مقتطف من حوار أجري مع الروائي الألماني »بيتر شنايدر« أثناء حضوره مهرجان »براغ الأدبي 2005«. تطرق حوار المحرر الثقافي بصحيفة »الغارديان« اللندنية إلى عدد من الموضوعات المتعلقة بإبداعه وآرائه السياسية والفكرية.

٭ أنت من مواليد ألمانيا 1940، هلا وصفت لنا الجيل الذي تنتمي إليه؟

ـ إن أهم ما يميز هذا الجيل عن غيره هو أنه مولود أثناء الحرب، كما ان ذكرياتنا الأولى، على الأقل ذكرياتي أنا المبكرة، ترتبط كلها بالقصف والقطارات، لم نعش حياة مستقرة، كان مفروضاً علينا التنقل من مدينة إلى أخرى، لقد جبنا أنحاء ألمانيا كلها، وكنا بصحبة أمي، وهكذا فإن ذكرياتي ترتبط بالتنقل في القطارات والقصف، وعدم الانتماء إلى مكان بعينه.

٭ ثم انتهى بك المطاف في برلين، أليس كذلك؟

ــ لقد نشأت في المناطق الداخلية من إقليم بافاريا. وعندما أنهيت دراستي الأساسية صار حلمي هو العيش في مدينة كبيرة مثل برلين، وهكذا فقد انتهى بي المطاف هناك في سنة 1962، بعد عام من بناء الجدار، وكنت واحداً من أولئك الناشطين في الحركة الطلابية التي بدأت في برلين عام 1966، وعلى الرغم من أن هذا هو ما يميز حياتي عن حياة الآخرين، إلا أنها كانت تجربة رائعة ومهمة بالنسبة لي. كنا نشك في ثقافة الإذعان المتفشية بين الناس على نطاق واسع، كان محور نقاشنا هو التحريض على عدم الانصياع للأوامر التي يصدرها الكبار، ومساءلتهم عن دواعي إقامة هذا الجدار.

٭ ومن كان هؤلاء الذين تطلق عليهم تعبير »كنا«؟

ــ كنا في الواقع أقلية من الناشطين، لا تنتمي إلى مؤسسات مثل المؤسسات العلمية أو القانونية، وإنما إلى مؤسسات زائدة عن الحاجة كمؤسسات الأدب والتاريخ وعلم الاجتماع، هذه هي المؤسسات التي كنا ننتمي إليها، كنا أقلية، بكل تأكيد، على الرغم من وجود مئات الآلاف من الشباب الألمان الذين يؤيدوننا، إلا إننا لم نكن نزيد على عشرة في المئة من أبناء جيلنا.

٭ كان جيلكم قد أوجد له منظوراً تاريخياً يرتبط من خلاله مع الماضي؟

ــ هذا صحيح، إن هذا لا يصدق بالفعل، إنني أرى آثار هذا الشيء، وهي تتحقق اليوم، أراها منعكسة على أبنائي، الذين تسيطر عليهم تلك السنوات الاثنتا عشرة من تاريخ ألمانيا، لا شيء يدرسونه غير هذا، إنهم يشعرون بالملل، وعلى سبيل المثال فإن ما يقوله إبني هو »لا أريد الاستماع إلى أخبار المحرقة«. عندها لا أجد أمامي سوى محاولة إقناعه أن تعليمنا يعاني من الخلل في واقع الأمر. في حين أن الأمر لم يكن هكذا بالنسبة لنا، ففي غضون تسعة أعوام من الدراسة في المرحلة الثانوية كنت أنفق ساعتين في الاستماع إلى درس عن الرايخ الثالث، كانت كارثة بالتأكيد. وعندما بدأنا بطرح الأسئلة، تبين لنا إننا لا نعرف كيفية القيام بذلك لأننا لا نعرف أي شيء، لقد كان الدافع وراء قيامنا بحركة 1968 هو مساءلة الجيل المسؤول عن الحرب.

٭ وما الذي تعلمتموه؟

ــ لقد تعلمنا أشياء عن الجريمة وعن المجرمين، كنا نهتم كثيراً بمعرفة الأشياء المتعلقة باستمرار جيل النازيين والجيل الجديد الذي كان يحكم الشطر الغربي من ألمانيا بعد ما حرره في عام 1945، كنا نذكر الأسماء ونعد الحملات، كانت أشياء غير منظمة برمتها يشوبها الغموض الناجم عن تحولنا جميعاً إلى ماركسيين، وبعد ذلك أتينا بما نحتاج إليه من بنية من شعارات الرأسمالية تقود إلى الفاشية.

