مؤلف هذا الكتاب هو د. رضوان زيادة، كاتب وباحث سوري، له العديد من المؤلفات، منها: «مسيرة حقوق الإنسان»، و«صدى الحداثة»، و«سؤال التجديد في الخطاب الإسلامي»، و«أيديولوجيا النهضة في الخطاب العربي المعاصر»، و«المثقف ضد السلطة: حوارات المجتمع المدني في سوريا».

ويتناول الكتاب الكيفية التي تعاملت وفقها السياسة الخارجية السورية مع «إسرائيل» منذ ثلاثينات القرن العشرين المنصرم وصولاً إلى مطلع الألفية الجديدة، أي يمتد إلى فترة تأسيس الكتلة الوطنية في سوريا التي ترافقت مع اتصالات «بريئة» مع بعض أعضاء الوكالة اليهودية في فلسطين وحتى الوقت الحالي، لكنه يركز بشكل رئيسي على مفاوضات السلام الثنائية التي عقدت بين سوريا و«إسرائيل» بعد مؤتمر مدريد للسلام عام 1991 وصولاً إلى توقفها في عام 2000.

ويطمح مؤلفه إلى قراءة العلاقات السورية ـ السوفييتية والسورية - الأميركية التي لا يمكن تتبعها من دون معرفة الموقف السوري من «إسرائيل» وطبيعة العلاقة التي حكمت كلا من الاتحاد السوفييتي السابق والولايات المتحدة بإسرائيل. وينطلق المؤلف من اعتبار أن عملية إعادة بناء السياسة الخارجية السورية قد تمت وفق صراعها مع «الكيان الصهيوني» حرباً أو سلاماً، وتم ترتيب الأولويات السورية وفق هذه السياسة،

فالتحالفات الدولية يتم الدخول فيها أو الحوار معها بناء على قربها أو بعدها من هذا «العدو» كالعلاقة مع الاتحاد السوفييتي سابقاً، والتوازنات والمحاور الإقليمية يجري تنضيدها وتأليفها لمواجهة هذا «العدو التاريخي»، وكذلك تشكيل جبهة الصمود والتصدي عقب توقيع مصر اتفاقيات كامب ديفيد. لذلك يصح القول إن السياسة الخارجية السورية تتحدد وفق الموقف من «إسرائيل» وموقف العالم منها.

إنها سياسة تقوم على معادلة بسيطة تتبع المثل القائل: «عدو عدوي صديقي»، أما «صديق عدوي» فعلينا أن نحدد أولاً درجة صداقته ونسبتها ثم نحدد بالتالي درجة صداقتنا له ونسبتها. وقد انسحب ذلك التقييم على علاقة سوريا مع الدول العربية و الغربية أيضاً.

ثم يغوص الكتاب عميقاً في تفاصيل المفاوضات السورية ـ الإسرائيلية منذ مدريد وحتى توقفها في مارس 2000 بعد لقاء جينيف الشهير بين الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد والرئيس الأميركي بيل كلينتون.

لكنه بالوقت نفسه يعالج المواقف المتبدلة والمتحولة للولايات المتحدة الأميركية من سوريا، بين سعي الأخيرة لإنشاء علاقة جيدة ومتوازنة معها، وبين سعي الإدارات المتعاقبة في الولايات المتحدة الأميركية إلى استجلاب سوريا إلى معسكر السلام الذي من شأنه ـ إن تمّ ـ أن يرسم خارطة جديدة للشرق الأوسط.

ويشكل الكتاب عملياً الرواية السورية الأولي ـ غير الرسمية ـ على المفاوضات السورية ـ الإسرائيلية، ويأتي بعد صدور عديد الروايات الغربية والإسرائيلية التي قدمت من قبل «رابينوفيتش» و«سافير» و«كوبان» و«ساغي» و«روس» و«معوز» و«أندرلاين» وسواهم. وجميعهم حاول تقديم رواية خاصة به من موقعه الخاص، سواء أكان مشاركا في المفاوضات أم باحثا مهتما بعملية السلام في الشرق الأوسط.

وهذا الكم من الروايات جعل الرواية السورية مستبعدة تماماً، أو لا تحضر إلا بوصفها الوجه الأخر للرواية الإسرائيلية، لذلك فهي حُملت ومن قبل الكثير من الباحثين والمسؤولين الإسرائيليين المسؤولية جُزافاً عن إضاعة فرصة السلام، أو عدم الاكتراث بالسلام إلى غير ذلك من توزيع الاتهامات والمسؤوليات على الطرف الآخر الصامت تماماً، الذي لم يقدم روايته التي تنقض الرواية الأخرى أو تخالفها في وجهة النظر على الأقل.

