يعتبر بيتر كاري الروائي الاسترالي الذي ولد في باخوس مارش في فيكتوريا عام 1943، من الكتاب القلائل الذين فازوا بجائزة بوكر مرتين. الأولى عن روايته «أوسكار ولوسيندا» عام 1988 والثانية عن روايته «التاريخ الحقيقي لعصابة كيلي» عام 2001. وبالمجمل فاز بما يزيد على اثنتي عشرة جائزة سواء لرواياته أو قصصه القصيرة أو سيناريو أفلام سينمائية خلال ثلاثة عشر عاما فقط ما بين 1981 و1994.

كان كاري من أوائل كتاب استراليا الذين ابتكروا عالما يجمع بين تغريب الوقائع والفانتازيا والكوميديا السوداء. وهو أسلوب انتهجه العديد من الكتاب فيما بعد. عمل في بداية حياته وبعد دراسته للعلوم وتخرجه من جامعة موناش عام 1961، في شركات الإعلان حيث كان يحرر مادة الإعلانات، وذلك بهدف كسب رزقه. وفي تلك الفترة كان لتواصله مع كل من الكاتبين الشهيرين موريس لوري وباري أوكلي الذي كان يقيم بواكير أعماله، دور كبير في التحول باتجاه الأدب كمهنة.

ويصف الكاتب أوكلي شخصية كاري بقوله، «كانت قدرات كاري واضحة منذ البداية، إلا أن كاري نفسه لم تكن لديه أدنى فكرة عن موهبته الفذة». بدأ بكتابة قصص قصيرة في إطار سوريالي، ونشر مجموعتين بعنوان «جرائم الحرب» عام 1979 و«الرجل البدين في التاريخ» عام 1980.

وكتب بعد ذلك رواياته الثلاث: أولها «السعادة» عام 1981، وتتمحور حول بطلها الذي يعمل في مجال الإعلان وتجربته الغريبة في خروجه من جسده. وثانيها «إيليواكر» عام 1985 وتناول فيها رؤية شاملة لتاريخ أستراليا يرويه من خلال مذكرات رجل يبلغ عمره مئة عام. وثالثها رواية «أوسكار ولوسيندا» عام 1988 كما ذكرنا سابقاً.وعلى الرغم من أن كاري ليس من فئة كتاب الخيال العلمي، إلا أن كتاباته تتضمن بعض أدوات هذا النوع من الأدب، وبالتحديد في روايته «إيليواكر»، التي فازت بجائزة ديتمر والتي تمنح لأفضل كاتب روائي استرالي في الخيال العلمي.

وحينما كان يعمل على روايته «مفتش الضرائب» عام 1991، انتقل إلى نيويورك وهناك كتب أربع روايات: «الحياة غير العادية لتريستران سميث» عام 1994، و و«جاك ماغز» عام 1997، و«التاريخ الحقيقي لعصابة كيلي» عام 2001، و«حياتي كمزيف» عام 2003، إلى جانب كتاب خاص بالأطفال بعنوان «بازوهلي الكبير» ونشر عام 1995.

كما كتب في عام 1992 سيناريو فيلم «حتى نهاية العالم» لشركة فيم فيندرز فيلم. وتعاون مع راي لورنس في كتابة سيناريو روايته «السعادة» عام 1985، وتبنت السينما روايته «أوسكار ولوسيندا» وحولتها إلى فيلم سينمائي بنفس العنوان عام 1997، وقد حقق الفيلم نجاحاً كبيراً.

لا يزال بيتر كاري يعيش في نيويورك ويدرّس الكتابة الإبداعية في جامعة نيويورك. وحاز على ثلاث درجات شرف وهو زميل في كل من أكاديمية الفنون والعلوم الأميركية، والمجتمع الملكي للأدب وهو أكاديمية استرالية للعلوم الإنسانية. وقد أصدر هذا العام كتابا من أدب الرحلات بعنوان «ما هو خاطيء عن اليابان» ويروي فيه ذكرياته كمسافر إلى اليابان برفقة ابنه شارلي، ومحاولتهما فهم حضارة وتراث اليابان.

وتقع أحداث رواية «أوسكار ولوسيندا» بين استراليا وانجلترا في العهد الفيكتوري في منتصف القرن التاسع عشر. ويتمحور العمل حول البطلين أوسكار هوبكنز، الابن الذي تمرد على والده الكاهن المتزمت حد التطرف، ولوسيندا ليبلاسترير، التي اشترت بالمال الذي ورثته من والدها مصنع زجاج. تبدأ الرواية بسرد الراوي الذي يبين بأن وجوده في الحياة كان نتيجة العلاقة التي أقامها جده الأكبر «أوسكار»، ويمهد المؤلف للبطلين من خلال قول الراوي، «إن وجودي كان رهنا بلقاء مقامرين، أحدهما مهووس به والآخر مغرم بإثارة المغامرة».

