عندما خرج آخر جندي عربي مسلم من غرناطة في عام 1492 وصل كريستوف كولومبس إلى «العالم الجديد» ومنذ ذلك الوقت تطلعت أوروبا إلى المحيطات الشاسعة بينما انكفأ العرب المسلمون على البحار الداخلية، وانقطع بهم عهد السيادة الحضارية لتصعد الحضارة الغربية وتسود ومن ثم تنتصر.

إن تفوق الحضارة الغربية تم من خلال ذلك الانكفاء إلى الداخل لدى الأمم الأخرى التي كانت حضارتها سائدة ذات يوم، كما أن التفوق الغربي جاء نتيجة أو حصيلة المعارف والعلوم والثقافات العربية والإسلامية التي قدمت للبشرية الأسس التي أوصلتها للتفوق الذي تشهده اليوم، وهذا يعني أن الحضارة الغربية لم تكن نسيج وحدها أو ذاتها.

إذ يكفي سيطرة الكنيسة القاسية على جميع مناحي الحياة مما جعل أوروبا تعيش جهلاً مطبقاً، ويكفي انه حتى منتصف القرن الرابع عشر لم يكن مسموحاً للطبيب أن يجرح جسد المريض لمعالجته، في حين كان الطبيب العربي يعمل مبضعه في جسد المريض لإخراج الدمل فيشفى سريعاً.

لقد حاول ج.م. روبرتس الأستاذ الجامعي البريطاني أن يعزو انتصار الغرب إلى انكفاء الحضارات الأخرى على ذاتها، وهذا صحيح ولكن ما هو المقصود بالغرب؟

إن اليابان بلد متفوق واستراليا كذلك ولا يقعان جغرافياً في الغرب إلا إذا كان المقصود بالغرب المرادف للرأسمالية والتي لها سمات محددة حيث يمكن أن تشمل القارة العجوز وأميركا وكندا وجنوب إفريقيا واستراليا واليابان وايرلندا.. الخ.

وبشكل أكثر دقة حيث الثورة الصناعية واختراع الآلة البخارية التي أوجدت نظاماً جديداً لعلاقات ووسائل الإنتاج وانعكاساتها على الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وهو ما نتج عنها بالنهاية الحضارة.. أو حضارة الغرب كما يتفق على تسميتها.. وهذا ما يذهب إليه الأستاذ الجامعي روبرتس في كتابه عن أصول الحضارة الغربية وصعودها.

إنها حضارة العنف والقوة، حضارة الاستعلاء التي صنفت الشعوب في طبقات، وكان يكفي أن تملك سفينة بخارية لتصبح سيد التجارة البحرية، فما بال الأقوياء اليوم وهم يملكون تقنية ما بعد الحداثة، إنها حضارة ما بعد انتصار الغرب أو ما بعد تراجع العرب.

suliman@albayan.ae