يقول جورج دافيد السينمائي اللبناني المقيم في أميركا الذي أنجز من قبل سبع قصص سينمائية ورواية ـ أن كتابه هذا (الكتابة السينمائية على الطريقة الأميركية)، لن يصنع من أحدٍ كاتباً سينمائياً، لأن الكاتب خُلق ليكون كاتباً، وهذا الكتاب يساعده على اجتياز المرحلة ما بين التفكير والشعور إلى مرحلة وضع أفكاره وفنه قيد الإنجاز والتنفيذ.

ولكن ماذا عن مفهوم كتابة السينما وماذا تعني هذه الكلمة؟ في أميركا كاتب السينما يسمونه «كاتب الشاشة»، وهذا الاسم هو الأفضل لهذا الفن أو العمل، لأن الكاتب يكتب للشاشة فقط، والفرق بين هذه الكتابة وأي كتابة أخرى هو أن كاتب الشاشة يجب أن يكون له حس بصري قوي جداً، وأن يكون خلاّقاً حتى يستطيع إقناع المشاهد بالفعل بأن هذه الصور هي صور حية بالرغم من أنها تتحرك. ماذا نعني بالضبط بهذا الكلام، وما هو الفارق بين كتابة القصة الروائية، وكتابة قصة الشاشة؟.

لو تناولنا مثلاً شخصية ما باسم (مروان) وتكلمنا عنها بطريقة روائية، وقلنا إن مروان يسير في الشارع بمعدة فارغة أو يكاد يموت من الجوع، كيف يمكن أن نظهر على الشاشة بأن مروان يموت جوعاً؟ طبعاً من الممكن لمروان أن يقول: أنا ميّت من الجوع. وبهذا نعلم حال مروان.

ولكن بمجرد أن يمشي مروان في الشارع واضعاً يده على معدته، عندها بإمكاننا أن نفهم بأن مروان جائع. ولو توقف مروان أمام واجهة إحدى المطاعم وأخذ ينظر إلى الطعام والناس يأكلون، عندها نعلم بأن مروان جائع. ولو قرّب من واجهة المطعم ولامس أنفه وشفتاه الزجاج فاتحاً فمه ولعابه يسيل، عندها نتأكد بأن مروان «ميّت من الجوع». بدون أن نقول أية كلمة.

هذا هو الفرق بين كتابة الرواية والكتابة للشاشة. يمكن أن نستعمل الاحتمالات الثلاثة أو المشاهد الثلاثة لكتابة القصة الروائية، عندها تكون لدينا رؤية صورية للكتابة، ولكننا لا نستطيع أبداً إبراز موضوع الرواية بالطريقة نفسها للفيلم السينمائي، لأنه من المستحيل أن نفتح معدة مروان ونعرضها فارغة للمشاهد.

قبل تعلّم الكتابة هناك شيء مهم جداً، لا يقل أهمية عن الفكرة الصورية للكتابة إلى الشاشة وهو التتابع في السينما، وكما أحب أن أسميه «التسلسل». ماذا تعني كلمة التتابع هذه؟ التسلسل أو التتابع هو الطريقة أو الفن الوحيد الذي من الممكن أن نختبر من خلاله قصة ما على الشاشة بطريقة واقعية.

وبكلمات أخرى، كيف يمكن أن نخبر بقصة جمال عبد الناصر وقراره بتأميم القناة بمدة ساعتين مع العلم بأن القرار بتأميم القناة وتنفيذه أخذ حوالي السنتين؟. أو كيف يمكن أن نشاهد حياة جنكيز خان في فيلم لعمر الشريف مع العلم بأن جنكيز خان عاش عشرات السنين. هذه هي إحدى المهام الصعبة التي يواجهها الكاتب في كتابة أي سيناريو. ولا توجد طريقة واحدة للقفز فوق هذا الحائط أو لخوض هذه المعركة الصعبة، والطريقة الوحيدة هي التسلسل، وماذا نعني بذلك؟.

