عمل موسوعي مهم ذلك الذي قدمه وزير الثقافة المصري الأسبق ثروت عكاشة بعنوان «الفن الهندي» الذي يعد الجزء الأول من سلسلة «فنون الشرق الأقصى.. الهند والصين واليابان» والجزء الثلاثين من «موسوعة تاريخ الفن.. العين تسمع والأذن ترى» التي تضمنت بانوراما فاحصة في تاريخ الهند وفنونها التي استمدت تراثها من تنوع ثقافات ودياناتها وأعراقها.

جاءت الدراسة التي صدرت مؤخرا عن دار الشروق في القاهرة إطلالة متعمقة مصحوبة بمجموعة هائلة من الصور الفريدة والجميلة على عقائد الهند الدينية وأربابها وملاحمها الخالدة وفنون النحت والعمارة عبر عهود الأسر الحاكمة وفن التصوير الهندوكي والمغولية والعمارة المغولية بالهند خاصة «تاج محل» مختتما تلك الدراسة بإطلالة على فنون الدراما والأدب والرقص والموسيقى الهندية.

في الباب الأول من الكتاب يتناول المؤلف نشأة الشعب الهندي ومراحل تطوره على مدى تاريخه مستعرضا معتقداته الدينية وآلهته على مر القرون وما صاغه من ملاحم وطقوس وأناشيد ترددها الألسن الى اليوم مؤكدا أن ذلك هو الباب الذي لا غنى عن ولوجه للوقوف على أسرار الفن الهندي الذي استلهم موضوعاته منها مجتمعة. كما يتناول في هذا الباب أيضا اللغات والأختام والعملات والسمات الدالة في الفنون الهندية مشيرا الى أن بلادا مثل الهند على إتساعها موشاة،

بل مرصعة بما لا حصر له من الآثار والأطلال لذلك فإن دراسة أثر من زاوية واحدة فحسب هي دراسة منقوصة، لذا وجب استكمالها بالكشف عن الزمن الذي فيه الأثر الفني والربط بينهما تاريخيا وكذا الإلمام بآداب العصر القديم والعصر الوسيط وفحص النقوش المدونة على جدران المعابد والعملات والنقود المختلفة على مر العصور التي تروي لنا التتابع التاريخي للأسر الحاكمة وعقائدها وتطلعاتها ومثلها العليا .

وفي ختام هذا الباب يجري المؤلف إطلالة عامة على الفنون الهندية يشير فيها الى أن الفن الهندي أول ما نشأ متحررا متنوعا ثم ما لبث أن أصبح أسيرا لنواميس فنية جامدة مستقاة من التقاليد والأعراف الهندية فغدا فنا كهنوتيا بعد أن ظهرت كتب تضم قواعد وأصولا تلزم الجميع باحتذائها.

وفي الباب الثاني من هذا العمل الموسوعي الضخم يقدم المؤلف شرحا مفصلا لفنون النحت والعمارة الهندية من الناحية الموضوعية والتاريخية من خلال مسيرة تلك الفنون عبر عهود الأسر الحاكمة موضحا أن العمارة الهندية شأن النحت الهندي نبعت من صميم المعتقدات الدينية الهندية

وإن وفدت عليها تأثيرات أجنبية على مر التاريخ فبينما لم تلجأ العقيدة الفيدية في طقوسها وشعائرها الى تشييد المعابد أو نحت التماثيل كان لغيرها من العقائد المبكرة صوامعها ومعابدها المشيدة من الخشب ومصوراتها ومنحوتاتها إلا أن الوثائق التاريخية لم تسجل أية إشارة الى التماثيل والمصورات والمعابد إلا اعتبارا من القرن الرابع ق.م كما لم يتوصل الأركيولوجيون الى الكشف عن نماذج للنحت والتصوير تعود الى ما قبل القرن الأول الميلادي إلا فيما ندر.

ويضيف عكاشة أنه إذا كان على الفنان الهندي بصفة خاصة إتباع الأيقونراغرافية الهندية الصارمة التي لا تهدف الى مجرد تقديم إنجاز فني مناسب فحسب بل الى تقديم إنجاز فني ديني لا تقوم له قائمة إلا إذا ساير القواعد الجمالية الملزمة فلم يغب عن الفنان الهندي قط أن القصد من نحت التمثال هو أن يكون في خدمة شعيرة التأمل والاستبصار من حيث وضعه وتعبيراته وإيماءاته وإشاراته، بل وما يكسوه من أردية لكل منها مدلوله الخاص ويحتفظ متحف «سارنات» بمنحوتة بديعة لبوذا في وضعية الوعظ وقد تشابكت أصابع يديه في إيماءة الى إدارة عجلة الشريعة المقدسة.