وبالتالي فإن مؤلف الكتاب يطمح إلى تحقيق ما هو أكبر من العنوان الذي اختاره للكتاب: (المفاوضات السورية ـ الإسرائيلية)، من جهة أنه يرغب في قراءة السياسة الخارجية السورية منذ الثلاثينات وحتى الوقت الحالي، كما أنه ـ يقرأ بتركيز أكبر عقد التسعينات من القرن العشرين «العقد الضائع» في تاريخ سوريا، والذي يشكل فترة تاريخية حاسمة ومهمة من فترة حكم الرئيس الراحل حافظ الأسد.

ويتكئ الكتاب في متنه الأساسي على المنهج التاريخي في قراءة التطورات والأحداث السياسية والاجتماعية والاقتصادية والإعلامية المتلاحقة والمتتابعة، ولجأ إلى أرشفة وتوثيق كمّ كبير من المعلومات والوثائق، لكنه في الوقت نفسه حاول أن ينفتح بقدر الإمكان على دمج التحليلين السياسي والإعلامي في رؤيتهما التاريخية مع المحافظة في الوقت نفسه على الصرامة العلمية والتوثيق الأكاديمي الدقيق.

ويعتبر المؤلف أن المسار التفاوضي السوري ـ الإسرائيلي امتاز عن سواه من المسارات العربية ـ الإسرائيلية الأخرى بوصفه صاحب أكبر عدد من الفرص الضائعة أو المضيّعة، والتأريخ لهذه المفاوضات وفق هذه الصيغة أغرى الكثير من الباحثين والمحللين، ربما لأنه لم يصل إلى إنجاز ما، فصار يُعرف بالفرص أكثر من تعريفه بالنتائج أو الإنجازات.

لكنه يقرّ بأن المفاوضات السورية الإسرائيلية منذ انطلاقها مع مؤتمر مدريد 1991 وحتى توقفها نهائياً لم تكن مقصودة بذاتها. بمعنى آخر، إذا كان التفاوض ـ بمعناه المدرسي ـ يعني اتباع المصلحة المشتركة والتركيز على ما يحقق صالح الطرفين للعمل معاً، وعلى ذلك فعليهما أن يتوصلا إلى حلول وسط في قضايا التفاوض المتعثرة،

فإن التفاوض بمعناه «الشرق أوسطي» يتحدد بالمحصلة الصفرية، فما يكسبه طرف سيخسره الطرف الآخر حتماً والعكس صحيح، وعلى ضوء ذلك جرت المفاوضات السورية ـ الإسرائيلية على مدى سنواتها العشر الضائعة.

وقد ارتكزت الاستراتيجية السورية في التفاوض بشكل رئيسي على الحصول على التزام أو تعهد إسرائيلي بالانسحاب الكامل من الجولان حتى خط الرابع من يونيو، وأمام هذا الهدف النهائي الاستراتيجي يمكن قراءة جميع التكتيكات السورية أو التنازلات السورية في مجالات الأمن والمياه والتطبيع،

فالأمن على سبيل المثال عليه أن يكون متكافئاً وتبادلياً لدى الطرفين لكن، شرط أن لا يمس السيادة السورية في الجولان، وهو مبرر الرفض السوري الدائم لوجود محطات إنذار مبكر إسرائيلية في الجولان بوصفها أدوات تشعر السوريين بانتقاص سيادتهم على هضبة الجولان.

ويعتقد المؤلف ـ بكل ثقة ـ أن الرئيس حافظ الأسد كان جاداً في التوقيع على اتفاقية سلام نهائية مع إسرائيل مع استئناف المفاوضات في عهد رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق ايهود باراك، بل ويؤكد بأن الأسد لم يكن في تاريخه جاهزاً للسلام بقدر جهوزيته في تلك الفترة. وذلك لأنه كان مدركاً تماماً أن الفرصة لن تتكرر، ربما له أو لخلفه، لكنه أُحبط من المراوغة الإسرائيلية في مفاوضات شبيردزتاون.

كما أُحبط مرة أخرى من الرئيس كلينتون عندما عرض عليه في جينيف عام 2000 ما لم يكن ليقبله بأي حال من الأحوال، و هو ما يدفع المؤلف إلى القول إن الفرصة الحقيقية للسلام يوم لاحت أهدرت فوراً، نظراً لأن باراك لم يكن مستعداً لدفع الثمن كاملاً، وهو الانسحاب حتى خط الرابع من يونيو، وبشكل يجعل سوريا متشاطئة ببحيرة طبرية، ولا تصطاد فيها فقط بأذرع طويلة.

