مؤلف هذا الكتاب هو الكاتب والناقد الفرنسي جان أوريزيه. وكان قد نشر سابقا العديد من الروايات والأشعار التي لقيت اهتماما من الجمهور، بل وحظيت ببعض الجوائز، نذكر من بنيها ديوانا شعريا بعنوان »في داخل الذات، الفوضى« وقد حظي بجائزة ماكس جاكوب للإبداع الشعري.
ونذكر أيضا كتاب »المسافر الغائب« الذي حظي بجائزة أبولينيز. وهناك أيضا ديوانه الذي يحمل العنوان البسيط التالي »قصائد : 1974 ــ 1989 وقد حظي بجائزة الشعر الكبرى التي تمنحها الأكاديمية الفرنسية عادة.
وقد اعتاد هذا الكاتب على نشر مختارات من الشعر الفرنسي منذ زمن طويل. فمثلا نشر عام 1995 كتابا بعنوان »أجمل قصائد الحب في اللغة الفرنسية« وهنا نجد قصائد عديدة لفيكتور هيغو، وبودلير، ورامبو، وابولينير، ورينيه شار، واراغون، ألخ.
ثم نشر مختارات بعنوان »الكتاب الذهبي للشعر الفرنسي« 1999، وبعدئد نشر مختارات بعنوان »أحمل قصائد فيكتور هيغو« 2002، ثم نشر مؤخرا الكتاب الضخم التالي: »أجمل الأشعار العاطفية والحنونة من العصور الوسطى وحتى اليوم« 2003.
وبالتالي فالرجل مغموس بالهم الشعري من أعلى رأسه إلى أخمص قدميه! وفي هذا الكتاب الجديد الذي بين أيدينا، الآن نلاحظ انه يركز اهتمامه على الشعراء المعاصرين.
ومنذ البداية يقول بما معناه: هدفت من تجميع هذه المختارات إلى ان أقدم للقارئ بانوراما عامة عن الشعر الفرنسي الذي يكتب منذ خمسين سنة وحتى الآن، ومشروعي دقيق في الواقع ومحرج.
فنحن لا نمتلك المسافة الزمنية الكافية لكي نعرف ما الذي سيبقى من هذا الشعر وما الذي سيموت. فربما اهتممنا بشعراء قد لا يبقون، أو أهملنا شعراء آخرين ستخلدهم الأبدية والأجيال اللاحقة.
ثم يردف المؤلف قائلا: ولكننا خاطرنا بأنفسنا وجمعنا هذه المختارات التي نرجو أن تعجب القراء وألا تكون خطأ كلها: ومهما يكن من أمر فإن على القارئ أن يعرف أن الشعر لم يعد يهم الناشرين كثيراً، فالفن الأدبي الذي يحظى بإقبال الجمهور في البلدان الصناعية المتقدمة هو الرواية وليس الشعر. الرواية إذا ما نجحت قد تطبع بملايين النسخ ، واما أشهر شاعر فلا يطبع أكثر من بضع مئات أو بضعة آلاف على أكثر تقدير.
ولكن في الواقع فان الجمهور الشعري في فرنسا ليس ضعيفا إلى الحد الذي نتصوره. فهو قد يصل إلى عشرات الآلاف من الأشخاص. وهذا العدد يشمل أولئك الذين يكتبون الشعر، وأولئك الذين يصغون إليه ويهتمون به وبالتالي فالشعر لم يمت في فرنسا على عكس ما نتوهم.
بل ان جمهوره الآن أكبر من جمهوره أيام بودلير ورامبو ومالارميه.
بل وحتى اكبر مما كان عليه الحال في زمن السورياليين على الرغم من موهبتهم الكبيرة في الدعاية لأنفسهم ولأشعارهم. صحيح أنه محدود بالقياس إلى الرواية ولكنه موجود.
وبالتالي فالشعر كان حيا في فرنسا طيلة نصف القرن الماضي. والدليل على ذلك هذه المنتجات التي نقدمها للقارئ اليوم.
ولكن كم هو عدد الشعراء المهمين الذين كتبوا في هذه الفترة؟ عشرين، أم خمسين، أم مئة، الله أعلم، والزمن هو الذي يقرر ذلك ويحسم الأمور الزمن يغربل كل شيء.
والواقع ان الخبراء والاختصاصيين في القضايا الشعرية يتفقون على القول بأن الخمسينات تشكل قطيعة تاريخية في حياة الشعر الفرنسي.
والسبب هو ان فرنسا شهدت في تلك الفترة انهيار إمبراطوريتها الاستعمارية في الهند الصينية والجزائر وإفريقيا السوداء وأن العديد من الشعراء شهدوا ذلك وساهموا فيه. ومعلوم ان المثقفين الفرنسيين انقسموا على أنفسهم إلى قسمين أساسيين: قسم مع الإمبراطورية والأمجاد الفرنسية فيما وراء البحار، وقسم ضد الاستعمار ويؤيد استقلال بلدان العالم الثالث.