التسلسل هو مشاهد قصيرة أو طويلة تتتابع أو تتسلسل بطريقة تمكن المشاهد من استنتاج ما يقصده الكاتب دون أن يقول شيئاً. بتوضيح آخر، من واجب الكاتب أن يسيطر على تفكير المشاهد ويقود مخيلته بأسلوب ذكي، يجره إلى التفكير بما يريده الكاتب أن يفكر به.

ولنأخذ المشهد ـ ما العبرة منه؟.. المشهد هو شارع في اتجاهين، الأول بين شخصيات الفيلم، حيث تتحادث وتتعامل فيما بينها، والثاني موجه نحو المشاهد حتى يفهم ماذا يجري ويلاحق القصة بطريقة واضحة. فالمشهد يتكلم، عن شيء غائب عن مخيلة المشاهد.

في أحد الأفلام الأميركية «معركة البراميل»، وهو فيلم حربي عن آخر معركة خاضها الألمان في أوروبا خلال الحرب العالمية الثانية، كان الألمان بحاجة إلى الوقود لمتابعة معركتهم، وأحد أهدافهم مخازن البنزين الأميركية، وقام بدور قائد هذه المعركة الممثل «روبرت شو»، بالإضافة إلى ممثلين آخرين. وبينما كان روبرت شو يجهز للمعركة في مركز إدارة الحرب، أرسل له قائده امرأة جميلة وجذابة. عند دخولها أخبرته أن رئيسه أرسلها له.

لم يعط الضابط الأمر أية أهمية وعاد إلى عمله، فخلعت المرأة معطفها وبدأت تملأ الأقداح بالكحول، وتوجهت نحوه وأخبرته أنها أتته لتلبية أي طلب ولإسعاده بقدر الإمكان، بكل برودة، أخذ روبرت شو الأقداح منها، وضعها على الطاولة، أخذ معطف المرأة وأمسكها بذراعها متوجهاً بها نحو الباب قائلاً: إنني آسف، قائدي يفكر فيَّ بهذه الطريقة. ودفعها خارجاً مغلقاً الباب وراءها وعاد إلى عمله.

هذا المشهد يصرخ بصوت ويقول إن هذا الضابط صاحب قضية وأخلاق عسكرية، وأنه آخذ هذه المعركة على محمل الجد وهدفه الوحيد هو الانتصار، ولهذا السبب نرى روبرت شو يحارب حتى آخر دقيقة من الفيلم، حتى بعد أن بدأ جنوده يهجرون دباباتهم المحترقة، حيث قفز داخل دبابة متوجهاً نحو براميل الوقود ومات احتراقاً.. هذا يدخل ضمن إطار بناء الشخصية. الكاتب الأميركي حين يشرع قلمه لكتابة سيناريو أول سؤال يراود ذهنه عندما يبدأ كتابة قصته هو: أين أبدأ؟.

افتتاحية الفيلم هي شيء أساسي جداً، وهي تقع في الصفحات الأولى من السيناريو ولا يجب أن تزيد على صفحتين أو ثلاث بالكثير، ويمكن أن تستعمل هذه الصفحات الأولى بطريقة شيّقة جداً بهدف جر المشاهد أو القارئ بسرعة إلى القصة، وجعله يتساءل ويحتار، وتكون الافتتاحية في تفكيره نوعاً من الفضول أو الاهتمام بالقصة منذ بدايتها، مما يعطي الفيلم قيمة روائية كما في فيلم عادل إمام «النوم في العسل» نرى أن العريس يترك عروسه ويقف أمام القطار وينتحر، بهذه الطريقة تأسر تفكير المشاهد وتجذب اهتمامه لما يلي.

