مؤلف هذا الكتاب هو الباحث والناقد البيرت بيلشوفسكي، وهو هنا يقدم أكبر سيرة عن حياة أديب الألمان في اللغة الإنجليزية. فالكتاب مؤلف من ثلاثة أجزاء ضخمة، وكل جزء يتجاوز الأربعمئة وخمسين صفحة من القطع الكبير.
وهكذا يكون قد كتب ألف وأربعمئة صفحة أو أكثر قليلا لتغطية حياة هذا الكاتب والشاعر الفذ. فالجزء الأول يتحدث عن حياته منذ الولادة وحتى رحلته إلى إيطاليا والعودة منها. وأما الجزء الثاني فيتحدث عن حياة غوته والأحداث المهمة التي شهدتها بعد عودته من إيطاليا وحتى اندلاع حروب التحرير للتخلص من نابليون بونابرت والهيمنة الفرنسية. وأما الجزء الثالث والأخير من الكتاب فيتحدث عن حياة غوته منذ مؤتمر فيينا الذي أطاح بنابليون وحتى موت الشاعر عام 1832 بعد أن عاش ثلاثة وثمانين عاماً. وهو عمر طويل بالنسبة لتلك الفترة. ومنذ البداية يقول المؤلف بما معناه: لقد احتل غوته مكانة استثنائية داخل الثقافة الألمانية. وهي مكانة لا يستطيع أن ينافسه عليها أي كاتب آخر مهما علا شأنه، ولا تشبهها إلا مكانة شكسبير لدى الإنجليز.
ولد غوته في مدينة فرانكفورت في 28 أغسطس من عام 1749: أي في منتصف القرن الثامن عشر. وقد ابتسم له الحظ منذ نعومة أظفاره. فقد كان ينتمي إلى عائلة غنية من الارستقراطيين البورجوازيين أي الميسورين ماديا والذين يتمتعون بمكانة مرموقة في المجتمع.
وبالتالي فما كان عليه أن يقارع صروف الحياة وأهوالها لكي يعيش كما فعل صديقه شيلر مثلاً. فأبوه كان مستشاراً في البلاط الامبراطوري، وهو منصب رفيع في ذلك الزمان. وكان مثقفا يجيد الإنجليزية والإيطالية. وقد ربى ولده على حب الثقافة والفنون.
وأما أمه فكانت مثقفة أيضاً وهي التي اهتمت بتعليمه مبادئ القراءة والكتابة وحب الأدب. وكانت إنسانة طيبة لا تجرح أحدا. وربما أخذ منها هذه الطيبة والنزعة الإنسانية العميقة.
ومن أهم الأحداث التي أثرت على طفولته احتلال مدينته الأصلية من قبل القوات الفرنسية عام 1759: أي أثناء حرب السبع سنوات الشهيرة. وفيها تحالفت النمسا مع فرنسا وروسيا لسحق مملكة بروسيا الوليدة. ولكن ملك بروسيا الشاب فريديريك الكبير استطاع أن يصد جيوش الغزاة برباطة جأشه وشجاعته في ساح الوغى. وهذا ما أعجب الصبي غوته أيما إعجاب.
ثم يردف المؤلف قائلاً: وفي عام 1770، أي في الحادية والعشرين من عمره، تعرف غوته على الكاتب الشهير هيردر وكان قومياَ ألمانياً من الدرجة الأولى. وقد كشف له عن كنوز حضارة الإغريق، والشرق العربي الإسلامي، والعصور الوسطى. وحببه بجمال الشعر البدائي الصادر من أعماق العصور.
وفي تلك الفترة تعرف غوته على ابنة قسيس مسيحي وأحبها حباً جنونياً. وكان أكبر حب عرفه في شبابه. وقد كتب لها أولى قصائده، وهي من أجمل ما كتبه من شعر.
ثم سمع بعدئذ أن أحد أصدقائه انتحر بسبب الحب العاصف الذي لم يكلل بالنجاح وابتدأت فكرة «آلام فيرتر» تتشكل في أعماقه. وبالفعل فقد كتبها عام 1774، وقد شكلت منعطفا في تاريخ الأدب الألماني ودشنت ما ندعوه بالمرحلة الرومانطيقية وقطعت مع المرحلة الكلاسيكية الهادئة أو الباردة.
ثم يردف المؤلف قائلاً: ينبغي العلم أن أدباء ألمانيا آنذاك كانوا واقعين تحت تأثير شخصيتين كبيرتين هما: شكسبير وجان جاك روسو. وقد استلهم غوته روسو في كتاباته الأولى كما فعل أدباء ألمانيا الآخرون من أمثال شيلر، أو هولدرلين، أو حتى هيغل.
فالعاطفة الجياشة والصادقة لروسو أثرت على الجميع. ولذلك فإن كتاب غوته «آلام فيرتر» جاء مطبوعاً بطابعه. وقد قال عنه بعد سنوات طويلة: كل إنسان ينبغي أن يعتقد في لحظة ما من لحظات حياته أن هذا الكتاب المؤثر كتب له وحده.
وهذا يعني أن على كل إنسان أن يعيش المرحلة الرومانطيقية في شبابه الأول قبل أن يصل إلى مرحلة النضج والهدوء. فالسكينة الحقيقية لا تجيء إلا بعد أن نمر بمرحلة العواصف والإعصار.
ثم يردف المؤلف قائلاً: وفي عام 1786 وبالتحديد في الثالث من سبتمبر ابتدأ غوته رحلته الشهيرة إلى إيطاليا. ومعلوم أن جميع أدباء تلك الفترة كانوا يحلمون بها من أجل الاطلاع على فن عصر النهضة الشهير في البندقية، وفلورنسا، وروما، الخ.
