أجرى جريج أوفمان، المحرر الأدبي لصحيفة «فايننشال تايمز» هذه المقابلة مع الروائي والشاعر والمخرج السينمائي والمترجم الأميركي بول أوستر، بمناسبة صدور روايته الحادية عشرة «حماقات بروكلين» ، مؤخراً، حيث تطرق فيها إلى مشاعره بعد الانتهاء من كتابتها، وتناول ملامح عالمه الإبداعي، وألقى الضوء على محاولته الجريئة لاقتحام عالم السينما مخرجاً وكاتباً للسيناريو.
وفيما يلي نص المقابلة: حلقت روايات بول أوستر الإحدى عشرة وسيناريوهاته الثلاثة وسير حياته الذاتية الثلاث به إلى مصاف العملاق الشامخ في حي بروكلين الذي يقيم به في نيويورك. ومن هنا فإنه يمضي، وهو يرتدي معطفاً أسود ويضع نظارة من الواضح أنها لا تحجب شخصيته، ليتجاذب أطراف الحديث مع رجل البريد بالحي، ويلوّح له الناس مرحبين به حيثما مضى.
* منى مدكور
وقد كنا في طريقنا لتناول الطعام معاً في مقهى مزدحم عند أحد منعطفات الحي، ولكن ساورني الشعور بأن الناس إما أن يكتسحوه أو يختطفوه مني، فلا يتاح لي الحوار معه، ولذا فإننا بدلاً من ذلك، جلسنا لتناول طعام الغداء في مطعم «إناكا سوشي هاوس»، وهو مطعم هادئ يقدم الأطعمة اليابانية بالحي.
عندما انتهى بول أوستر، الذي بلغ عامه السابع والخمسين، من تأليف رواية «حماقات بروكلين» في سبتمبر الماضي، أصابه اكتئاب ما بعد الفراغ من عمل كبير. وقد قال لي، وهو عاكف على ارتشاف قدح من الشاي الأخضر: «عادة تسيطر عليَّ حالة من الاسترخاء بعد انتهائي من انجاز كتاب لي. ولست أدري ماذا عساني أصنع حيالها، حيث أجد نفسي فجأة بلا عمل، ويهيمن عليَّ هذا الشعور الجارف بالخواء».
غير أن هذا الشعور لم يدم طويلاً، فبينما أعاد ناشره البريطاني، فيبر آند فيبر، إصدار روايته الكلاسيكية القصيرة «مدينة الزجاج» يعكف أوستر على إعداد فيلم، يعد بمثابة الجزء الثاني لفيلمه الذي أنجزه في عام 1998 بعنوان «لولو على الجسر» كما انتهى لتوه من كتابة سيناريو فيلم جديد بالاشتراك مع الروائية سيلين كوريول بتكليف من باتريس لوكونت مخرج فيلم «رجل القطار» الذي سيقوم قريباً بتصوير أول فيلم له ناطق بالانجليزية في نيويورك.
كما يعرف الجميع، فإن أوستر، الذي ولد نشأ في نيوجيرسي، تربطه علاقة حب حقيقية ممتدة مع فرنسا. وقد بدأت فصول هذه العلاقة عندما مضى أوستر إلى باريس لقضاء عام هناك، بينما كان لايزال طالباً في جامعة كولومبيا. ووصلت علاقة الحب هذه إلى ذروتها هذا العام، عندما قدمت الحكومة الفرنسية لأوستر وسام الفنون والآداب من طبقة كوماندر، وهو أعلى تكريم تقدمه فرنسا لشخصية ثقافية أجنبية، ولم يسبقه إلى الحصول عليه إلا أميركي آخر يعد أكثر شهرة في فرنسا، وهو جيري لويس.
يعتقد أوستر أن العلاقات الفرنسية الأميركية قد وصلت إلى الحضيض، فالفرنسيون لم يبدوا تقديراً يذكر لإدارة بوش الأولى، لأنها فازت في الانتخابات بهامش ضئيل. وهو يقول في هذا الشأن: «خلافاً للوضع في أميركا، فإن الفرنسيين يفصلون بين الحكومات وبين الناس». ولكنهم أقل تسامحاً مع إدارة بوش الثانية، وهم لا يفهمون لماذا يحب الأميركيون بوش أو كما يعبر أوستر: «إنه يثير حيرتهم، كما يثير حيرة الكثير منا نحن الأميركيين».
وبينما تحتل كتب أوستر قوائم أفضل الكتب مبيعاً خارج الولايات المتحدة، وتمت ترجمتها إلى ثلاثين لغة، فإنه لم يقدر له حتى الآن الفوز بالجوائز الأدبية الكبرى في بلاده. وهو يعزو هذا الفارق إلى ما يسميه بانزياح ثقافي قاري، ويقول: «الحياة الأدبية الأميركية مختلفة فحسب، ففي فرنسا وألمانيا وانجلترا هناك اهتمام أكبر بالأدب، وهناك تغطية أوسع نطاقاً للكتاب وأنشطتهم عبر الإذاعة والتلفزيون. وفي الولايات المتحدة هناك أناس محبون للكتب، ولكنهم ليسوا في كثرة نظرائهم في فرنسا».
ويستدرك مشيراً إلى أنه ليس لديه ما يشكوه بشأن محبي كتبه في الولايات المتحدة، فكتبه تباع بصورة جيدة، وتظل متاحة للقراء. ويتابع: «إنني أعرف إلى أي حد تعد الأمور صعبة بالنسبة للكتاب الجيدين في أميركا. وهي وضعية كارثية، حتى بعد المراجعات الرائعة للكتب».
