ساهم في تأليف هذا الكتاب الجماعي فريق كامل من الباحثين والباحثات الفرنسيات، وهو يتحدث هنا عن سوريا في كل النواحي: التاريخية، الاجتماعية، السياسية، الجغرافية، العمرانية، السياحية والحضارية عموماً. وهو موجه عموماً للقارئ الفرنسي الذي لا يعرف شيئاً يُذكر عن هذا البلد. ولذلك يقدم له النصائح العملية لكي يعرف كيف يزور سوريا ويستمتع بآثارها وجمالها ومعالمها الحضارية وأسواقها العتيقة ومدنها الرائعة،

ولكن يمكن أيضاً للقارئ السوري أو العربي أن يستفيد منه لكي يعرف التاريخ القديم لسوريا ومجمل الحضارات التي تعاقبت عليها على مدار العصور منذ اليونان والرومان والبيزنطيين وحتى اليوم مروراً بالفتح العربي الإسلامي والخلافة الأموية وما تلاها، يضاف إلى ذلك أن القارئ السوري أو العربي بشكل عام يستطيع من خلال هذا الكتاب الضخم المليء بالمعلومات والمعطيات أن يعرف كيف ينظر الأجنبي إلى سوريا وكيف يفهم تاريخها.

فالنظرة الخارجية قد ترى أشياء لا تراها النظرة الداخلية، وشدة القرب قد تعمي وتصم أحياناً ولكي نعطي القارئ فكرة عن مضامين الكتاب يجدر بنا منذ البداية أن نستعرض هيكليته الداخلية وفصوله الأساسية.فهناك فصل بعنوان: سوريا اليوم، من السكان الأوائل إلى إمبراطورية الاسكندر المقدوني يتلوه فصل آخر بعنوان:

سوريا من عهد الاسكندر المقدوني إلى عهد الإمبراطور الروماني ديوكليتيان، وهنا يتحدث المؤلف عن سوريا الهلنستية أي اليونانية وسوريا الرومانية. بعد ذلك مباشرة يجيء فصل بعنوان: سوريا البيزنطية، ويتلوه مباشرة فصل مهم بعنوان: سوريا من الفتح العربي إلى الانتداب الفرنسي. ثم يتلوه فصل أخير بعنوان: باسم القومية أو الأمة العربية: التاريخ المعاصر لسوريا من عام 1918 وحتى اليوم.

هذا فيما يخص الأبحاث التاريخية، ولكن هناك أبحاث أخرى تتحدث عن جغرافية سوريا ومناطقها الأساسية ومدنها الكبرى والصغرى. نذكر من بينها الفصل الذي يتحدث عن العاصمة دمشق ومنطقة الجنوب السوري. وهنا نجد وصفاً دقيقاً للعاصمة بكل معالمها الأثرية والحضارية، كما ويخصص الكتاب فصولاً متكاملة لبصرى الشام، ولجبال القلمون، حيث توجد مراكز اصطيافية رائعة كصيدنايا، ومعلولا، ويبرود.. الخ. كما ويكرس الكتاب فصلاً للسويداء وجبل العرب.

بعدئذ يكرس الكتاب فصلاً كبيراً لمدينة حلب الشهباء ونهر العاصي وحماة، وكل ما هو موجود بينهما. ثم ينتقل إلى دراسة مدينة حمص ومناطقها، وبعدئذ ينتقل إلى منطقة الساحل السوري المتوسطي، لكي يتحدث عن اللاذقية ومصياف وصافيتا وطرطوس.. الخ. ثم يكرس أخيراً فصلاً خاصاً لمدينة تدمر وما يحيط بها، ولا ننسى الفصل الكبير المكرس لمنطقة الجزيرة ودير الزور والقامشلي والحسكة.. الخ.

لكن لنتوقف هنا قليلاً عند البعد التاريخي أو بالأحرى العمق التاريخي لسوريا، تقول الباحثة الفرنسية اليزابيث لونغينيس تحت عنوان «سوريا اليوم» ما يلي: كانت سوريا العثمانية، أو بلاد الشام، تمتد من شواطئ المتوسط وحتى ضفاف نهر الفرات، ومن فلسطين وحتى جبال طوروس، كانت تقع بين الصحراء والبحر، وبين الجبال والمدن، وكانت أكبر مما هي عليه الآن بكثير.