كانت هذه المرحلة ضرورية لتغذية الذوق الفني للكاتب لأن إيطاليا هي مهد النهضة الأوروبية كما هو معلوم. ومن هناك كتب رسائل متحمسة لأصدقائه يقول فيها: الآن ابتدأت حياة جديدة. الآن أستطيع أن أرى بأم عيني رسوم مايكل انجلو ورافائيل وسواهما من العباقرة.
ومن مدينة نابولي كتب يقول: إن المرء ينسى نفسه في هذه المدينة. إنه يسكر بعطرها وجمالها. ثم ذهب إلى صقلية وفي يده أوديسة هوميروس لكي يتعرف على الأماكن التي ذكرها الشاعر اليوناني الكبير في رائعته الخالدة.
ثم ترك إيطاليا بعد سنتين تقريباً من الإقامة فيها. وعندئذ شعر وكأنه يذهب إلى المنفى: لقد أصبحت إيطاليا وطنه ودخلت في قلبه وتغلغلت في عروقه وشرايينه إلى حد أنه لم يعد يريد العودة إلى بلده الأصلي ألمانيا.
ولكن العودة أصبحت إجبارية بسبب مسؤولياته الرسمية كمستشار لدى بلاط الأمراء في مملكة فايمار الألمانية. بل إن مرتبته في البلاط كانت تصل إلى درجة وزير. وبعد عودته شاءت الصدفة أن يتعرف غوته على الفتاة التي ستصبح زوجته وتدعى كريستيان فوليبيوس. وسوف تنجب له ولدا يدعى: أوغست. وفي تلك الفترة أو بعدها بسنوات في الواقع حصل الغزو الفرنسي لألمانيا.
وقد خاف غوته على نفسه في لحظة من اللحظات بعد أن دخل نابليون المدينة وطلب أن يراه شخصيا. وعندما مثل أمامه نظر إليه القائد الفرنسي من أعلى رأسه إلى أخمص قدميه وقال هذه العبارة: هذا رجل! ثم سأله: كم عمرك؟ فأجابه: ستين سنة. فقال له: لا يبدو عليك ذلك. وكان غوته طويلاً، جميلاً، مهيباً تبدو عليه علامات العظمة والعبقرية.
وهذا ما أدهش نابليون بونابرت الذي لم يكن يزيد عمره آنذاك عن الخمسة وثلاثين عاما. ثم قال له نابليون: أنت تكتب مسرحيات، أليس كذلك؟ فرد عليه: نعم. وقال له: سمعت أيضاً أنك تترجم بعض الأعمال الفرنسية ومن بينها مسرحية «محمد» لفولتير، فقال له: هذا صحيح.
أنا معجب بالآداب الفرنسية يا جلالة الامبراطور. فقال له نابليون: ولكنها مسرحية سخيفة. ثم دخل معه في تفاصيل أدبه وراح يتحدث له عن «آلام فيرتر» حديث من قرأها مطولاً ودرسها بعمق. ودهش غوته لمدى معرفة نابليون بأدبه وتساءل بينه وبين نفسه: هل عنده الوقت الكافي لكي يقرأ المسرحيات والقصص؟ هل يمكن لفاتح كبير بمثل هذا الحجم أن يهتم بالأدب والأدباء؟
ثم يتحدث المؤلف عن علاقة غوته بشيلر ويقول: إن العلاقات بين الشاعرين الكبيرين تعود إلى عام 1794. والغريب العجيب أنهما في البداية ما كانا يحبان بعضهما البعض.
بل وشعر غوته بالنفور من شيلر، والعكس صحيح أيضا. ولكن فيما بعد ترسخت العلاقة وأصبحت من أقوى ما يكون. وعندما مات شيلر في عز الشباب عام 1805 شعر غوته بألم عظيم وفراغ كبير. فقد كان الشاعر الكبير وربما الذي يستطيع أن يتحدث معه ويفهمه.
ثم يردف المؤلف قائلاً: وعلى الرغم من حماسته للثورة الفرنسية في البداية كمعظم أدباء وفلاسفة ألمانيا إلا أنه راح يبتعد عنها لاحقا. وقد صرح لأحد المقربين منه قائلا: إني أكره الانقلابات العنيفة لأنها تدمر بقدر ما تعمر إن لم يكن أكثر. إني لا أحب الأحداث العنيفة لأنها مضادة لطبيعة الأشياء. إني أحب التغيير الذي يحصل بالتدريج وبهدوء وليس عن طريق الانقلاب العنيف.
وأخيراً يجدر بنا تقديم بعض الآراء عنه. فقد كتب الأديب الفرنسي الرومانطيقي الشهير شاتوبريان يقول: إني معجب به ولكني لا أحبه على الإطلاق. وأما فلوبير فقال عن غوته: يا له من رجل عظيم غوته هذا ! ولكنه كان يمتلك كل الأوراق في يده. كل الحظ كان إلى جانبه. وأما الفيلسوف كيركيغارد فكان حكمه عليه سلبيا. هذا في حين أن نيتشه كتب يقول: غوته هو آخر ألماني يمكن أن احترمه!
* الكتاب:حياة غوته (1749-1788) منذ ولادته وحتى عودته من إيطاليا
* الناشر:مطبوعات جامعة الباسفيك 2006
* الصفحات :1416 صفحة من القطع الكبير (3 أجزاء)
The life of Goethe : 1749-1788
from birth to the return from Italy
Albert Bielschowsky
University Press of the Pacific 2006
P.1416