جورج شارباك مؤلف هذا الكتاب هو حامل جائزة نوبل للفيزياء.. وعضو أكاديمية العلوم الفرنسية وهو مؤلف العديد من الكتب من بينها »الحياة على خيط مشدود« و»كونوا سحرة، كونوا علماء«.وريشار غاروين، هو عالم فيزياء أيضا، وعضو جمعية العلوم الأميركية.. وفينانس جورنيه يحمل شهادة دكتوراه الدولة في العلوم الفيزيائية وتحديداً في ميدان الجزيئات.. وهو باحث في المركز القومي الفرنسي للبحث العلمي.
»تبقى النوويات هي طريق المستقبل، شريطة محاربة ذهنية غياب المسؤولية« هذه الجملة التي كتبها جورج شارباك تلخص بشكل جيد الفكرة الجوهرية التي تتركز عليها تحليلات هذا الكتاب لكن هذا لا يلغي واقعاً آخر يتم تأكيده في هذا العمل، وهو ان البشرية ليست بمنجاة من أحداث تشيرنوبيل جديدة، والمعلوم هو ان مفاعل تشيرنوبيل الروسي (السوفييتي سابقاً) كان قد انفجر وانتشرت منه غيوم نووية لا تزال أثارها كبيرة في الجوار المباشر لهذا المفاعل وظاهرة في العديد من المناطق الأوروبية.
لماذا النوويات هي مستقبل البشرية؟ طبعاً النوويات بمعنى الطاقة النووية تحديداً.. انها هذا المستقبل لسبب مهم وجوهري هو ان التقدم الذي تم إحرازه على صعيد التكنولوجيات، وخاصة الطبية منها، سيؤدي خلال العقود القليلة إلى تزايد هائل في عدد سكان العالم.. انها زيادة بالمليارات.. ومن هنا تصبح الطاقة النووية لابد منها أكثر من أي وقت مضى..
وهذا الكتاب يشكل مرافعة لصالح التكنولوجيات النووية »المدنية« اما من يقوم في هذه المرافعة منهم »سلطات« في ميدان اختصاصهم والذي ليس ميداناً آخر سوى الفيزياء النووية. انهم يحاولون شرح الرهانات التي تتضمن عليها تكنولوجية الطاقة النووية »المدنية« هذا دون نفي واقع التداخل الكبير بين هذه التكنولوجية »المدنية« والأخرة »العسكرية« وأيضا دون نفي واقع الخطر الكبير المتمثل في امكانية وصول »النوويات« إلى ايدي مجموعات ارهابية مختلفة المشارب والمذاهب وما يحمل ذلك من تهديد للبقاء الانساني كله.
اما الرد على هذا فانه يتم تقديمه من قبل مؤلفي هذا الكتاب باتخاذ قرارات شجاعة من قبل المسؤولين السياسيين والعسكريين والصناعيين من اجل ضمان الأمن الدولي والسلام.
ان نهاية الحرب الباردة بين الغرب الرأسمالي والشرق الاشتراكي والتي استمرت قرابة نصف قرن من الزمن، قد وضعت حداً لسباق التسلح الذي كان مشروع »حرب النجوم« الذي اراده الرئيس الأميركي الأسبق الراحل رونالد ريغان هو أحد أشهر تعبيراته.. وهو المشروع الذي أعلن ريتشارد غاروين أحد مؤلفي هذا الكتاب، معارضة له رغم أنه كان قد شارك في العديد من الدراسات الخاصة بتطوير الأسلحة النووية.
لكن إذا كان السباق إلى التسلح قد جرى كبحه، فإن عدد الدول التي تمتلك السلاح النووي قد زاد بالمقابل.. وهذا يعني ضمناً أو »احتمالاً« إمكانية قيام مجابهات نووية لا سيما وأن بعض الدول المالكة له تعيش حالة من النزاع الشديد فيما بينها، مثل الهند والباكستان على سبيل المثال.
