مؤلف «كتاب التوفيق للتلفيق» هو: أبو منصور عبدالملك بن محمد بن إسماعيل الثعالبي النيسابوري، الذي ولد في «نيسابور» سنة 350 هجرية، لأب كان يحترف تجارة جلود الثعالب، فنسب إليها، وهي مهنة مرموقة في المناطق الباردة، مثل نيسابور، وما شابهها. وقد ورث «أبومنصور» عن أبيه وأمه ضياعاً عديدة، أتلفها في الحوادث وفي طلب العلم والأدب.
وقد حرص أبوه على تأديبه منذ الصغر في كتاتيب «نيسابور» وقد حبب إليه الأدب والعلم شيخان من شيوخه هما: أبو بكر الخوارزمي الشاعر الناثر، وأحمد الخطابي العالم المصنف.
احترف «الثعالبي» في مطلع حياته مهنة تأديب الصبيان، لكن ارتفاع مكانته عن هذه المهنة، وعمق ثقافته وذكاءه، ومطامحه وشغفه بالتصنيف منذ صباه الباكر، كل ذلك مهد له الطريق إلى مجالس الملوك والأمراء والوزراء، فخدمهم بكتبه عن طريق إهدائها إليهم، فترسخت مكانته وتوثقت صلاته بعلية القوم، فكان ذلك سبباً لارتقاء حاله، ورسوخ منزلته الاجتماعية.
نهل «أبو منصور» من لذائذ العيش ما سمح به عمره وزمنه، وخلف لنا أنموذجات كثيرة في شعر الغزل والخمر، وليس يخفى أنه أمضى عهد صباه وشبابه في «نيسابور» وهي إحدى جنان الدنيا غير أن الشيب الذي لاحت بوادره جعله يعود إلى الطريق القويم.
تنقل الثعالبي في أماكن كثيرة ونبغ في معظمها، وبخاصة في ظل «دولة السامانيين» وعاصمتهم «بخارى» وفي «جرجان» و«غزنة»، عاصمة السلطان «محمود الغزنوي» الذي امتد سلطانه من الهند إلى «بغداد» وقد مدح الثعالبي السلطان محمود بقصائد عديدة، وأهداه بعض كتبه.
وقد عاد «الثعالبي» إلى نيسابور» وقد تجاوز الستين، وتلقت المدينة ابنها العائد بشوق وترحاب، وفي ظل صديقه الأثير «أبي الفضل» أمضى الثعالبي أعوامه الأخيرة، لتكون وفاته سنة 429ه، فانطوت بوفاته موسوعة في تاريخنا الأدبي، تاركاً لنا أكثر من مئة وعشرين كتاباً لعل من أهمها: يتيمة الدهر، الظرائف واللطائف، فقه اللغة وسر العربية، لطائف المعارف، المبهج، الكناية والتعريض، غرر أخبار ملوك الفرس وسيرهم.
أما كتابه «التوفيق للتلفيق» فهو بحث جديد، فالتوفيق لغة: الإصابة والنجاح، والتلفيق: يقال: لفقت الثوب، ألفقه لفقاً: هو أن تضم شقة إلى أخرى فتخيطهما، ولفق الشقتين يلفقهما لفقاً: ضم إحداهما إلى الأخرى.
وإلى هذا المعنى ذهب الثعالبي، إذ قال في مقدمة كتابه: فسنح لي هذا الكتاب المعنون «بالتوفيق للتلفيق» فيما علق بحفظي من أجناس حر الكلام، وبدائع سحر البيان، في التلفيق بين الشيء وجنسه والجمع بين الشيء ومشكله، نظماً ونثراً وجداً وهزلاً، فالتلفيق: هو الجمع بين الأشياء المتجانسة، فاسم الكتاب معناه «الإصابة في الجمع بين الأشياء المتجانسة، وقد ذكر «الثعالبي» أن التلفيق انما يحسن إذا كان من متجانسين اثنين أو ثلاثة أو أربعة على الكثرة، فأما إذا زاد عليها ملّ وذمّ.
وضع الثعالبي كتابه «التوفيق للتلفيق» في ثلاثين باباً من هذه الأبواب: الباب الأول: في التلفيق بين أوصاف خصائص الأشياء ورد بعضها في التشبيهات إلى بعض.
الباب الثاني: في التلفيق بين أوصاف وتشبيهات متجانسة يليق بعضها ببعض.
الباب الرابع: في التلفيق بين السحاب والرعد والمطر.
الباب الخامس: في التلفيق بين أوصاف الأنبياء عليهم السلام وخصائصهم وأحوالهم.
فمن الباب الرابع: نقتطف: قال ابن عباد: «قد نشأت للأنس سحابة، برقها الراح، ورعدها الأوتار، ومطرها الأقداح». وله من رسالة: «أنا لا أخلو من طل إحسانه ووابله، وعام انعامه وقابله».
ومن الباب الخامس: قال بعض البلغاء يصفون رجلاً كثير الحركة في مصالح الناس، وإدخال المرافق عليهم، فقال: ما هو إلا وصي آدم، ووكيل إبراهيم، وخليفة الخضر.
محمد سطام الفهد