وقد انعكس كل ذلك على الشعر أيضا مثلما انعكس على الرواية أو الفكر أو الثقافة بشكل عام. والشعراء الذين ظهروا في تلك الفترة كانوا قد ولدوا عموما بين عامي 1920 ــ 1930 وما عدا استثناءات قليلة فأنهم ما عادوا ينتسبون إلى الحركة السريالية التي أسسها اندريه بريتون والتي هيمنت على الآداب الفرنسية في النصف الأول من القرن العشرين أو اقل بقليل.
لقد انفصل الشعراء الفرنسيون نقصد شعراء الخمسينات من القرن العشرين ــ عن الحركة السوريالية أما لأنهم تجاوزوها وأما لاتهم رفضوها بعد أن شبعوا منها أو ملوا. وهذا ما يحصل لكل الحركات الأدبية أو الفنية في التاريخ.
فهناك لحظة ولادة، ثم صعود إلى القمة ثم اندحار وهبوط. ولاشيء يبقى إلى الأبد.
وحتى التحليل النفسي لم يغد يؤثر على الشعراء.
وكل الأمر ذاته عن الماركسية ربما ما عدا أرامون. ولكن حتى اراغون لم يكن ماركسيا ولا شيوعيا في أشعارها الحقيقية . وقد انقسم الشعر الفرنسي آنذاك إلى قسمين: قسم غنائي، وقسم مختبري يشتغل على اللغة، ويعتبر ذلك هدفاً بحد ذاته: أي جوهر الشعر. فالتجريب اللغوي هو ديدنه ولا يذهب إلى أبعد من ذلك.
فالشعر الغنائي العفوي كان يعني احتكاك الأنا بالعالم، أو وجود الأنا الذاتية في مواجة العالم. وما الشعر إلا نتيجة لهذا الاحتكاك وذاك التواجد. الشاعر يقف وحيدا أمام العالم الخارجي، وما عليه إلا أن يواجهه عن طريق القصيدة، فالقصيدة هي العزاء الوحيد في هذا العالم.
كل ما عدا ذلك تفاصيل. وفيها يصهر الشاعر تجربته الحياة أو يختزنها ويكثفها ويعبر عنها وهناك الشعراء الآخرون الذين يعتبرون ان الشعر هو عبارة عن لعب باللغة: أي تجريب هذي لا أكثر ولا أقل. وكلما كان التجريب شاذا كان الشعر أفضل في نظرهم. وقد ترافق ذلك مع ظهور »الرواية الجديدة« لا لأن روب غرييه وجماعته، ومع انتشار الفلسفة الوجودية لجان بول سارتر وسيطرتها على السان جيرمان والحي اللايتني والطليعة الفرنسية.
ثم يردف المؤلف قائلا: بين عامي 1958 ــ 1968 ضغطت البنيوية الشكلانية بكل قوتها على الإبداع الشعري الفرنسي ولكن لم تستطع ان تسيطر عليه تماما. وعندئذ ظهر المانيفست البارد للشعر البنيوي الذي لا يهدف إلى أي معنى وإنما فقط إلى ترتيب الحروف والألفاظ بطريقة ما إنه الشعر اللفظي إذا جاز التعبير، الشعر الذي يريد أن يقتل البنى باعتبار أنه شيء فارغ ولا معنى له!
فالشعر هو اللفظ، هو الكلمات المحسوسة في نهاية المطاف، ولا شيء آخر.
على هذا النحو جففت البنيوية ينابيع الإبداع الفرنسي أو نشفته حتى تحول الى ألعاب بهلوانية باردة لا ماء فيها ولا روح.
وأكبر دليل على ذلك تحليل مؤسس البنيوية كلود ليفي ستروس لقصيدة »القطط« لبودلير. فقد قتلها عندما شرحها إلى ألفاظ وحروف، ونقاط وفواصل، وأسماء وأفعال، الخ. وحولها إلى جثة باردة عن طريق التشريح والتفكيك والتحليل الموضوعي البارد.
ثم قال لنا: هذا هو النقد العلمي فاتبعوه! وكل ما عدا ذلك فهو نقد بدائي، ذاتي، لا معنى له! ولكن لحسن الحظ فإن هذه البنيوية التشريحية الجافة قد ماتت وانتهت وانحسرت كلياً تقريباً عن ساحة النقد الفرنسي، وعاد النقاد من جديد إلى الاهتمام بالقصيدة كشكل ومعنى وليس كشكل مفرغ من المعنى، عادوا إلى الاهتمام بالوجدانيات الذاتية والمعاني.