٭ تبدو قريباً من »هيغل« على الرغم من أنهم يعلمون بخطورة ذلك، إلا أنهم يفعلونه.

ــ على الرغم من أنها أشكال خلاقة، جديدة من الاحتجاج، وبالمناسبة فقد تعلمنا من أميركا الكثير، كل أشكال الاحتجاج والتظاهر، تعلمناها من حركة الحقوق المدنية ومن بيركلي.

٭ وهكذا فقد أرسلتم الحرس النازي إلى فيتنام؟

ــ (يضحك) أجل، إلا أننا انتهينا كلنا إلى طريق مسدودة من طرق الماركسية المتشددة، لقد تطلب مني تركها وقتاً طويلاً، كنت أول من تحدى هذا المبدأ، وكنت أعامل كالخائن.

في الوقت ذاته، ولو بشكل معكوس، كان كتّاب آخرون مثل غونتر غراس وسارا كيرش وتوماس براش يتنقلون مسافرين من ألمانيا الشرقية إلى ألمانيا الغربية، حاملين في أيديهم جوازات سفر جديدة صالحة لمدة خمسة أعوام.

كنت صديقاً حميماً لتوماس براش الذي يظهر في روايتي »القافز فوق الجدار«، بشكل شخصي، كنت أقف إلى جانب من يسمونهم المنشقين، لقد بدأت سيرة حياتي بمواجهة وجهة النظر الأحادية التي يتبناها اليسار، تلك التي لم تكن ترى شيئاً سوى جرائم الرأسمالية، وليس الشيوعية، ومنذ ذلك الحين صرت أقف إلى جانب جماعة ولف بيرمان في برلين الشرقية، وعلى الرغم من انهم كانوا أصدقائي، وكنت أزورهم إلا أنني منعت من زيارتهم في مطلع عام 1978، لم يسمحوا لي بزيارتهم، مدعين بأنني عدو للاشتراكية، كان ذلك يحدث لقلة من الناس، في ألمانيا الغربية، وكان ذلك السلوك الرافض متفشياً بين اليساريين والديمقراطيين الاشتراكيين، وقد استمر إلى يومنا هذا، لا أحد يفكر في تغييره.

٭ وإلى يومنا هذا تظل ألمانيا مقسمة؟

ــ سنبقى هكذا لسنوات طويلة، وستبقى لدى كل مناقصة مختلفة عما حدث في زمن الحرب، تماماً كما هي الحال لو ذهبت إلى أطلنطا واستمعت إلى قصة عن الحرب الأهلية ثم توجهت إلى نيويورك واستمعت إلى غيرها، هذا ما يحدث في ألمانيا أيضاً.

٭ هلا حدثتنا عن »القافز فوق الجدار« الرواية التي كتبتها في مطلع الثمانينات؟

ــ كنت عائداً للتو من جولة طويلة في أميركا اللاتينية، فنظرت إلى مدينتي وقلت لنفسي إنه من الحماقة ألا يتحدث أحد عن أوضح وأبشع بناء فيها، لكي يتحول ذلك إلى هاجس، مشروع أدبي، والواقع انه أشنع أشهر نصب في ألمانيا، مثله مثل تمثال الحرية الذي لم يسبق لأحد وضعه على الإطلاق، في الغرب، ينظر كل واحد بشكل مختلف عن الآخر، وهكذا فقد أردت أن أهدمه، لا لشيء إلا لكي أعرف ما يعنيه ذلك بالنسبة لي وللناس الذين كانوا يعيشون حوله، وعندما قمت بذلك، صاروا ينظرون إليّ كيساري، وكشخص غير موثوق به، لقد حدث هذا بسبب الانقسام في صفوف الطبقة الكادحة. كانوا يقولون أترك هذا الأمر لليمين المتشدد.

ولكن لماذا لا نتحدث عنه؟ هذه مشكلة لكل واحد منا الآن، برلين لم تكن وحدها المقسمة، كانت القارة كلها مقسمة، وعندما نشرت الرواية أشابها الطرفان وكتب عنها النقاد في القسمين الشرقي والغربي. قالوا إنها أكثر ذكاء من مؤلفها، عبارة جميلة.

