ساهم في تأليف هذا الكتاب العديد من الباحثين والباحثات الفرنسيات نذكر من بينهم الباحثة سيلفيا شيفولو التي كتبت الفصل الخاص بمصر المعاصرة. ونذكر أيضا الباحثة اليزابيت دافيد التي كتبت الفصل المتعلق بمصر الفرعونية في التاريخ.

وهناك أيضا الباحثة إيزابيل فرانكو التي كتبت البحث الخاص بحضارة مصر القديمة بشكل عام. وأما الفضل الخاص بالفتح العربي الإسلامي لمصر فقد كتبه الباحث ريتشارد لوبو، الخ. وفي ما يخص هذا الفصل الأخير يكتب الباحث بما معناه: راحت مصر تعتنق الإسلام تدريجيا في ظل الخلفاء الأمويين (660-750)، والعباسيين والطولونيين (750-973) ثم أخيرا الفاطميين (973-1171). وفي عام 1171 خاض صلاح الدين الأيوبي المعركة ضد الغزاة الصليبيين وأعاد مصر إلى المذهب السني بعد أن كانت شيعية إسماعيلية طيلة مائتي سنة. ومعلوم أن الفاطميين هم الذين بنوا الجامع الأزهر الذي أصبح بمثابة «الفاتيكان» بالنسبة للعالم الإسلامي كله. فشيخ الأزهر يتمتع بمكانة كبيرة لا تقل أهمية عن مكانة البابا في المسيحية.وفي منتصف القرن الثالث عشر استولى المماليك على السلطة. وقد شهدت الحياة الاقتصادية ازدهارا حقيقيا في عهدهم.

وراحت القاهرة تشهد بناء أجمل المساجد وأكثرها روعة وفخامة. ولكن سلالة المماليك غطست مصر في نوم عميق من الناحية الثقافية والسياسية والحضارية. ولم تستفق مصر من سباتها العميق هذا إلا على وقع سنابك خيول بونابرت والحملة الفرنسية عام 1798، إلى نهاية القرن الثامن عشر.

ثم يعود المؤلف إلى الوراء قليلا ويقول: لقد ابتدأ الفتح العربي لمصر عامي 640-642: أي بعد عشر سنوات من وفاة النبي صلى الله عليه وسلم. والواقع أن الإمبراطوريتين البيزنطية والفارسية كانتا تهيمنان على الشرق الأوسط في ذلك الزمان. ولكن ظهور الإسلام سوف يغير المعادلات والأوضاع بل ويقلبها رأسا على عقب.

فهاتان الإمبراطوريتان الكبيرتان كانتا في صراع مستمر مع بعضهما البعض منذ القرن الثالث الميلادي. وقد أنهكهما هذا الصراع المدمر. وهذا ما يفسر لنا سبب السهولة التي تم فيها الفتح العربي الإسلامي للمنطقة وانتصاره عليهما.

فدمشق سقطت في أيدي الفاتحين القادمين من الحجاز عام 636 أي بعد ست سنوات من وفاة النبي محمد صلى الله عليه وسلم. وأما بلاد فارس فقد فتحت العام التالي، وأما أورشليم التي أصبح اسمها القدس فقد فتحت عام 638.

ثم هاجم عمرو بن العاص مصر عام 639. وفي عام 640 حاصر المسلمون ما يشكل القاهرة القديمة الحالية. ثم حاصروا الاسكندرية بعد ذلك بوقت قصير.

واستسلمت القاهرة أو ما ستدعى لاحقا بالقاهرة. وأسس عمرو بن العاص مدينة الفسطاط التي أصبحت العاصمة الإدارية للبلاد. وعلى هذا النحو استسلمت مصر كلها للفاتحين الجدد القادمين من شبه الجزيرة العربية بدين جديد.

وأخذت اللغة العربية تحل محل اللغة اليونانية في مصر بدءاً من القرن الثامن الميلادي. لقد أخذت ترسخ نفسها كلغة للسلطة السياسية، وللتجارة والثقافة والعلم في آن معا.

وعندئذ تحولت القبطية تدريجيا إلى لغة طقسية شعائرية. وبعد سقوط الخلافة الأموية حلت محلها العباسية ثم حكم أحمد بن طولون وذريته مصر بين عامي 868-905م. وبعده جاء العصر الذهبي للفاطميين. ومعلوم أنهم غزوا مصر من تونس وحكموها بدءاً من عام 969.

وهم الذين أسسوا القاهرة والأزهر في آن معا. وقد تحولت مصر في عهدهم إلى قوة متوسطية عظمى. وأصبحت القاهرة أحد المراكز التجارية والثقافية الأساسية للعالم الإسلامي.

ولكن الخلافة الفاطمية أصبحت منهكة بسبب الخلافات الداخلية وعندئذ استطاع القائد صلاح الدين الأيوبي أن يقضي عليها عام 1171 عندما هزم جيشها.

