روميانا أوغارتشينسكا هي صحافية بلغارية تعيش وتعمل في فرنسا منذ سنوات طويلة، تعمل أيضاً بالتدريس في قسم الأبحاث حول التهديدات المعاصرة ذات العلاقة بالجريمة المنظمة. في الأول من شهر مايو 2004 أصبح عدد بلدان الاتحاد الأوروبي خمسة وعشرين بلداً، إذ انضمت إليه عشر دول جديدة كانت بأغلبيتها من البلدان التي ظلت لعقود عدة تدور في فلك الاتحاد السوفييتي السابق. إن مؤلفة هذا الكتاب عن جهاز الـ «كي.جي.بي» وشركاه تحاول في الواقع الإجابة عن السؤال التالي:
من هم في الحقيقة رجال السياسة الجدد وأصحاب القرار في هذه البلدان؟ وبإجابة مختصرة تحددهم، في سوادهم الأعظم، بأنهم من قدامى جهاز الاستخبارات السوفييتية أو أجهزة البلدان الاشتراكية السابقة، في أوروبا الوسطى والشرقية ومن المتنفذين الجدد الذين استفادوا من سقوط الأنظمة القديمة وخرجوا من «جوف» هذه الأنظمة ليستولوا على جزء مهم من ثروات بلدانهم.
بل لا تتردد المؤلفة في القول إن العديد من هؤلاء إنما هم من المطلوبين للعدالة الذين عهدوا لهم بعملية تبييض «الأموال الحمراء». وتؤكد المؤلفة في السياق نفسه أن هؤلاء الذين «برزوا منذ خمسة عشر عاماً وتُفرش لهم اليوم السجادات الحمراء من دون الاهتمام بماضيهم» إنما يمتلكون «أساطيل من المحامين وإمكانات هائلة للتغلغل في الاقتصادات الغربية. وغداً سوف يقومون بالهجوم على أوروبا».
لقد وصلت مؤلفة هذا الكتاب إلى مثل هذه النتيجة «الدقيقة والحساسة» بالاعتماد على العديد من المصادر المكتوبة أو الشفهية حيث انها أجرت الكثير من المقابلات مع الشخصيات المسؤولة في البلدان المعنية أو مع بعض رجال الظل الذين كانوا يشغلون مناصب مهمة في الأجهزة السرية لبلدانهم. وبهذا المقياس يبدو هذا الكتاب أحياناً وكأنه إحدى روايات التجسس أكثر مما هو عمل توثيقي.
وضمن هذا الإطار، تعود مؤلفة الكتاب للحديث عن الفترة التي سبقت سقوط الكتلة الشيوعية ابتداء من سقوط جدار برلين في شهر نوفمبر عام 1989 والذي كان بمثابة العمل ـ المنعطف الذي غيّر مجرى التاريخ الأوروبي، وربما العالمي.
لكن المؤلفة تشير في الوقت نفسه إلى أن سقوط جدار برلين لم يكن فقط بمثابة عيد للديمقراطية، ذلك أن أجهزة الاستخبارات في بلدان الكتلة الشرقية كانت قد استشعرت، إلى هذه الدرجة أو تلك، بأن عواصف حقيقية تلوح في الأفق، وذلك منذ وصول ميخائيل غورباتشوف إلى قمة السلطة في الاتحاد السوفييتي ـ السابق ـ عام 1985، والقطيعة التي أحدثها مع الإرث الستاليني ومع الحقبة البريجينيفية.
وضمن هذا السياق تؤكد مؤلفة هذا الكتاب أن مناورات سياسية مافيوزية قد بدأت «في منظور المستقبل» قبل سنوات من سقوط جدار برلين عام 1989.
بل إن «روميانا أوغارتشينسكا» تعود إلى مطلع سنوات السبعينات حيث تؤكد أن العديد من القادة السياسيين الشيوعيين في الاتحاد السوفييتي السابق وغيره من بلدان الكتلة الشرقية، كانوا قد قاموا بتهريب كميات كبيرة من الأموال إلى الجهة الأخرى من الستار الحديدي الذي فصل بين المعسكرين الرأسمالي والاشتراكي في أوروبا طيلة سنوات الحرب الباردة التي بدأت بعد فترة وجيزة من نهاية الحرب العالمية الثانية وانتهت مع سقوط الكتلة الشيوعية.
وهكذا استقبلت البنوك الغربية، وخاصة السويسرية منها التي تحافظ على سرية الحسابات لديها، كميات كبيرة من الأموال «وجدها» أصحابها فيما بعد «أمامهم»، وليست البنوك السويسرية فقط وإنما أيضاً اليونانية والقبرصية.
ولا تقتصر مؤلفة هذا الكتاب على التأكيدات «النظرية» العامة، وإنما تقدم بعض الأمثلة الواقعية التي كان للسلطات السياسية فيها علاقات وثيقة مع العصابات المافيوزية.. وهذا تتحدث عن مافيات القطن في أوزبكستان، إحدى الجمهوريات السوفييتية سابقاً، ذات العلاقة الوثيقة مع بعض أفراد أسر ة ليونيد بريجينيف، وكذلك تتحدث عن تبييض العملات الهنغارية عندما كان تودور جوكوف «حاكماً مطلقاً فيها ـ تؤكد المؤلفة أن أسرتها نفسها كانت ضحية للقمع في عهده ـ في النمسا بشكل خاص.
