روبير لافون، مؤلف هذا الكتاب، هو أحد أهم الناشرين الفرنسيين المعاصرين. يبلغ من العمر الآن 90 سنة. فهو من مواليد مدينة مرسيليا عام 1916. عمل في أكثر من مهنة قبل أن يؤسس داراً للنشر باسمه في مدينة مولده عام 1941 لينتقل بعدها إلى باريس. نشر روبير لافون على مدى نصف قرن من الزمن ما يزيد على عشرة آلاف كتاب عرف العديد منها موقعه في المراتب الأولى بين الكتب الأكثر مبيعاً في فرنسا..

وتمت ترجمة العديد منها إلى لغات أجنبية عالمية. سبق له ونشر كتاباً عن تجربته في النشر عام 1974 تحت عنوان «روبير لافون، ناشراً». لم يكن هناك في تكوين «روبير لافون» الدراسي ما يدفعه كي يكون ناشراً، إذ أنه خريج المدرسة العليا للتجارة، كما درس القانون في الجامعة..

أي لم يكن في مسيرته الدراسية أي «طعم أدبي».. لكن همه الرئيسي هو البحث عن مهنة يمكن من خلالها أن يقدم للآخرين بعض الفرح وما يساعدهم على تحمل متاعب الحياة اليومية.. وقد قادته «عملية بحث طويلة» إلى ميدان النشر. إن الحديث عن النشر يعني مباشرة التعرض للعلاقة مع الكتاب، هؤلاء المبدعين الذين «قرنت» أسماؤهم في بعض المرات في جميع أنحاء العالم وحيث ينتمون بالأحرى إلى عالم النجومية.. لكن هؤلاء يظلون بشراً وقد يكونون أحياناً من صعبي المراسي..

هذا إذا لم يكن من صعبي التعامل ومن «قليلي الوفاء».. هذا ما يؤكده الناشر ـ المؤلف في حديثه عن عدد منهم ... المثال الصارخ الذي يسوقه في هذا السياق يخص الروائي والكاتب الفرنسي الكبير هنري دو مونترلان، أحد الأكثر شهرة بين الأدباء الفرنسيين في القرن العشرين وصاحب الروايات الشهيرة مثل «زهرة الرمال» التي تدور أحداثها في المغرب حيث يأخذ مؤلفها موقفاً مؤيداً لأبناء المغرب ضد السلطة الاستعمارية الفرنسية.

وكذلك مؤلف العديد من المسرحيات التي لا تزال تعرض على مسارح فرنسا حتى الآن من أمثال «المدينة التي أميرها طفل» و«بور روايال». هذه المسرحية الأخيرة نشرها روبير لافون في الوقت الذي كان الناشرون كلهم يقاطعون مؤلفها. لقد أراد الناشر أن يساعده، هذا فضلاً عن إنه كان معجباً بكتاباته حسب تأكيده. لكن ما أن رفعت المقاطعة عن مونترلان حتى «تخلى» عن ناشره رغم «التزاماته» التي كان قد قطعها.

ويذكر روبير لافون ضمن نفس السياق تجربته مع الناشر برنار غراسيه، الذي كان قد اتهمه بأنه أراد أن «يسرق» منه دار نشره.. هذا على رغم من تأكيده ـ أي لافون ـ بأنه قدم كل ما يملك من طاقات من أجل أن يساعده على الخروج من المأزق الصعب الذي كان يعاني منه بعد نهاية الحرب العالمية الثانية.

بالاعتماد على هاتين التجربتين والعديد من التجارب الأخرى يؤكد المؤلف ـ الناشر بأن الوسط الأدبي يتميز بالأحرى بـ «نكران الجميل» أكثر ما يتسم بـ «الاعتراف».. وذلك في ظل قاعدة سائدة هي ان «الكتّاب يقومون دائماً بإرجاع «الفضل» لهم في حالة نجاح العمل المعني، لكنهم لا يترددون بنفس الوقت عن توجيه الاتهامات للناشرين في حالة فشله.. ولو كان الأمر في الحالتين لا يتطابق مع الواقع، بل ولا يتماشى مع ما يتطلبه «شرف» المهنة.. و«شرف الثقافة» حيث يرى لافون بأن المثقف «غير الشريف» إنما هو ليس «مثقفاً حقيقياً».

