مؤلف هذا الكتاب هو البروفيسور جون لويس غاديس الذي نال شهادة الدكتوراه في التاريخ والعلوم السياسية من جامعة تكساس عام 1968 وهو الآن أستاذ الحرب الباردة وعلم الإستراتيجية الكبرى والدراسات الدولية في جامعة يال بالولايات المتحدة الأميركية.
وكان البروفيسور غاديس قد نشر سابقا عدة كتب عن الحرب الباردة إلى درجة أنه أصبح من أكبر الاختصاصيين فيها على المستوى العالمي، فقد نشر كتاب: الولايات المتحدة وأصول الحرب الباردة (1941-1947) عام 1972 ثم نشر بعدئذ كتابا بعنوان: إستراتيجية الاحتواء: تقييم نقدي لأعمال مجلس الأمن القومي الأميركي في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية (1982). وصدر له بعدئذ كتاب بعنوان: السلام الطويل الأمد: تحريات عن تاريخ الحرب الباردة (1987).
وأردفه بكتاب آخر يحمل العنوان التالي: نحن نعرف الحقيقة الآن: إعادة التفكير في تاريخ الحرب الباردة (1997) ثم صدر له مؤخرا كتاب نظري عام بعنوان: التجربة الأميركية (2004).
وهو الآن يطلع علينا بكتاب جديد يحمل العنوان التالي: الحرب الباردة: تاريخ جديد. وفيه يقول المؤلف ما معناه: إن مصطلح الحرب الباردة يدل على تلك الفترة التي تلت الحرب العالمية الثانية والتي شهدت توترا كبيرا بين القوتين الأعظم، أي الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفييتي. وقد استمرت هذه الحرب فعليا من عام 1947 إلى عام 1991 تاريخ انهيار الاتحاد السوفييتي وجدار برلين والمنظومة الاشتراكية.
وكانت عبارة عن حرب باردة أو سلام محارب إذا جاز التعبير. والسبب هو أن القوتين الأعظم كانتا تتحاشيان المواجهة المباشرة لأنهما تعرفان أن ذلك سيؤدي إلى تدميرهما معا. وبالتالي فالمنتصر في مثل هذه الحرب النووية الشاملة سيكون مهزوما أيضا.
ثم يعود المؤلف إلى جذور المشكلة ويقول بما معناه: في عام 1945 كانت القوى العظمى الأوروبية كفرنسا وانكلترا وألمانيا قد خرجت مدمرة من الحرب. وفي هذا الظرف بالذات ظهرت الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي كأكبر قوتين في السياق الجيوبوليتيكي العالمي. ومعلوم أن أميركا كانت تمتلك أيضا قوة اقتصادية ومصرفية لا مثيل لها في التاريخ.
وأما الاتحاد السوفييتي فكان يمتلك قوة عسكرية حاسمة في أوروبا الشرقية، هذا بالإضافة إلى هيبة سياسية كبيرة بفضل تضحياته العظمى أثناء الحرب العالمية الثانية. فهو بلد العشرين مليون شهيد، وهو البلد الذي قضى على هتلر والنازية.وفي شهر يونيو من عام 1947 ألقى وزير الخارجية الأميركية جورج مارشال خطابا في جامعة هار فارد.
وصرح فيه بأنه سيقدم مساعدة أخوية إلى أوروبا لكي يقضي على الجوع واليأس والفوضى فيها. ومعلوم أن شعوبها كانت قد خرجت محطّمة ومنهكة من تلك الحرب الرهيبة الشمولية. وقال بأن مشروعه لإعادة البناء والعمران معروض على كل أوروبا بل وحتى على الاتحاد السوفييتي، وليس فقط على أوروبا الغربية.
ولكن المساعدة الأميركية كانت مشروطة بشرطين اثنين: الأول هو أن هذه المساعدة ينبغي أن تشرف عليها مؤسسات أوروبية مشتركة. والثاني هو أنه يحق لأميركا أن تراقب كيفية توزيع الأموال الأميركية واستخدامها.
وقد تردد ستالين في البداية في قبول المساعدة أو رفضها، ولكن رفضها في نهاية المطاف. وأما بولونيا وتشيكوسلوفاكيا اللتان رغبتا في المساعدة فإنهما اضطرتا إلى رفضها بعد أن رفضها ستالين. ثم قام الاتحاد السوفييتي بمساع حثيثة لتوسيع حدوده غربا تحضيرا للمواجهة مع الولايات المتحدة.
وهكذا ضم إليه بلدانا عديدة من أوروبا الوسطى والشرقية. واعتبر الغرب ذلك بمثابة تهديد له.ولذلك أعلن الرئيس هاري ترومان يوم 12 مارس من عام 1947 عن سياسة الاحتواء تجاه الشيوعية والاتحاد السوفييتي. واعتبر أن الصراع بين الشرق والغرب هو عبارة عن صراع بين حضارتين لا يمكن أن تلتقيا أو قل أنه صراع بين الحضارة الديمقراطية والبربرية الشيوعية التوتاليتارية. وهكذا راحت كل كتلة تقوي مواقعها بقدر الإمكان من أجل مواجهة الكتلة الأخرى.
ولكن حاولت بعض الجهات تنظيم مؤتمرات دولية للمصالحة بين القوتين العظميين وكذلك للتفاوض على المشاكل العالقة بينهما: كمشكلة تقسيم ألمانيا إلى غربية وشرقية، وكمشكلة نزع الأسلحة الذرية، وكبعض المشاكل الدولية الأخرى. ولكن نتيجة كل هذه المؤتمرات كانت الفشل الذريع.