وكانت سوريا منطقة عبور ومركزاً كبيراً للتجارة والتبادلات على المستوى الإقليمي، وحتى الدولي، وكان عالم المدن والتجارة يسيطر على عالم الأرياف والصحارى حتى نهاية الحقبة العثمانية. وكانت الفئات الاجتماعية المختلفة معزولة عن بعضها البعض إلى حد ما حتى الخمسينات.

ثم حصلت بعدئذ تطورات وإصلاحات أدت إلى اختلاط السكان ببعضهم البعض وتعرفهم على بعضهم البعض أكثر فأكثر من خلال المدارس والجامعات والاحتكاكات المختلفة. ثم ترد اليزابيث لونغينيس عالمة الاجتماع وعضوة المركز القومي للبحوث العلمية الفرنسية قائلة: يبلغ عدد سكان سوريا (5,17) مليون نسمة، وتبلغ مساحتها 000,185 كلم2، أي ثلث مساحة فرنسا، ثم تتحدث المؤلفة بعدئذ عن كيفية الانتقال من المدنية التقليدية إلى المدنية الحديثة في سوريا، وكيفية نزوح السكان من الأرياف إلى المدن في الأربعين سنة الأخيرة بحثاً عن التوظيف والرزق والحياة الأفضل.

ثم يتحدث البروفيسور جان كلود مارغيرون عن التاريخ القديم جداً لسوريا، والباحث المذكور هو مدير قسم في المدرسة التطبيقية للدراسات العليا في باريس، وهو يتحدث هنا عن سوريا في عهد الآراميين والآشوريين والبابليين، كما ويتحدث عن الغزو الفارسي للبلاد عام 539 قبل الميلاد، بمعنى آخر فإنه يتحدث عن الطبقة الحضارية الأعمق في سوريا، والمتمثلة بآثار أوغاريت حيث اكتشفت الحروف الأبجدية للمرة الأولى في التاريخ.

أما الباحث جورج تات فيتحدث عن الطبقة الحضارية التي تلت ذلك والمتمثلة باليونان والرومان: أي بالفترة الواقعة بين عامي 333 قبل الميلاد وحتى عام 64 قبل الميلاد، وهي الطبقة الحضارية الثانية لسوريا ولكن هذه الفترة لا تشتمل الا الحضارة اليونانية.

بعدئذ تلتها الحضارة الرومانية التي استمرت من عام 64 قبل الميلاد إلى عام 330 بعد الميلاد. وهاتان الفترتان تركتا وراءهما آثاراً مهمة تدل عليهما ومن أشهرها مدينة تدمر الرائعة.

ثم يواصل الباحث الفرنسي «جورج تات» حديثه عن سوريا البيزنطية التي خلفت الرومان والممتدة من عام 330م إلى عام 550م وعندئذ انتصرت المسيحية وهيمنت على سوريا. وقد خلفت وراءها كنائس وآثاراً رائعة أيضاً.

ثم قلت كل ذلك الطبقة الحضارية الثالثة أو الرابعة التي لاتزال تهيمن على سوريا حتى اليوم: ونقصد بها المرحلة العربية الإسلامية وقد كرس لها البروفيسور «تييري بيانكي» فصلا كبيرا ممتعاً بعنوان سوريا من الفتح العربي إلى الانتداب الفرنسي.

والباحث المذكور هو أستاذ علم التاريخ الحديث في جامعة الأنوار بمدينة «ليون» الفرنسية.

ومنذ بداية الفصل يقول البروفيسور بيانكي ما معناه: ينبغي العلم بأن العراق الساساني الفارسي وسوريا البيزنطية كانا أول منطقتين يفتحهما الإسلام بعد الخروج من الجزيرة العربية. فبين عامي 660 ـ 750 قاد الخلفاء الأمويون من دمشق عملية الفتوحات حتى وصلوا بها إلى أبعاد واسعة ما كانت في الحسبان، وشكلوا بذلك إمبراطورية شاسعة تمتد من المحيط الأطلسي (أسبانيا وفرنسا غرباً، وحتى تخوم الهند والسند شرقاً).

ولكن انتصار العباسيين على الأمويين عام 750 ونقل المركز من دمشق إلى بغداد أديا إلى تهميش دور سوريا نسبياً، فراحت تتقارب مع مصر لكي تعوض عن هذا التهميش. ثم اضطرت سوريا إلى مواجهة الهجمة الصليبية على الشرق من القرن الحادي عشر وحتى الثالث عشر.