ويشير عكاشة الى أن عهد أسرة جوبته «320 ـ 015» يعد ذروة الأمجاد الفنية الهندية فإذا كان الفنانون الهنود قد تقبلوا بعض التأثيرات الأجنبية في أعمالهم منذ عهد أسرة موريه «320 - 581» والذي تحررت فيه الهند من النظام القبلي.

إلا أنهم سارعوا بعد استيعابهم كل ما جد عليهم من طرز الى إعادة صياغة النماذج الأجنبية في أشكال جديدة وينظر أهل الهند الى عصر أسرة جوبته بكل زهو وفخار لما تحقق فيه من وحدة وطنية ورخاء غير معهود وإزدهار للأدب السنسكريتي فإذا هذا العهد يغدو في أنظارهم حدا فاصلا بين الظلام والنور.

ويضيف المؤلف أن عهد أسرة جوبته قد تميز بنزعة «توفيقية اصطفائية» واضحة مؤداها إنتقاء الأفضل من بين المذاهب والعقائد الدينية والأساليب الأدبية والطرز الفنية وضمها بعضها الى بعض بعد اعادة تشكيلها في إطار جديد موحد وبصفة عامة تميزت الشخوص المنحوتة في عهد أسرة جوبته بأحجامها تامة الاستدارة وبالتجسيم الرهيف الناعم وبالخطوط الحاضنة المتسقة وبالأجساد الرشيقة التي تبدو وكأنها صور ذهنية متخيلة أكثر منها صور واقعية أما ثيابها فهي شفافة لا تحجب الأجساد ما كان يتعين ستره وتتجلى الحلي والجواهر في غير إفراط وتنم تعبيرات الوجه الوادعة عن الاستغراق في التأمل والعيون مسدلة الجفون .

ويبين المؤلف أن الشهرة العالمية التي اكتسبتها معابد خاجورا وترجع الى احتشادها بالتماثيل ولوحات النقش البارزة المعبرة عن الجانب الدنيوي الحسي والتي تبرئ اللقاء الجنسي من الخطيئة وتضفي عليه الشرعية فالمرء يتوقع من منحوتات المعابد الدينية عادة أن تكون معبرة عن الآلهة والأساطير الدينية ورموز العبادة ولكن الزائر لمعابد خاجورا ما يلبث أن يرى عددا هائلا من المنحوتات الجنسية التي تزخر بها تلك المعابد.

أما الباب الثالث من الكتاب فيتناول فن التصوير في الهند والتأثير الإسلامي المغولي في الحضارة الهندية حيث يوضح فيه المؤلف أن فن التصوير الهندي له تاريخ طويل ولاسيما الرسوم الجدارية التي تحفل بها جدران المعابد البوذية والهندوكية كما ازدادت العناية بتصوير المخطوطات مع دخول الإسلام الى الهند في القرن التاسع

وقد واكب إضمحلال البوذية في الهند شيوع الإسلام على حين بقيت الهندوكية والجينية على عنفوانها مما شجع المصورين على تزيين كتب المخطوطات بالتصاوير. على العكس من رعاة الفن المغولي كان الهندوكيون والجينيون أشد ما يكونوا قربا ومجاراة لأحاسيس الشعب لذا كانت اساليبهم التصويرية مستشرية في التقاليد الهندية.

ويشير عكاشة الى أن عهد الدولة المغولية الإسلامية بالهند قد شهد أعدادا ضخمة من المباني المغولية يضيق المقام عن حصرها اختار منها نموذجين هما مئذنة «منار قطب» التي شيدها الأمير قطب الدين أيبك بمسجده بالقرب من دلهي، والقلعة الحمراء التي شيدها شاه جهان في دلهي وتناول بالدراسة مقام تاج محل واصفا إياه بدرة المباني الجنائزية على وجه البسيطة مشيرا الى أن شاه جهان تخير نخبة من عمالقة المهندسين لوضع تصميم مكتمل لا يحتاج معه الى اي تعديل بحذف أو إضافة ليكون مكانا يليق بمكانة محبوبته الامبراطورة حية وميتة «ممتاز محل» التي تزوجها عام 1612م وتوفيت عام 1631 وقد بدأ العمل بالمبنى عام 1632 بمشاركة اساطين البنائين والخطاطين.