وبالتالي فقد ابتدأت معركة كسر العظم بين قوتين كبيرتين لن تنتهي إلا بغالب ومغلوب. وكانت أزمة برلين أول فصل في الصراع الخاص بالحرب الباردة. من المعلوم أن الثلاثة الكبار الذين خرجوا منتصرين من الحرب: أي تشرتشل، ستالين، ترومان اتفقوا على تقسيم ألمانيا إلى أربع مناطق محتلة: أميركية، بريطانية، فرنسية، سوفييتية.
وكذلك فعلوا مع برلين. فقد أصبحت مقسومة إلى أربعة أقسام. ولكن بما أن الأقسام التابعة للغرب كانت واقعة في الجهة الروسية فإن ستالين قرر ضرب الحصار حولها ومنع وصول أي إمدادات لها سواء من جهة البر أو من جهة البحر. وعندئذ أصبح سكانها مهددين بالاختناق وكذلك جنود الحلفاء المقيمين فيها. ومعلوم أن عدد سكانها كان يبلغ مليوني نسمة وجنود احتلالها ثلاثين ألفا.
وقد فكر الحلفاء في إنقاذها عن طريق كسر الحصار والدخول عنوة إلى الأقسام التابعة للغرب. ولكن ذلك كان يعني إعلان الحرب على الاتحاد السوفييتي. وبالتالي فلم يتجرأوا على القيام بذلك لكيلا يتهموا بأنهم أول من بادر إلى إشعال نار الحرب.
ولكنهم في ذات الوقت ما كانوا قادرين على الوقوف مكتوفي الأيدي تجاه وضع كهذا. ولكي ينقذوا المدينة من الحصار الخانق فإن الأميركان والانكليز قرروا أخيرا إقامة جسر جوي ضخم لإمداد السكان بالطعام والشراب والدواء وسوى ذلك. وهكذا راحت تحط طائرة في برلين الغربية كل ثلاثين ثانية طيلة أحد عشر أشهر حتى تم فك الحصار! فالواقع أن ستالين اكتشف فشل خطته فقرر رفع الحصار عن المدينة أو عن الجزء الغربي منها يوم 12 مايو من عام 1949.
وفي أثناء الأزمة نشرت الولايات المتحدة أسطولها الجوي أو بعض قطعه في انجلترا لكي تهدد الاتحاد السوفييتي وتشعره بأنها مستعدة للرد فورا إذا ما فكر في غزو أوروبا الغربية. ولكنها لم تفكر في أي لحظة باستخدام السلاح الذري من أجل كسر الحصار السوفييتي المضروب على برلين. نقول ذلك على الرغم من أنها كانت تحتكر القنبلة الذرية لوحدها آنذاك. فالاتحاد السوفييتي لم يكن قد توصل بعد إلى صنع هذه القنبلة.
ثم يردف المؤلف قائلا: والشيء الغريب العجيب هو أن الولايات المتحدة كانت قادرة على تهديد الاتحاد السوفييتي وكسر حصاره. بل أكثر من ذلك: لقد كانت قادرة على إجباره على الانسحاب من دول أوروبا الشرقية لو أرادت. ولكنها لم ترد. ولعلها بذلك أرادت أن تتحاشى حربا جديدة وأن تفي بالتزاماتها في يالطا حيث عقدت اتفاقية مع ستالين لاقتسام العالم.
ثم حصلت بعد أزمة برلين أزمة كوريا التي كادت أن تؤدي إلى اندلاع حرب عالمية ثالثة أيضا. ولكن حكمة هاري ترومان أدت إلى تحاشي ذلك.
ولكن أميركا دخلت في الخمسينات من القرن العشرين في هوس الشيوعية على الطريقة المكارثية. فقد لاحقت الناس بحق وبدون حق بتهمة الشيوعية. وأدى ذلك إلى عزل الكثير من الموظفين الشرفاء من مناصبهم على الرغم من أنه لا علاقة لهم بالشيوعية. ثم حصلت بعدئذ أزمة بودابست عام 1956 عندما دخلت القوات السوفييتية بالدبابات إلى العاصمة الهنغارية لقمع التمرد على النظام الشيوعي. وعندئذ اهتز الغرب وكاد أن يتدخل هو الآخر أيضا، ولكنه أحجم في نهاية المطاف تحاشيا لحرب شاملة.
وبعدئذ حصلت أزمة السويس والعدوان الثلاثي على مصر. ولكن هذه المرة نلاحظ أن القوتين العظميين اتخذتا نفس الموقف وطالبتا انجلترا وفرنسا بالانسحاب. ثم كانت أزمة صواريخ كوبا وهي من أخطر الأزمات في تاريخ الحرب الباردة. وقد دارت بين كندي وخروتشوف وكادت أن تؤدي هذه المرة إلى اندلاع الحرب العالمية الرابعة فعلا.
وفي الختام يثني البروفيسور جون لويس غاديس على غورباتشوف الذي عرف كيف ينسحب من سباق العظمة والجبروت مع الولايات المتحدة وينخرط في سياسة الشفافية والديمقراطية التي أدت إلى انهيار الاتحاد السوفييتي. وقد كان بإمكانه أن يضغط على الزر النووي في إحدى اللحظات ويدمر الغرب والشرق في آن معا ولكنه لم يفعل. ولذلك استحق بالفعل وعن جدارة جائزة نوبل للسلام.
* الكتاب: الحرب الباردة: تاريخ جديد
* الناشر: مطبوعات بنغوين نيويورك، لندن 2006
* الصفحات: 333 صفحة من القطع الكبير
The cold war
a new history
John Lewis Gaddis
Penguin press - new york,
London 2006
P. 333