ومعلوم أن البابا أوربان من الثاني هو الذي دعا إلى الحملات الصليبية التي استطاعت احتلال المناطق الشاطئية في سوريا وكذلك منطقة فلسطين. وكرد على هذا التحدي راح السلطان نور الدين يوحد سوريا حول دمشق في أواسط القرن الثاني عشر الميلادي ثم خلفه البطل صلاح الدين الأيوبي الذي استطاع توحيد سوريا ومصر عام 1187 وإلحاق الهزيمة بالصليبين وطردهم من المنطقة ماعدا بعض المدن والموانئ الساحلية أو الشاطئية.

وفي أواسط القرن الثالث عشر حل المماليك محل الأيوبيين على سدة الحكم في القاهرة أولاً ثم في سوريا ثانياً. وقد حموا سوريا من هجمات المغول ودمروا آخر معاقل الفرنجة او الصليبيين في البلاد ثم سقطت سوريا بعدئذ عام 1516ـ 1517 تحت سيطرة العثمانيين حيث بقيت محكومة من قبلهم أربعة قرون بالتمام والكمال: أي حتى عام 1918.

أما المؤرخة الفرنسية «نادين ميوشي» فتكرس بحثها لسوريا المعاصرة: أي الممتدة من عام 1918 تاريخ تحررها من الغير العثماني وحتى يومنا هذا تقول المؤلفة بهذا الصدد ما معناه: لا يمكن أن نفهم سوريا اليوم بكل قضاياها ومشاكلها إذا لم نعد إلى فترة الحرب العالمية الأولى. فبعد انتهاء هذه الحرب وانتصار الحلفاء بقيادة فرنسا وبريطانيا انتهت اسيادة التركية على سوريا وحلت محلها السيادة الأوروبية: أي الاستعمار الفرنسي.

فقد قسمت سوريا الكبرى عندئذ إلى عدة دول هي: سوريا الحالية، لبنان، الأردن، فلسطين. وهذه الأخيرة أعطيت للصهاينة. وهكذا زرع الاستعمار الفرنسي الإنجليزي كل بذور المشاكل التي ستعذّب المنطقة على مدار المئة سنة الماضية، ولا تزال آثار هذه المشاكل ظاهرة للعيان حتى الآن وتمنع تطور لمنطقة أو دخولها في الحداثة السياسية والديمقراطية.

فمشكلة فلسطين لم تُحلّ حتى الآن وهي من ميراث الاستعمار الذي زرع إسرائيل في المنطقة ضد رغبة شعوبها، والمشاكل بين سوريا ولبنان لا تزال مشتعلة وهي أيضاً موروثة عن عصر الاستعمار الذي قسم الفضاء الواحد إلى أقسام عدة لكي يهيمن عليها كلها.

لكن ماذا ترك الانتداب الفرنسي وراءه في ما يخص الثقافة؟ لقد أسس هناك «العهد الفرنسي لعلم الآثار والفن الإسلامي» في دمشق، وكان مقره قصر العظم في وسط المدينة القديمة. لقد أسسه عام 1922.

ثم أضاف إليه عام 1928 والقسم العلمي للمستعربين الذي اشتغل فيه العديد من كبار المستشرقين كبيير روندر، ولويس ماسينيون، وروبير مونتاني. وكلهم كتبوا عن سوريا وتاريخها وتراثها وآثارها وفنونها وحضارتها الإسلامية العريقة، ويمكن أن نضيف إليهم أسماء أخرى لامعة في الاستشراق الفرنسي كميشيل إيكوشار، وجان سوفاجيه، ومكسيم ردونسون، ثم اندمج هذان العهدان ببعضها البعض عام 1947 لكي يشكلا المعهد الفرنسي للدراسات العربية بدمشق.

وهو معهد بحوث ضخم يشتغل فيه الباحثون الفرنسيون والسوريين عن تاريخ سوريا والدراسات العربية الإسلامية، وهو يمتلك إحدى أضخم المكتبات الاختصاصية في كل المنطقة.

الكتاب: سوريا

الناشر: هاشيت ـ باريس 2005

الصفحات: 511 صفحة من القطع المتوسط ولكن الكثيف جداً

SYRIE

CECILE BOYER - RUNGE

HACHETTE - PARIS 2005

P. 511