كما تشير أيضاً إلى العلاقات الخطيرة التي قامت بين النظام الستاليني الذي كان قائماً في ألبانيا تحت ظل حكم أنور خوجة وبين العصابات المافيوزية في البلاد.. ثم هناك الأموال اليوغسلافية التي تسربت خاصة إلى اليونان وإلى سويسرا.
أما هذه العمليات كلها فقد كانت تتم، حسبما تقول المؤلفة، عبر مجموعة من الجواسيس التي يعين لهذا البلد الاشتراكي أو ذاك والذين كانوا يستخدمون هذه الأموال من أجل إنشاء شركات وهمية من أجل التغطية على نشاطهاتهم السرية. هذا وقد كان هؤلاء الضباط ـ الجواسيس يقومون بمهمة مزدوجة فمن جهة كانوا يتولون تبييض الأموال «القذرة» المتأتية من نشاطات غير مشروعة،
ليست بعيدة عن أجواء الجريمة المنظمة، والمهربة من بلدانها ثم تدويرها، ومن جهة أخرى كانوا يمارسون نشاطهم «التجسسي» في ميدان جمع المعلومات الاقتصادية التي تسمح بدورها لـ «أسيادهم» في زيادة ثرواتهم «المنقولة».
وكان هؤلاء الرجال قد فهموا منذ أواسط سنوات الثمانينات المنصرمة بأن خطراً ما يرتسم في الأفق، ولذلك شهدت الأموال التابعة للأحزاب الشيوعية في بلدان أوروبا الوسطى والشرقية خاصة، وفي مختلف جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق عامة، «هجرة» نحو البلدان الغربية من أجل تحضير «المستقبل» هكذا ما أن انهارت السلطات السياسية التي كانوا يشغلون أحياناً فيها مناصب مفصلية حتى تخلوا عن السلطة السياسية كي يستولوا بكل بساطة على السلطة الاقتصادية، ذات الفعالية الكبيرة في إطار العولمة واقتصاد السوق.
بتعبير آخر لقد خلع هؤلاء ثياب مافيات الدولة في إطار سيطرة الحزب الواحد كي يرتدوا ثياب المافيات الخاصة. وقد فرض عليهم هذا «الموقع الجديد» أن يحيطوا أنفسهم بمجموعات من عناصر «الحماية» الذين يتم توظيفهم في أكثر الأحيان من أوساط العصابات وقتلة الجرائم المنظمة. وكانت النتيجة هي بروز ثروات شخصيات هائلة منذ حوالي عشر سنوات لأبناء بلدان أوروبا الوسطى والشرقية الاشتراكية سابقاً الذين يعيشون على طريقة أصحاب المليارات بينما الأغلبية الساحقة من شعوب بلدانهم تعيش بمستوى ما دون عتبة الفقر.
إذا كان القسم الأول من هذا الكتاب مكرسا للحديث عن الأجهزة السرية السابقة فإن القسم الثاني منه مخصص للأجهزة السرية الجديدة.. وتؤكد المؤلفة بأن الآليات القديمة نفسها لا تزال قائمة في معظم البلدان التي تحررت من النير السوفييتي وأصبح عدد منها دولاً أعضاء في الاتحاد الأوروبي.. بل وإن الأجهزة السرية في يوغسلافيا السابقة قد قامت باغتيال رئيس وزراء وحمت عدداً من مجرمي الحرب الذين لا تزال المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي تبحث عنهم.
وفي المحصلة تقدم مؤلفة هذا الكتاب صورة «قاسية» لمجتمعات أوروبا الوسطى والشرقية التي عاشت تجربة النظام الشمولي ـ التوتاليتاري ـ والتي تشهد الآن مرحلة انتقالية نحو الديمقراطية.. واقتصاد السوق. تقول: «في هذا العالم الرمادي الزاخر بالعملاء السريين القدامى والحاليين، وفي قصصهم التي تبدو أحياناً انها مستعصية على التصديق،
وما يثير الدهشة هو أن المرء يفاجأ بأنه أمام عالم ساد الاعتقاد بأنه قد اختفى إلى الأبد وأنه قد أصبح بمثابة مشاهد سينمائية إلى جانب الجاسوس الشهير 007 (...) بكل الحالات يبقى الجهل في هذا الميدان الحساس مرادفاً للخضوع».. بحيث ان المؤلفة تبدو وكأنها تريد أن تقول: ما أشبه الليلة بالبارحة.
الكتاب: كي. جي. بي وشركاه
الهجوم على أوروبا
الناشر: آن كاريير ـ باريس 2005
الصفحات: 378 صفحة من القطع المتوسط
KGB ET CIE A L'ASSAULT DE L'EUROPE
ROUMIANA OUGARTCHINSKA
ANNE CARRIERE - PARIS 2005
P. 378