لكن خيبات الأمل الكبرى التي يتحدث عنها المؤلف ـ الناشر في «عملية بحث طويلة» لم تكن في الواقع مع أدباء وإنما بالأحرى مع رجال سياسة كبار.. مع «عظماء» عصرهم عندما أرادوا أن ينشروا كتاباً لهم. المثالان الرئيسيان اللذان يقدمهما المؤلف كدليل على ذلك هما رئيس الوزراء البريطاني الراحل ونستون تشرشل و«صديقه اللدود» الجنرال شارل ديغول.

بالنسبة لونستون تشرشل، يشير «روبير لافون» إلى أنه قام بنشر الأجزاء الأربعة من كتاب تشرشل الذي يحمل عنوان: «حياة مارلبوروغ»، الذي لم يكن عملياً قابلاً للبيع في فرنسا، ولم يبع في الواقع إلا عدد قليل من النسخ لا يسد سوى جزء يسير من نفقات إنتاجه.. لكن إعجاب الناشر بالمؤلف دفعه إلى نشر العمل. ثم ذات يوم، وأثناء حفل استقبال في السفارة البريطانية قاموا بتقديم الناشر للزعيم البريطاني الذي لم يكلف نفسه عناء القيام من مقعده، بل ولم يضع كأس «الويسكي» من يده ... مكتفياً بالقول وهو يرفع يده الأخرى «هوووم» خالية من أية دلالة.

أما مع الجنرال شارل ديغول فقد كانت هناك خيبة أمل شبيهة.. ذلك ان «روبير لافون» كان من بين الناشرين الذين قدموا عرضاً لنشر «مذكراته». وضمن هذا الإطار استقبله الجنرال وكان عليه أن يبرهن على أن عرضه كان هو الأفضل تجارياً بالمقارنة مع عروض أخرى من بينها عرض داري نشر كبيرتين هما «بلون» و«غاليمار». مرت الأمور على ما يرام إلى أن ارتكب الناشر «الخطأ الجسيم» عندما قال: «سيدي الجنرال. مع الاحتفاظ بالفرق.

إنني في نفس الوضع الذي كنتم فيه عندما دافعتم أمام المجلس الأعلى للحرب عن تبني تكتيك الدبابات. كان هناك زملاؤك الكبار الذين كانوا يعتزون بتجربتهم، وأنتم تدافعون عن طريقة جديدة في مواجهة الروتين».. لقد سمح «لافون» لنفسه بأن يقوم بمقارنة «لا تجوز».. وهكذا أُقصي من السباق.

ويروي لافون أنه التقى ذات يوم بالرئيس الفرنسي الراحل فرانسوا ميتران بأحد المطاعم.. فما كان من الرئيس إلا أن فاجأه بالقول: «إذاً لافون! هؤلاء الناشرون الذين يتنعمون على حساب الكتّاب». ما يؤكده المؤلف ـ الناشر هو أن هذه الفكرة خاطئة و«غبية». ذلك إن الناشر هو الوحيد الذي يقوم بالمجازفة.. ثم إن حظوظه بالنجاح هي أقل بكثير من حظوظه بالفشل، ذلك إلا في بعض الحالات «النادرة» التي يكون اسم المؤلف بمثابة «قيمة مضمونة».

كما يؤكد في هذا السياق بأن «هوامش ربح» الناشرين تتقلص أكثر فأكثر في فرنسا خاصة وفي البلدان الغربية عامة بينما أن «المخاطر» التي يواجهونها لم تتقلص من جهتها. كما يؤكد بأن الناشرين قد «يغرقون» في خضم المجموعات الكبرى التي لا تتلاءم ذهنيتها مع «فلسفة المهنة».

لكن بالمقابل يشيد «لافون: بكاتب مبدع مثل «غراهام غرين» الذي نشر له 34 عملاً.. ولا ينسى أن يذكر رواية «الأبله» لديستويفسكي كأحد الكتب التي «امتلكته» دائماً.

الكتاب: عملية بحث طويلة

تأليف: روبير لافون

الناشر: آن كاريير ـ باريس 2005

الصفحات: 250 صفحة من القطع المتوسط

UNE SI LONGUE QUETE

ROBERT LAFFONT

ANNE CARRIERE - PARIS 2005

P. 250