وعلى هذا النحو عاد الشعراء الفرنسيون إلى كتابة الشعر الغنائي، الشعر الذي يلامس أعماق القارئ وروحه، وذلك لأن الشعر هو لغة القلب، والأحاسيس المجروحة والعواطف، وإلا فما معناه وما فائدته، الشعر هو اصطدام للأنا العميقة للشاعر بالعالم، والشعر يريد أن يقول شيئاً ما عن العالم والأشياء والعلاقات الكائنة بينها، وإلا فلا داعي لكتابته.
ثم يردف المؤلف قائلاً: على هذا النحو ظهرت الغنائية الجديدة في الشعر الفرنسي، وسيطرت على جيل شعراء الثمانينات من القرن الماضي، وقد رأى البعض في هذه الظاهرة انتعاشاً للحيوية الشعرية، وأما البعض الآخر فرأى فيها تقهقراً أو عودة إلى الوراء، مهما يكن من أمر فإن هؤلاء الشعراء يعيدون الصلة بالغنائية ولكن ليس على طريقة الرومانطيقية البالية التي عفى عليها الزمن، وإنما على طريقة حضور الانفعال في المياه اليومية، وعلى طريقة الهجس بالحقيقة والصدق والواقع المحسوس والمعاش.
انها رومانطيقية مضبوطة أو معقلفة إذا جاز التعبير رومانطيقية ملجومة.
وبالتالي فلا عودة إلى الوراء ولا من يحزنون، ولا أحد يريد كتابة الشعر على طريقة الفريد دوموسيه أو لامارتين! فهذا عهد مضى وانقضى، والماضي لن يعود.
ينبغي العلم بأن الشعراء الغنائيين الجدد في فرنسا ينسبون أنفسهم إلى شعراء كبار من أمثال هولدرمين اوريلكه أو ميلوزس، وهم الثلاثة الكبار الرومانطيقيون أو ما بعد الرومانطيقين في ألمانيا وأوروبا الوسطى، هؤلاء هم أساتذة شعراء فرنسا المعاصرون من أمثال: بينوا كونور، غي غوفيت، جان ايف ماسون، آلامن لانسي، دومينيك سابييرو. وأما الأساتذة الفرنسيون لهؤلاء الشعراء فهم: يوجين غيلنيك، تارديد، بوسكيه، رينار، ساباتييه.
وفي الختام يقول المؤلف ما يلي: هناك عدة أنواع من الشعر في فرنسا الآن، هناك أولاً الشعر ذو الاستلهام الفلسفي على طريقة رينيه شار الذي كان صديقاً لهيدغر ومعجباً جداً بنيتشه والشاعر اليوناني أو الفيلسوف: هيراقليطس ويمشي على هذا الخط كبير شعراء فرنسا حالياً ايف بونفوا، ومعلوم أنه ولد عام 1923 أي بعد شار بستة عشر عاماً، ولكن هناك آخرون غيره يمشون على هذا الخط من أمثال: ميشيل ديغي، كلود ايستبان، هنري ميشونيك.
وهذا التيار الفلسفي في الشعر الفرنسي يعرف أن الدين المسيحي قد انتهى بالنسبة له ولم يعد يقدم للشاعر المعنى الأول والأخير للوجود وبالتالي فقد أصبحت رسالة الشعر ثقيلة وتكاد تقصم الظهر، أصبح الشعر مكلفاً بتقديم تفسير للعالم أو بمعنى الوجود، فإما أن يكون العالم ذي معنى وإما أن يكون عديم المعنى، وفي كلتا الحالتين ينبغي أن يقول لنا الشاعر ماذا نفعل بالعالم، وبالأحرى ماذا نفعل بأنفسنا في مواجهة العالم؟
هل نؤمن بالمعنى الممتلئ أم بالمعنى الفارغ، أي اللامعنى؟ هل نؤمن بالوجود أم بالعدم؟ وما هو المعنى الذي يمكن أن نعطيه لحياتنا في زحمة الحداثة وتسارعها الجهنمي يا ترى؟
بالطبع هناك أنواع أخرى من الشعر غير هذا النوع الفلسفي ولكن نلاحظ أنه يبقى هو الأهم والأعمق بالنسبة للكثيرين، ومن يريد أن يطلع على خلفيات الشعر الفرنسي المعاصر وهمومه وإنجازاته ما عليه إلا أن يقرأ هذا الكتاب.
الكتاب: الشعر الفرنسي المعاصر
تأليف: جان أوريزيه
الناشر: لوشيرش ميدي ـــ باريس 2005
الصفحات: 395 صفحة من القطع الكبير
LA POESIE FRANCAISE CONTEMPORAINE
JEAN ORIZET
LE CHERCHE MIDJ – PARIS 2005
P. 395