ورداً على سؤال حول الأمثلة المتعلقة بالكتاب الأميركيين الذين لا يلقون ما يستحقونه من تقدير، يشير إلى صديق له هو الكاتب الاسترالي المقيم في أميركا بيتر كاري، ويقول: «إن كتابه الأخير (حياتي باعتباري زائفاً) يعد من أكثر الكتب التي قرأتها روعة منذ وقت طويل، ومع ذلك فقد مرَّ في صمت ومن دون أن يتوقف عنده أحد». وهو يضرب مثالاً آخر بزوجته سيري هاستفيت، وهو يصف روايتها الأخيرة التي تحمل عنوان «ما أحببته» بأنها عمل رائع.
ولكنه كما يفسر الأمر يشير إلى أن هذه الرواية، التي تصدرت القوائم الدولية لأفضل الكتب مبيعاً، ضلت الطريق إلى القراء في الولايات المتحدة، في غمار الفوضى التي أثارها غزو أميركا للعراق.
وقد أقام أوستر وزوجته في مبنى مشيد بالطوب البني في بروكلين، على امتداد أحد عشر عاماً. وعندما زرت هذا المبنى المؤلف من ثلاثة طوابق قبيل إجراء الحوار، قام أوستر معي بجولة فيه، فالطابق الأعلى كما يقول أوستر مخصص للكبار، والأوسط للشباب، والمقصود ابنتهما صوفي ذات السبعة عشرة ربيعاً،أما أعلى الدرج فمخصص لكلب العائلة.
وأسأل أوستر كيف تم هذا الزواج الأدبي بينه وبين زوجته، فيقول إنهما، قبل عشرين عاماً، التقيا في أمسية شعرية في الشارع الثاني والتسعين بنيويورك وإنه منذ اللحظة الأولى أبدى اهتماماً جدياً بها. ويقول «مازلت منذ ذلك الحين أبدي هذا الاهتمام الجدي بها». ويبدو أن هذا الشعور كان متبادلاً ولايزال، فهو يقرأ عليها ما يكتبه، وهو تبادر إلى نقده.
ويقول أوستر: «إنها قارئة شديدة الفطنة، ولا أحسب أنني قد تجاهلت نصيحها قط». وبينما تكتب زوجة أوستر على الدوام في الدار، فإنه يحرص على أن يكتبه لمدة سبع ساعات يومياً في مكتب مجاور مزود بثلاجة.
يشدد أوستر على أنه نادراً ما تطل أحداث من حياته في رواياته، باستثناء مواقف محدودة في روايته القصيرة «الغرفة الموصدة». وظهور بول أوستر في رواية «مدينة الزجاج» لم يكن ظهوراً لبول أوستر الذي يجلس أمامي، كما يقول الروائي، وإنما هو شخص آخر، ويقول أوستر ملخصاً الموقف: «إنني أسخر من نفسي هنا».
شأن بورخيس، فإن أوستر هو شاعر ومترجم تحول إلى كاتب ـ قاص، ولكن نشاطه العارم لم يتوقف عند القص، فبعد كتابة سبع روايات، أنتقل إلى عالم الأفلام. والفيلمان اللذان كتب السيناريو لهما، وهما «دخان» و«زرقة في الوجه» من إخراج وين دانج، تحولا إلى رائعتين من روائع أواخر التسعينات، وانطلق أوستر بعدهما إلى مغامرة جريئة هي كتابة السيناريو واخراج فيلم «لولو على الجسر» من بطولة هارفي كيتل وميرا سوفرينو.
يعد فيلم «لولو» فيلماً مذهلاً، وإن لم يخل من العيوب، يصور اللحظات السحرية الأخيرة لأحد مبدعي موسيقى الجاز.
وقد اعترضت هذا الفيلم عقبات عدة، فقد كان من المفترض أن يخرجه فيم فندرز. ولكن مبدع فيلم «أجنحة الرغبة» انسحب من مشروع «لولو» في اللحظة الأخيرة، وطالبت نقابة الممثلين بوضع نصف مليون دولار في حساب خاص ضماناً لحقوق أعضائها في حالة عدم انجاز المشروع. ويقول أوستر متذكراً هذه المرحلة الصعبة: «إن من يسمون برجال صناعة السينما لم يترددوا في القول إننا نحاول قتلهم» وفي نهاية المطاف بلغت الضغوط قمتها.
ويقول أوستر: «كل ما فعلته هو أنني انفردت بنفسي وانخرطت في البكاء، ولم أبك على مثل هذا النحو منذ كنت صبياً». في نهاية المطاف أطلق رجال التمويل رصاصة الرحمة على «لولو»، فلم يعرض الفيلم على الشاشة الفضية أبداً في الولايات المتحدة.
وقد علّمت هذه التجربة أوستر بعض الدروس القيمة عن صناعة السينما. وهو يقول في هذا الصدد: «عليك أن تجعل فيلمك بعيداً عن التكاليف الباهظة بقدر ما تستطيع، المال الأقل يمنحك الحرية، وكلما حصلت على حرية أكبر كلما سيطرت على النتائج بصورة أكبر».
وفيما يستعد أوستر لمعاودة اقتحام عالم السينما، فإن أدبه قد أحرز معياراً مهماً للرواج، حيث أنه حصل جنباً على جنب مع وليام بوروز وتشارلز بوكوفسكي على لقب الروائيين الذين تتعرض رواياتهم للسرقة أكثر من غيرها في مكتبات نيويورك.
ويحاول أوستر التقليل من شأن هذا المؤشر فيقول: «الصدفة جعلت أسماءنا في بداية ترتيب الحروف الأبجدية» ولكن هناك ما هو أكثر من الصدفة في هذا اللقب العجيب.