اليوم وبعد 20 سنة من انفجار تشيرنوبيل، لا يتردَّد جورج شارباك و»شريكاه« في تأليف هذا الكتاب في الإعراب عن قلقهم حيال الوضع القائم في العالم اليوم، لا سيما من زاوية »قصر النظر« الذي يبديه رجال السياسة وأصحاب القرار في ما يخص المستقبل البشري حيث ان اهتمامهم ينصب على اللحظة الحاضرة، أي على زمنهم، من دون الاهتمام بما يتركونه من إرث للأجيال اللاحقة. هذا في الوقت الذي يحتم فيه التقدم العلمي وتطور أنماط العيش الانكباب »جدياً« على آفاق المستقبل.
باختصار، يعتبر مؤلفو هذا الكتاب أنه لا مفر من اللجوء إلى الطاقة النووية »المدنية«، وذلك بمجرد القيام بدراسة جدية علمية وإحصائية لتحديد كميات الطاقة المطلوبة من أجل الاستجابة للاحتياجات البشرية في الأفق القريب الذي لا يتجاوز بضع عشرات من السنوات.. إن البشر في هذا العصر الحديث يتطلعون أكثر فأكثر إلى زيادة الإنتاج والاستهلاك..
وحيث لا يبدو واضحاً أي أفق لإمكانية ردعهم عن »هوس« الاستهلاك، خاصة والقيام بـــ »توفير« الطاقة، لأن مثل هذا التوفير سوف يترافق بالضرورة مع مطلب تغيير نمط الحياة في المجتمعات الاستهلاكية التي تتوسع وتنتشر أكثر فأكثر في ظل العولمة وسيادة اقتصاد السوق.. أمام مثل هذه العولمة لنمط العيش والذي يمكن التعبير عنه بمحاولة »أمركة« الثقافة العالمية.. يؤكد جورج شارباك ضرورة »عولمة الرقابة على الأمن النووي«.
وتتم الإشارة في هذا السياق إلى أهمية الرقابة على إنتاج الطاقة النووية مع الإشارة أيضاً في الوقت نفسه إلى ما تؤمنه هذه الطاقة من استقلال في هذا الميدان الحيوي، والتجربة الفرنسية هي مثال بليغ على مثل هذا الاستقلال.
ويرفض مؤلفو هذا الكتاب مقولة التعويل على »التطور الطبيعي« للوصول إلى التكيُّف مع العولمة.. وذلك لكون أن هذا السبيل قد يؤدي بمجتمعات كاملة إلى نضوب مواردها مع ما يترتب على هذا من إفقار أكثر فأكثر للشعوب المعنية، وهذا يعني بدوره إيجاد أرض خصبة لكل أشكال التزمت والتطرف..
وحيث ان هذا السلاح »الايديولوجي« قد يكون أكثر خطورة من السلاح »النووي« والسلاح »البيولوجي« المهددين لأمن العالم وسلامته. على هذا الأساس يتم التأكيد على أنه لأسباب »أخلاقية« و»أمنية« ينبغي على الجميع، وخاصة على البلدان الغنية، أن تبذل جميع الجهود الممكنة من أجل منع »تكدس البؤس« لأن هذا لا بد أن يؤدي إلى العنف. ثم إن واقع تسخين المناخ لا بد وأن يرغم البشر، خاصة المجتمعات الغنية على التخلِّي عن »أنانيتها«.
إن أحد الأهداف الأساسية من كتابة هذا العمل من قِبل ثلاثة علماء في الفيزياء يكمن في »التحذير« من الإفراط في »تقديس السرية« في ميدان الأبحاث النووية، إذ ان مثل هذا التركيز على السرية كان وراء الانفجار الذي آلت إليه الأمور في تشيرنوبيل، إذ كان قد جرى إخفاء سلسلة من الأحداث التي ربما كانت قابلة للسيطرة عليها لو أنه أمكن معرفتها مسبقاً.
