاء والدهماء.
وكان يحتقر الحياة المعاصرة في فرنسا، أي حياة البورجوازية الشرهة التي لا هم لها إلا الربح والكسب وجمع الأموال وادخارها دون صرفها إلا بالقليل القليل. وهذا هو سبب خلافه مع عائلته ومع زوج أمه الجنرال أوبيك فهم كانوا يريدونه أن يصبح متخرجا من الجامعة كأبناء العائلات ثم يدخل السلك الدبلوماسي ويتزوج من ابنة عائلة محترمة، الخ.
وأما هو فلم يكن يفكر إلا في الشعر والشرب ومعاشرة الأصدقاء والصديقات والهروب من الحياة المنظمة والمرتبة للبورجوازية الفرنسية التي يحتقرها أشد الاحتقار.ثم يتحدث المؤلف بعدئذ عن محاكمة كل من فلوبير وبودلير في نفس العام على أعمالهما الأدبية. وربما يكون القارئ الفرنسي المعاصر قد نسي أن روائعه الأدبية كانت تقدم للمحاكمة والمعاقبة في العصور السابقة!
فالواقع أن «أزهار الشر» حوكم في القصر العدلي بباريس وصدر الأمر بمنعه من الانتشار أو البيع في المكتبات لأنه يحتوي على قصائد بذيئة ومسيئة للدين المسيحي والأخلاق الحميدة. وعوقب صاحبه بدفع غرامة مالية تصل إلى خمسين ألف فرنك. وهو مبلغ كبير في ذلك الزمان. واضطر بودلير إلى الاستعانة بأمه وبيع كل ما يملك لتسديد الغرامة وإلا لكانوا قد سجنوه، ثم أجبروه على حذف القصائد التي تتهجم على القديس بطرس وبعض عقائد المسيحية. وبالطبع فإنه أمه انزعجت جدا آنذاك من هذه القصائد واعتبرت ان ابنها قد شوه سمعة العائلة.
ومعلوم أنها كانت كاثوليكية محافظة كجميع أفراد العائلة وكمعظم أبناء الطبقة البورجوازية آنذاك.واليوم أصبح ديوان «أزهار الشر» أهم دواوين الشعر الفرنسي وأشهرها على الإطلاق. ولم يعد أحد يرى فيه أي سوء أخلاق أو تهجم على الدين. وذلك لأن حساسية الشعب الفرنسي تطورت ولم تعد أصولية متزمتة كما كان عليه الحال في القرن التاسع عشر أيام بودلير. وهذا دليل على أن التقدم قد حصل وعلى أن الفهم المستنير والعقلاني للدين هو الذي يسيطر على فرنسا حاليا.
ويمكن أن نقول الشيء ذاته عن مدام بوفاري، فهي أيضا تعرضت للمصادرة والمحاكمة. كما وأجبروا صاحبها على حذف الصفحات الأكثر جرأة في تصوير الجنس والعواطف البشرية. ولكن لحسن حظ فلوبير فقد كانت له صداقات في المراجع العليا للسلطة. وهكذا تدخلت «ماتيلد» أخت الإمبراطور نابليون الثالث ومنعت تنفيذ الحكم بحقه: أي منعتهم من تدفيعه غرامة مالية كبيرة كما حصل للمسكين بودلير.
ثم يتحدث المؤلف بعدئذ عن ترشيح بودلير لنفسه إلى الأكاديمية الفرنسية وهو يعرف تماما أنهم لن يقبلوا به. فقد كانوا يعتبرونه شخصا مجنونا، خارجا على المألوف وكل العادات والتقاليد السائدة. وقصة الترشيح نفسها مهزلة ما بعدها مهزلة. ويبدو انه قام بها من اجل السخرية من الأكاديمية والأكاديميين على حد سواء. والآن من يتذكر أسماء هؤلاء الأعضاء المحترمين والموقرين جدا.لا احد. أما اسم فولتير فقد ظل يلمع على صفحة التاريخ.
* الكتاب:أشياء للتصريح
مقالات عن فرنسا والثقافة الفرنسية
* الناشر: فانتيج بوكس
نيويورك 2005
*الصفحات: 320 صفحة من القطع الكبير
Something to declare
essays on France and french culture
Julian Barnes
Vintage Books
New York 2005
P . 320