وقد استغرق تشييد هذا المبنى اثنى عشر عاما وتطلب الأمر للتعجيل باستكمال بنائه استخدام عشرين ألف عامل يوميا طوال عام 1643 وحده. ولذلك أجمع كثرة من مؤرخي الفن بأنه يكاد يكون أقرب المنشآت التي شيدها الإنسان الى الكمال فهو بضخامة حجمه يبدو كما لو أن صياغ الذهب هم الذين شادوه كأروع جوهرة أبدعوها ليتخاطف جمالها الأبصار. وكفى شاه جهان أن يجعل من موت زوجته الأثيرة رمزا خالدا للجمال فأورث الهند والعالم أشهر الأضرحة، حتى قال فيه شاعر الهند الأشهر طاغور «حسب شاه جهان أنه قد سكب على ضفة النهر دمعة واحدة التصقت بوجنة الزمان».

ويختتم عكاشة كتابه عن الفن الهندي بباب عن «فنون الدراما والموسيقى والرقص والأدب» مشيرا الى أن الدراما الهندية شأن الدراما الأوروبية انبثقت من الطقوس والشعائر القديمة وتنبنى الدراما الهندية بصفة عامة على وجود فنون الشعر والرقص والموسيقى في تكوين فني قائم بذاته ينصب الاهتمام فيه على براعة الأداء أكثر من جلاء المضمون الفكري للموضوع

كما كان الرقص بكافة أنواعه يحتل مكانة بارزة في الثقافة الهندية والى وقت قريب جدا كانت الرقصات الشعبية والقبلية شائعة سائدة مثل رقصات الجاموس في وسط الهند والرقصات الحربية بين قبائل بانجه في أسام كما شاعت في سائر أنحاء الهند رقصات العصي والمناديل على حين انتشرت في راجستان رقصات ترمز الى الحروب التي استعرت بين الهنود والغزاة المغول فضلا عن الرقصات ذات الأغراض السحرية.

أما عن فن المسرح فيقول المؤلف إنه منذ أقدم الأزمان طرح المسرح الهندي التمثيل المحاكي للواقع في سبيل الرمزية والتجريد وعندما وفدت التأثيرات الغربية على الهند خلال القرن التاسع عشر تبناها المسرح الهندي ومن هنا أصبحنا اليوم نواجه نهجين من المسرح الهندي يتمثل أحدهما تراثه ويمثل الآخر دراما حديثة متطورة مستقاة من المسرح الأوروبي

وإن اصطبغت بالأعراف المحلية والذوق القومي والهند بلاجدال هي المنبع الأصلي للمسرح الآسيوي الذي قام على أكتاف الدعاة البوذيين الذين اضطروا الى الهجرة عن الهند في نوبات متعاقبة فانطلقوا يجوبون أنحاء آسيا حاملين معهم فنونهم وآدابهم أما عن الموسيقى الهندية فهي فن عريق يرجع الى ثلاثة آلاف عام ولعله يمثل أطول سجل متواصل غير منقطع لعرف ثقافي متوارث جيلا بعد جيل.

ويتألق في سماء فنون الأدب الهندي ثلاثة كواكب لامعة هم فالميكي مؤلف ملحمة الرامايانا وفيد افباس مؤلف ملحمة المهابهارتا والشاعر العبقري كاليداسه الذي أبدع عددا من الروائع الأدبية في فن المسرح وفي دواوين أشعاره على السواء وفي العصر الحديث ظهر في أفق الهند شاعر احتل نفس المكانة والأهمية التي احتلها أولئك السابقون وهو رابندرانات طاغور الشاعر والمؤلف الروائي والمسرحي والموسيقي والمصور والفيلسوف والمتصوف والمصلح الاجتماعي والحائز على جائزة نوبل للآداب. ولم يظفر أديب هندي بإعجاب مثقفي الأمة العربية وتقديرهم بمثل ما ظفر به طاغور.

فيصل حماد

الكتاب: الفن الهندي

الناشر: دار الشروق ـ القاهرة 2005

الصفحات: 433 صفحة من القطع الكبير