ويتم في هذا السياق اقتراح إنشاء هيئة مستقلة خاضعة لمنظمة الأمم المتحدة تكون مهمتها وضع استراتيجية دائمة للرقابة على النشاطات النووية لمختلف البلدان، بحيث تكون بصيغة ما »رديفة« للوكالة الدولية للطاقة الذرية وإنما أكثر استقلالية منها وأقل بيروقراطية.
هذه الهيئة الجديدة يكون ممثلاً فيها علماء مختصون بالنوويات من بلدان مختلفة ويتم تزويدها بصلاحيات كبيرة بجانب ذلك إمكانية »كسر« جدار السرية التي تحيط بعض البلدان نشاطاتها النووية به. والإشارة هنا واضحة إلى الملف الإيراني النووي، وبدرجة أقل إلى الملف الكوري الشمالي.
وإذا كان الاهتمام الرئيسي في هذا الكتاب منصباً على النشاط النووي المدني، فإن الجانب العسكري ليس غائباً عنه، لا سيما ان الاهتمام بهذا الجانب قد وصل إلى حد »الجنون« خلال العقود المنصرمة، وتحديداً بعد الحرب العالمية الثانية.. هكذا وتحت راية »الردع« تحت ظل »الرعب النووي« و»التدبير المتبادل المؤكد« امتلك الروس ـــ الاتحاد السوفييتي سابقاً ـــ حوالي 45 ألف رأس نووي، وامتلك الأميركيون ما يقارب الـــ 35 ألف رأس. هذا ويتم التذكير هنا بزن خمسة وعشرين قنبلة ذرية كافية لإبادة 25 مليون صيني، وينقل عن وزير الدفاع الأميركي »روبيرت مكنمارا« انه أكد في أحد أحاديثه مع الرئيس الأميركي الراحل جون كيندي قبوله بتزويد الجيش الأميركي بألف رأس نووي إضافي، وحيث كان وزير الدفاع قد قال لرئيسه »لو انني طلبت عدداً أقل ربما أن أعضاء مجلس الشيوخ كانوا سيفرضون علي 5000 رأس«. كان ذلك في سياق السباق »المجنون« إلى التسلح.. وهو الذي يقترح المؤلفون في مواجهته »نزعاً كاملاً« للسلاح النووي من العالم.
وهناك عامل خطير آخر يتم تحديده في الجشع الكبير إلى المال وتحكم آليات الربح بسلوكيات البشر، وهذا يترتب عليه أنه وعلى الرغم من التقدم الكبير الذي تحقق على صعيد الأمن النووي منذ انفجار مفاعل تشيرنوبيل الروسي عام 1986، فإن مؤلفي هذا الكتاب يرون وجود خطورة كبيرة في رؤية بعض البلدان تتعامل مع الصناعة النووية كأية صناعة أخرى بحيث إنه لا يتم إحياناً كثيرة احترام طرق البحث والاستقطاع من الميزانيات، وعدم النزاهة في الكشف عن طبيعة النشاطات الجارية، وهذا ما تدل عليه حركات الاستغاثة التي يطلقها المسؤولون عن أمن المفاعلات الذرية في جميع بلدان العالم تقريباً..
ولكنها حركات تبقى مكتومة »بسبب حالة الحصار التي يفرضها أصحاب القرار السياسي في البلدان المعنية والمأخوذين بالبحث عن »امتلاك القوة« وخاصة إلى جعل موازين القوى تميل إلى مصالحهم في حالة وجود نزاعات اقليمية.. وهذا »التفوق« هو الذي تعتبره اسرائيل ورقتها الرابحة في منطقة الشرق الأوسط وتسعى بكل قوتها على منع قيام أية قوة نووية أخرى في منطقة الشرق الأوسط.
بالمقابل إذا كان هاجس الأمن يشكل المحرك الأساسي لنظام الرقابة القائم، فإنه ورغم أن مثل هذا النظام قد جرى »تصميمه« من أجل تجنب تكرار حادث »تشيرنوبيل« إلا أن الواقع يتسم حالياً بشيوع ذهنية اللامسؤولية مما يتيح الانتقال من »تشيرنوبيل« إلى تشيرنوبيل كما في عنوان هذا الكتاب..