افتتاحية البناء: هذا النوع بطيء جداً، يسير بخطى بطيئة بهدف ربط المشاهد مع الرواية وشخصياتها، ويتميز الإنجليز بهذا الأسلوب وهدفه تحضير المشاهد، غير أن هذا الأسلوب غير مستحب لدى المشاهدين والنقاد الأميركيين، وطالما أعربوا عن نفورهم من الأسلوب الإنجليزي البطيء. مهما يكن، نترك الحرية للكاتب في اختيار الصيغة الافتتاحية المناسبة لمجريات الأحداث التي تأتي لاحقاً.

وثم ـ من غير المعقول أن ينسجم المشاهد مع شخصيات لا يعرفها، ولهذا أول ما يجب أن تكتبه في الفيلم وأول ما يُهتم به هو تقديم الشخصيات الرئيسية إلى المشاهد، حتى يستطيع التفاعل مع شخصيات الفيلم وخصوصاً مع البطل، فلا أحد يشعر أو يحس بإنسان لا يعرفه.

وهذا التعريف قد يأخذ عشر صفحات، والأفضل أن لا يزيد على اثنتي عشرة صفحة لتقديم الشخصيات الرئيسة في الفيلم وتعريفها للمشاهد، ومن الأفضل أن يذكر اسم البطل، والمجرم، والشخصيات الأخرى بحدود مرتين في الصفحات العشر هذه. لأن أول ما يفعله المشاهد عندما يدخل الصالة ويبدأ الفيلم هو البحث عن البطل والمجرم، والبطل المضاد، وكلما أسرعنا بتعريفهما للمشاهد كلما أسرعنا في جعل هذه الشخصيات شيقة،

وبالتالي يمكن للمشاهد أن ينسجم معها لدى بدء الفيلم. ثم بعد ذلك من المفروض أن تقع الشرارة عادة بعد التعرف على البطل والشخصيات الرئيسة في الفيلم، ونعني التعرف عليهم من الداخل بالإضافة إلى حياتهم وبيئتهم، وبعد إنجاز القسم الأول من الفيلم نبدأ بخلق الشرارة، أي أن الشرارة يجب أن تكون بين الصفحة العاشرة والخامسة عشر ـ أي بعد حوالي عشر دقائق من بداية الفيلم.

والشرارة هي النقطة أو الحدث الذي سوف يشعل المشاكل ويبدأ بتحريك كل شيء في الفيلم نحو النقاط الأخرى. وبمعنى آخر نقطة انطلاق المشاكل التي سوف يواجهها البطل وجميع الشخصيات المعنية بالقصة والفيلم.

في القصص، ليس من الضروري أن تكون البداية في بداية القصة ولا النهاية في نهاية القصة. فالقصة ليست سوى فترة في حياة البطل أو الشخصية الرئيسة. ولكن ما يسبق هذه الفترة هي البداية بالنسبة لهذا الشخص، وما يلحق هذه الفترة هي النهاية. وعلى الكاتب وضع هذه الفكرة نصب عينيه واستغلالها لمصلحته باستعمال أحداث حصلت في ماضي الشخصية وأشياء من الممكن أن تحدث في مستقبل الشخصية. وهنا يمكن أن نذكر فيلم (غاندي) وصراعه لتحرير الهند من الاستعمار البريطاني.

فنتعرف في الفيلم على غاندي وهو في القطار في جنوب أفريقيا وكيف رمي من القطار كونه من عرق غير أبيض، من هنا بدأ الفيلم ولكن هذا لا يعني أن تلك بداية حياته، لأننا خلال الفيلم علمنا أنه محام متخرج من جامعة لندن. فما حصل قبل الفيلم استعملناه في نسيج الفيلم. وهنا على الكاتب أن يستعمل تاريخ ومستقبل شخصيته من أجل تقديم قصة أكثر تقبلاً لدى المشاهد.

أنور محمد

الكتاب: الكتابة السينمائية على الطريقة الأميركية

الناشر: وزارة الثقافة ـ دمشق 2004

الصفحات: 137 صفة من القطع الكبير