وأما في ما يخص مصر المعاصرة فتقول الباحثة سيلفيا شيفولو ما معناه: بسبب جغرافيتها الخاصة والإيقاع الأبدي للنيل فإن المراقبين ينظرون إلى مصر غالبا وكأنها بلد الثبات والديمومة أو حتى بلد الجمود.

ولكن هذه النظرة ليست صحيحة على الإطلاق. فمصر ما انفكت تتطور على مدار العصور وبخاصة منذ ثورتها الشهيرة عام 1952: أي ثورة الضباط الأحرار بقيادة الرئيس عبدالناصر. فقد حصلت بعدئذ تطورات مهمة على كافة الأصعدة والمستويات من صناعية وعمرانية وتعليمية وثقافية.

ولكن مصر التي كانت تابعة للاتحاد السوفييتي طيلة الفترة الناصرية راحت تنعطف مئة وثمانين درجة باتجاه الغرب بعد استلام أنور السادات للحكم. فهو الذي وقع معاهدة السلام مع إسرائيل في كامب دافيد عام 1979، وهو الذي ألحق مصر بالمعسكر الغربي بعد أن طرد الخبراء والمستشارين السوفييت.

وهو الذي قضى على التوجه الاشتراكي للمرحلة الناصرية ودشن سياسة الانفتاح الليبرالي والرأسمالي في مصر على الصعيد الاقتصادي. ثم تردف المؤلفة قائلة: ينبغي العلم أن سكان مصر يبلغ الآن اثنين وسبعين مليونا. وبالتالي فهي أكبر بلد عربي من هذه الناحية.

ولكن توزيع السكان على مختلف المناطق ليس متساويا على الإطلاق. فخمسة وتسعون بالمئة من عدد سكان مصر يسكنون في مناطق لا تزيد مساحتها عن أربعة بالمئة من مساحة البلاد ككل! إنهم يتمركزون بكثافة شديدة على طول مجرى نهر النيل أو ما يدعى بالدلتا.

وتبلغ كثافة السكان هناك درج عالية تتجاوز 1300 ساكن في الكيلومتر المربع الواحد. وفي الماضي كان معظم هؤلاء السكان ريفيين أو مزارعين. أما الآن فقد أصبحوا يتوزعون على الريف والمدينة. فبعد أن تطور العمران في مصر انتقلت أعداد كبيرة من الأرياف إلى المدن التي تضخمت كثيرا بدورها.

وأهم المدن هي القاهرة التي يبلغ عدد سكانها ثلاثة عشر مليون نسمة، ثم الاسكندرية (أربعة ملايين نسمة)، ثم بور سعيد (نصف مليون أو أكثر)، ثم السويس (حوالي نصف مليون).

ولكن ينبغي العلم بأن الصحراء تشكل أوسع المناطق في مصر ولا يسكنها أكثر من 4,1 بالمئة من عدد السكان. وهذا المعطى الجغرافي يضغط على مصر إلى حد كبير. فلو أن مساحتها الزراعية كانت أكبر ومساحتها الصحراوية أقل لما اضطر عدد كبير من المصريين إلى الهجرة للخارج طلبا للعيش.ولهذا السبب فإن عدد العمال المصريين في الخارج وصل عام 2002 على ثلاثة ملايين شخص.

وهؤلاء يرسلون قسما كبيرا من مدخولهم إلى بلدهم. وهذه الأموال تشكل أحد المصادر الأساسية للاقتصاد المصري بالإضافة إلى السياحة والمساعدة الخارجية، الأميركية تحديدا. ومعظم هؤلاء العمال المغتربين يشتغلون في السعودية وبلدان الخليج العربي بالإضافة إلى أوروبا وأميركا.

ثم تردف المؤلفة قائلة: إن المصريين في معظمهم مسلمون سنة، ولكن توجد أقلية قبطية، أي مسيحية كبيرة. وهي تتراوح بين ستة بالمئة وعشرة بالمئة.

والواقع أن معظم سكان مصر كانوا أقباطا قبل الفتح العربي. ولكنهم تحولوا إلى الإسلام تدريجيا بعد هذا الفتح. والشعب المصري متدين جدا ومسلم بعمق والإسلام يتجلى بوضوح في كافة مناحي حياته اليومية. ولكنه شعب متسامح أيضا في أغلبيته.

والجامع الأزهر الذي أسسه الفاطميون الشيعة أصبح أحد أكبر المراكز العلمية والدينية للإسلام السني. ولهذا السبب فإن الإسلام المصري منفتح على تعددية المذاهب في الإسلام ويسعى للتقريب بين المسلمين على اختلاف طوائفهم ومدارسهم.

* الكتاب:مصر

* إشراف: الباحثة بياتريس هيمسين فيغورو

* الناشر:هاشيت ـ باريس 2005

*الصفحات: 606 صفحات من القطع المتوسط

Egypte

Béatrice Hemsen-Vigouroux

Hachette- Paris 2005

Hac