أما خلفية هذه »اللامسؤولية فليست بعيدة أيضاً عن روح الكسب المادي الذي قد يدفع أحياناً بعض أصحاب القرار إلى تخفيض أسعار الطاقة النووية بواسطة قرارات قد تبدو بريئة في ظاهرها لكنها تشتمل على خطر كبير من الواقع مثل تكليف عملية صيانة المفاعلات الذرية إلى شركات ليست على المستوى المطلوب، وهناك أخطار أخرى في بلد مثل فرنسا تتمثل في الحديث عن »خصخصة« المفاعلات النووية المنتجة للطاقة، على غرار مشروع خصخصة شركتي »غاز« و»كهرباء« فرنسا.. وتجدر الإشارة هنا إلى أن فرنسا تمتلك (58) مفاعلاً نووياً منتج لهذه الطاقة.
إن الروح التجارية ــ المركنتيلية ــ قد تتحكم أكثر فأكثر في اختيار مصادر الطاقة مستقبلاً، وذلك ربما على أساس سعر »الكيلوواط« من الطاقة في أسواق البورصة الدولية، ان مثل هذا الأفق يشكل منظوراً قائماً يستمد منه مؤلفو هذا الكتاب لا سيما وان »هدف الكسب« سيترافق بالضرورة مع اهمال اجراءات الصرامة المطلوبة في التعامل مع مثل هذه الطاقة الحساسة في ظل غياب الاعتبارات الضرورية لمنع تكرار أحداث مثل حادث تشيرنوبيل، بل وحتى في غياب أي اهتمام حقيقي بما يمكن أن يترتب من ذلك على قضية سخونة المناخ وأخطارها المستقبلية الكبيرة، هذا كله فضلاً عن جعل التهاون مسؤولاً إلى هذه الدرجة أو تلك عن وصول السلاح النووي إلى الأيدي التي لا ينبغي أن يصل إليها«.
ويضم هذا الكتاب وجهة نظر علمية يقدمها علماء عن عملية الانشطار الخاضع للسيطرة، وهو بالتحديد الذي يتم اللجوء إليه من أجل الوصول إلى الطاقة النووية المدنية، إن مثل هذا الانشطار تصدر عنه »كميات« كبيرة من الإشعاعات النووية القاتلة في محيطها القريب، وذات الآثار الصحية الخطيرة من أورام خبيثة وتشوهات خلقية وغيرها في الإطار الأوسع، إن السيطرة على مثل هذا الانشطار لـ »أغراض مدنية« هو أكثر دقة من الانشطار الانفجاري للقنابل.
»من تشيرنوبيل إلى تشيرنوبيل« كتاب يؤكد المساهمون ـ العلماء الثلاثة ـ فيه بأنه قد حان الوقت فعلاً من أجل الرؤية بشكل واضح وبعيد، بعيداً عن النقاشات السقيمة والعقيمة التي يطلقها أنصار البيئة من حركات الخضر وغيرها والتي تناوئ أي مشروع للوصول إلى الطاقة عن طريق النشاط النووي المدني، والرؤية الواضحة والبعيدة من أجل إظهار المخاطر الحقيقية..
هذا مع التأكيد بأن النشاط النووي المدني ليس بالخطورة التي يقوم البعض بالدفع نحو الاعتقاد بها.. وهو أيضاً كتاب يؤرخ للفيزياء النووية ولاكتشافاتها ورجالاتها.. وكتاب رسالة أمل وعقلانية تساعد البشر العاديين بأن تكون لهم آراؤهم الخاصة في ملف دقيق مثل »الملف النووي«.
الكتاب: من تشيرنوبيل إلى تشيرنوبيل
الناشر: اوديل جاكوب ــ باريس 2005
الصفحات: 570 صفحة من القطع المتوسط
De tchernobyl en Tchernobyl
Geogres charpak, Richard Garwin, Venance Journe
Odile Jacob – Paris 2005
P.570