٭ وماذا عن الجدار نفسه؟

ــ هذا ما أتصوره بالتأكيد، لقد كان مزهواً، كما هو حال المباني الشهيرة، كان يريد من الناس أن يشاهدوه ويشيرون إليه ويعجبون به، كانت إزالته من الأمور الاستثنائية، وربما تطلب الأمر مني الذهاب إلى ديزني لاند لكي أطلع ابني على هذا الجدار، لقد أجهزوا عليه تماماً ولم يتبق منه شيء يدل على الكيفية التي كان يعمل من خلالها، كانت حماقة، إنه جزء من تاريخنا.

لقد دخل في قاموس الموروث الثقافي، وهذا الشيء لا يمكن رؤيته، إلا أنه موجود على المستوى النفسي، إن وجوده مرهون بالوعي بهذا الشيء.

صحيح أتصور أحياناً أنني اخترعت هذا المصطلح »الجدار« لكي يبقى في أذهاننا، لأن كل من يفتح ذهنه أو يفتح عينه سيراه، ورغم أن الجدار غير المرئي موجود بين شطري ألمانيا، إلا أنه لا يمكنني التكهن باستمراره من عدمه، لقد تصورت باستمرار أنه سيبقى لجيل واحد، إلا أن ذلك ربما استغرق فترة أطول.

بالمناسبة إن حق الاحتفاظ بالجدار يعود إلى الصينيين، هناك جدران كثيرة في العالم، والواقع، إن لدينا جداراً ضخماً الآن في إسرائيل. يراودني شعور بالذهاب إلى هناك والقيام بما فعلته في ألمانيا، إنني خبير في الجدران.

٭ الألمان، الإسرائيليون والفلسطينيون، هناك ما يقول إن الحرب تورث الإعاقة النفسية، يبدو أنها كذلك؟

ــ صحيح يمكنك أن تقول ذلك، إن ما يجسد هذا هو ما يقوله بريخت: إن كره عدوك يشوه وجهك، ملاحظة دقيقة وصادقة وقابلة لإعادة التدوير.

٭ لنعد إلى الثقافة وإلى أعمالك، ما هي آخر هذه الأعمال؟

ــ الحقيقة أن الكتاب لا يختارون موضوعاتهم وقضاياهم. هذه الأشياء ربما كانت موجودة لديهم بالفطرة، على الأقل، بالنسبة لي، فإن كل ما هناك هو المواجهات الثقافية، التي كنت أهتم بها، لقد مضيت في المشروع ذاته بعد رواية »القافز فوق الجدار«، كتبت روايتين عن برلين تكشفان عن الوجه الآخر للصراع حول الجدار. في »الاقتران« تحدثت عن الصراع بين الجنسين.

اما »عودة ادوارد« فهي قصة رجل الماني اميركي يرث شقة في الشطر الشرقي يعود الى برلين بعد سقوط الجدار فلا يلاحظ اي تبدل. هذه الهواية تعالج موضوع الانقسامات الجديدة التي بدأت بالظهور بعد سقوط جدار برلين. في حين ان روايتي الجديدة بعيدة عن كل هذه الاشياء حيث تقع احداثها في ايطاليا انها قصة غريبة ولا ارغب في التطرق اليها هنا »يضحك«.

٭ لقد كتب سيناريوهات افلام؟

كتبت سيناريو فيلم »سكين في الرأس« الذي يلقي الضوء على قضية الارهاب في المانيا كما تم تحويل رواية »القافز فوق الجدار« الى فيلم سينمائي لنفس المخرج، الفيلم يحمل عنوان »الرجل الواقف فوق الجدار« وبعد ذلك كتبت سيناريو الفيلم السينمائي »الوعد« الذي تدور احداثه حول فتح الحدود بين شطري برلين وانا مشغول هذه الايام بكتابة سيناريو فيلم يتناول حياة الموسيقار انتونيو فيفالدي.

- انت مؤمن بان الثقافة نوع من الحماية للذات أليس كذلك؟

بكل تأكيد الثقافة هي الشيء الاكثر اهمية فيما يمكن ان يوفر لنا الحماية ضد قوى الإرهاب.

- اذا لماذا تسعى الحكومات الى التهرب من الثقافة؟

هذه التوجهات الاميركية هي في حد ذاتها الثقافة التي يتبناها بوش، ثقافة النفاق وهو شيء خاطىء، كل ما يقولونه كذب. واذا كان الاميركيون يفتخرون بتعدديتهم الثقافية فما عليك الا ان تبحث عما يعنيه الاخر بالنسبة لهم انهم لا يعرفون الا انفسهم.

مريم جمعة فرج

بيتر شنايدر