إذاً، وخلافاً لتشدد لغة الخطاب السوري المعلَن، فإن القيادة السوريا أبدت مرونةً كبيرةً في التوصل إلى اتفاقٍ مع إسرائيل، الهدف منها حل كل قضايا الخلاف العالقة بشكلٍ متوازنٍ ومرضٍ، في ظل ما عُرف بـ «وديعة رابين»، وكذلك التعهد الأميركي بانسحاب إسرائيل حتى آخر متر من الجولان.

والمقصود بـ «وديعة رابين» تلك الرسالة الخطية التي أرسلها ووقعها رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحق رابين في تموز 1994 إلى الرئيس الأميركي بيل كلينتون، يتعهد فيها بالانسحاب إلى خط الرابع من يونيو 1967.

وقد أنكرها بنيامين نتانياهو مستنداً إلى شهادة إيتامار رابينوفيتش عضو الوفد الإسرائيلي المفاوض والخبير بالشؤون السورية، والذي اعتبر الأمر لم يتعدّ صيغة الوعد الشفهي المحتمل. وقد تابع باراك التنكر لهذه الوثيقة، وذلك كي يتمكن من الانقلاب عليها في مفاوضات شيبردزتاون التي كانت على ما يبدو أكثر سخونةً مما توقعه بكثير.

وكان التكتيك الإسرائيلي يحصر التقدم في المفاوضات الإسرائيلية ـ السورية من جانب إسرائيل، ويرتكز إلى نقطة التلاعب بالمسارات، وتوظيف إنعاش المسار السوري لإرباك المسار الفلسطيني وبالعكس.

بالمقابل، لجأت الدبلوماسية السورية إلى وسائل يدعوها المؤلف أذرعا طويلة وأخرى قصيرة للوصول إلى هدفها ذاك، سواء عبر تحريك جبهة الجنوب اللبناني أو التلويح بورقة التطبيع مع جميع البلدان العربية أو توظيف الجماعات الفلسطينية المعارضة لأسلو والموجودة في دمشق.

وأرادت في الوقت نفسه ومن خلال مفاوضاتها مع إسرائيل تحسين علاقاتها مع الولايات المتحدة بوصفها القطب الوحيد المهيمن في العالم، وإدراكا من حافظ الأسد أن الولايات المتحدة وحدها من يستطيع صنع السلام في الشرق الأوسط، سواء عبر ضغطها على إسرائيل أو عبر توظيفها لمجمل سياستها في الشرق الأوسط لصالح عملية السلام،

لكن المفاوضات توقفت دون أي مؤشر على استئنافها. والمرجح أن رحيل الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات أو«ترحيله» عجّل بعدم تحريك التفاوض على المسار السوري. وتوافقاً مع استراتيجية شارون في تنفيذ خطة الانسحاب من قطاع غزة وشمالي الضفة الغربية على أساس أنها تشكل البقية الباقية للفلسطينيين، فإنه لم يكن في أي وقت مستعداً لملاقاة المسار التفاوضي السوري بأية جديةٍ.

إضافة إلى أن إدارة شارون عمدت إلى سياسة اللعب بالأوراق، إذ أرسلت إشارات تتحدث عن الاستعداد لتوقيع اتفاق سلامٍ مع لبنان، وهو ما استبقته القيادة السورية بتمديد فترة الرئاسة للحود الذي تمّ الرد عليه بمعاقبتها بالقرار 1559 وبتزايد الضغوط عليها.

ويمكن القول بعد توقف المفاوضات السورية ـ الإسرائيلية تماماً، وتزايد الضغوط الأميركية والأوروبية على النظام السوري، أن التسوية في منطقة الشرق الأوسط ستنتظر وقتاً طويلاً، مع أن سنوات المفاوضات السورية الإسرائيلية الطويلة شهدت بالفعل فرصاً ضائعة لو أحسن استغلالها لقطف الطرفان ثمرة السلام، لكن للأسف بقي السلام مفقوداً وبعيد المنال.

عمر كوش

الكتاب: السلام الداني

المفاوضات السورية ـ الإسرائيلية

الناشر: مركز دراسات الوحدة العربية ـ بيروت 2005

الصفحات: 860 صفحة من القطع الكبير