ويوضح الراوي ماضي كلا البطلين بحيادية بعيدا عن أي تحيز أو تعاطف. ويبين بأن بداية تمرد أوسكار كان في ليلة عيد الميلاد، حينما أعد له الخادم حلوى العيد خلسة ليأكلها أوسكار. ولدى معرفة والده بذلك أجبره على تقيؤها، لكون هذا الأمر يتعارض مع جوهر الدين حسب اعتقادة.وفي الوقت ذاته يعرض كاري الجانب الإيجابي من شخصية هذا الأب المحب الذي يفقد اهتمامه بالحياة لدى مغادرة ولده. ويدرك أوسكار بعد حين بأن ما يرغب به هو السفر إلى أستراليا لتبشير السكان الأصليين بالديانة المسيحية، إلا أن قدره يحمل له مسارا آخر.

ويتناول كاري في هذه الرواية، الخطيئة والإحساس بالذنب والهوس وحب الإثارة، وتضفي هذه المحاور على العمل عمقاً وبعداً إنسانياً متفرداً. وإن كان أوسكار يمثل الشخصية البريئة الساذجة، فإن الشابة لوسيندا التي وقع في غرامها، تمثل الشخصية العاطفية المتمردة، مثل بطلات ديستويفسكي اللواتي يتعثرن بظروف تضعهن على منعطف تحولهن إلى نساء مختلفات.ويتجلى فارق تعلقهما بالقمار، في كون أوسكار يتعامل مع المقامرة بمنهجية وأعصاب باردة منذ اليوم الأول له في سباقات الخيل، أما لوسيندا من خلال اكتشافها للحياة الليلية لمدينة سيدني والبحث عن لعبة مثيرة وكبيرة تحمل احتمال خسارة جميع أموالها.

وتشاء الأقدار أن يلتقيا على متن السفينة وأن يقع كلاهما في غرام الآخر، الفتاة البرية الثرية والقس بشعره الأحمر وجسده النحيل. وهكذا يرتبط حبهما وقدرهما بمشروع أكثر ضخامة وخيالية من تاج محل، ويتمثل في بناء كنيسة متنقلة من الزجاج حيث يمكن لأوسكار أن يبتهل إلى الله في مختلف براري أستراليا المقفرة. ومن خلال التفاصيل والدراسات التي يقدمها كاري يبدو هذا المشروع للقارئ ممكنا بل أكثر من ممكن.

وتعكس لوسيندا ما يجول بفكرها من خلال مشهد مراقبتها لتصنيع الزجاج، «الزجاج شيء متنكر، ليس صلبا على الإطلاق فهو سائل .. باختصار إنه متعة وشيء مختلف، وهو مثل أي مادة جيدة صالحا لبناء حياة منها». ويتمثل دافع كاري العام في التقليل من شأن فكرة بناء الحياة ككل. أما مسعاه فيتمثل في رسالته غير المباشرة التي تبين بأنه لا يمكن لأية مادة كانت بناء حياة جيدة، فالزجاج يرمز إلى الانزلاق وعدم اليقين، مثل وضع لوسيندا كامرأة بمفردها في أستراليا.

ويجمع كاري في تناوله للأحداث بين تاريخ استراليا المتناقض وبين الفوضى الفردية المتمثلة في مشروع الزجاج. ويقوم أوسكار مع البعثة ونيابة عن لوسيندا بنقل زجاج الكنيسة أو حلمه الخاص إلى البراري عبر النهر. هذا الحلم الذي يمثل لكلا البطلين الحرية.

ولسوء الحظ، يكتشف أوسكار الحقيقة الوحشية والمفزعة خلال رحلة البعثة. ولا يبخل كاري بتصوير الحادثة الدرامية على متن مركب البعثة بكافة العنف الرومانتيكي ليخترق جميع حواجز الوهم. إذ تتحول الراحة التي كان أوسكار يحيط نفسه بها إلى جحيم ليشعر بأنه مجرد خنفساء في أحشاء وحش.

وتتوج أحداث الرحلة بغرق أوسكار ومواجهته للموت الذي طالما أخافه. أما لوسيندا فكان القدر أكثر رأفة بها، فاستيقاظها من حلمها كان يحمل فرصة للنجاح. فبعد خسارتها لمعظم ثروتها على طاولة القمار في لعبة واحدة، تشعر للمرة الأولى بتحررها من جميع الأثقال.

تتوجه لوسيندا مباشرة إلى العمل في أحد المصانع، لتنخرط في الحركة الخاصة بتحسين أوضاع العاملين في المصانع، وتصبح شخصية مشهورة في أوساط الطلبة المنتمين إلى «حركة العمال الاسترالية». وبهذا يوضح كاري زيف الرمز الهش لبناء حياة تعتمد على المادة.

رشا المالح