مؤلف كتاب «نظم العقدين» في مدح سيد الكونين» هو «أبو جابر الأندلسي، شمس الدين أبو عبدالله محمد بن أحمد بن علي بن جابر الأندلسي» المولود في «مدية المرية» سنة 698ه.

ودرس فيها وأخذ عن شيوخها، فقرأ القرآن والنحو على «ابن يعيش» والفقه على «محمد بن سعيد الرندي» ثم غادرها مع رفيق عمره «أبي جعفر الغرناطي» في مطلع شبابهما إلى مصر».

وعرفا بالأعمى والبعيد، ثم غادراها إلى دمشق ثم انتقلا إلى حلب ثم افترقا لأن «ابن جابر» تزوج بمدينة البيرة شرق عنتاب، وسكن فيها، وكان له فيها بيت معروف على الفرات.

وبعد ذلك توفي أبو جعفر فرثاه ابن جابر، ثم تبعه إلى دار الخلود عام 785هـ كان «ابن جابر» إماماً عالماً فاضلاً بارعاً أديباً، اخترع أول بديعية في الأدب العربي سماها (الحلة السيدا في مدح خير الورى) .

والتي عرفت ببديعية العميان، وله كتب جليلة في اللغة والنحو والبلاغة والعروض، منها شرح ألفية ابن مالك، ورسالة في السيدة ومولد النبي محمد صلى الله عليه وسلم ثم له قصائد وأراجيز عدة في العروض والنحو واللغة وغيرها.

منها وسيلة الآبق في أسماء الصحابة والتابعين، وغاية المرام في تثليث الكلام، وحلية الفصيح في نظم الفصح، ومنظومة في المقصود والمحدود، وهو فضلاً عن ذلك شاعر مكثر، له شعر كثير متفرق في كتب الأدب.

كما له أيضاً ديوان كامل في مدح الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم أما كتابنا هذا «نظم العقدين في مدح سيد الكونين» فهو معلم مهم من معالم الشعر في العصر المملوكي، لأنه يصوره خير تصوير.

ويعطينا صورة واضحة جلية عنه، وعن تعاظم الروح الدينية فيه بشكل لافت للنظر، لأسباب عدة، لعل أهمها حروب الفرنجة في المشرق العربي وفي الأندلس والمغرب العربي.

والتي سماها موقدوها في المشرق العربي «الحروب الصليبية» وفي الأندلس «حرب الاسترداد» ثم الغزو المغولي الوحشي الآتي من الشرق، حاملاً الدمار والخراب.

وما أدت هذه الحروب من إيقاظ روح الجهاد في جميع أبناء الأمة، سواء أكانوا حكاماً أم شعوباً، يريدون دفع العدوان والحفاظ على المقدسات والوطن والوجود.

وكذلك ازدهار التصوف والزهد وانتشارهما انتشاراً واسعاً، وتقريب السلاطين والحكام لرجالاتهما والعناية بهم وبأشعارهم، وبخاصة شعر «ابن الفارض» التي يمكن وبسهولة أن يجد المتتبع تشابها بين ميميته التي مطلعها:

هل نار ليلى بدت ليلاً بذي سلم

أم بارق لاح في الظلماء من إضم

وبردة البوصيري التي مطلعها:

أمن تذكر جيران بذي سلم

مزجت دمعاً جرى من مقلة بدم

ويبدو هذا التشابه في الوزن والروي والمطلع وبعض المعاني.

وفضلاً عن ذلك هناك أسباب أخرى لازدهار المديح النبوي منها إحساس الناس بالتقصير في حفظ ذلك التراث المجيد الذي بناه الرسول صلى الله عليه وسلم، ومنها مدائح الرسول وآل بيته الكرام التي قيلت في حياته صلى الله عليه وسلم مثل دالية الأعشى، ولامية كعب بن زهير، ومدائح حسان بن ثابت، والتي قيلت بعدها، مثل ميمية الفرزدق، وبعض أشعار الكميت والشريف الرضي ومهيار الديلمي وما بعدها.

وكذلك منها انتشار عادة الاستشفاع بالرسول صلى الله عليه وسلم في عهد الفاطميين ثم عنايتهم وعناية الذين أتوا بعدهم من أيوبيين ومماليك بالحج وقوافله وطرقه، وظهور المحامل، وما كان يرافقها من احتفالات دينية في الذهاب والإياب.

كما يجب أن نذكر من هذه الأسباب أيضاً، ظهور فكرة مجاورة الرسول صلى الله عليه وسلم بالمدينة المنورة والمسجد الحرام في مكة المكرمة وهي نوع من الهروب لفترة من هذا العالم وما فيه. ليستعيد الإنسان السكينة والطمأنينة والتوازن، وابتغاء أن يعود إلى الحياة ثانية، وهو أشد قوة وصبراً وبصيرة.

كل ما تقدم من أسباب أدى إلى كثرة شعر المديح النبوي، وكثرة شعرائه المادحين منها (المجموعة النبهانية في المدائح النبوية) ذات الأجزاء الأربعة الكبيرة ليوسف النبهاني، وابن سيد الناس اليعمري وديوانه «بشرى اللبيب بذكرى الحبيب» وابن جابر الأندلسي شاعرنا وديوانه «نظم العقدين في مدح سيد الكونين».

أما معاني المديح النبوي، فقد كانت كثيرة متنوعة خصبة، إذ لم يترك الشعراء ومنهم شاعرنا «ابن جابر» صغيرة ولا كبيرة مما يتعلق بالرسول صلى الله عليه وسلم من قريب أو بعيد إلا أحصوها.

وذكروها في أشعارها وتناولوها تناول العاشق الهيمان وأفادوا في ذلك مما جاء في القرآن الكريم والسيرة النبوية الشريفة وشعر السابقين، ونجد ذلك واضحاً مجسداً في ديوان «ابن جابر الأندلسي» الذي جاء في قرابة ستمئة صفحة من القطع الكبير بادئاً به في حرف الألف.

وما قاله في مدح الرسول صلى الله عليه وسلم وكانت قافيته منتهية بهذا الحرف، إلى حرف الياء، وقد يورد أكثر من قصيدة في الحرف الواحد، ليكون الكتاب شعراً في مدح الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم.