مؤلف هذا الكتاب هو الناقد والمفكر فيديل كورديرو أحد المختصين بالفن الحديث وخاصة فن رسامي السوريالية والحركات الطليعية. وهو هنا يخصص كتاباً كاملاً لحياة أحد كبار الرسامين في القرن العشرين: سلفادور دالي.

ومنذ البداية يقول بما معناه: ولد سلفادور دالي في منطقة كاتالنيا بأسبانيا عام 1904، وفيها مات بعد خمسة وثمانين عاماً سنة 1989. وكان من أكبر الرسامين على الطريقة السوريالية بالإضافة إلى صديقه بابلو بيكاسو وآخرين.

ويقال بأنه رسم أول لوحة له عام 1911 أي وعمره سبعة أعوام فقط! وصرح بشكل جنوني ذلك الوقت بأنه سيصبح نابليون! وهذه الصرعة الجنونية سوف تظل تلاحقه طيلة حياته كلها. وفي عام 1918 حصل على شهادة البكالوريا بسهولة وبشكل مبكر ودخل إلى مدرسة الفنون الجميلة في سان فرناندو بمدريد. وهناك التقى بالشاعر الكبير فريدريكو غارسيا لوركا وأصبح صديقه. كما التقى بالمخرج السينمائي الشهير لويس بونويل وتوثقت علاقته معه.

ثم طردوه من المدرسة بسبب مشاغباته العديدة ونظراً إلى أن التعليم السائد آنذاك لم يكن يعجبه.

وفي عام 1926 يقوم بأول زيارة له إلى باريس، عاصمة الفن العالمي والأدب والشعر. وهناك التقى لأول مرة ببابلو بيكاسو. وبعد ثلاث سنوات من ذلك التاريخ يعود إلى مدريد برفقة بونويل من أجل تصوير فيلم سينمائي بعنوان: كلب أندلسي! وبعدئذ حصل له اللقاء الحاسم مع مجموعة السورياليين: أي أراغون، واندريه بريتون، وبول ايلوار، وتريستان تزارا الذي كان قد أسس الدادائية سابقاً.

ومعلوم أنها هي أصل السوريالية. ثم حصل له لقاء هام جداً آنذاك بامرأة تدعى: غالا. وسوف تصبح امرأته فيما بعد وحبيبة عمره على الرغم من كل الخلافات والتقلبات التي شهدتها علاقتهما.

ثم يردف المؤلف قائلاً:

وفي عام 1932 شارك سلفادور دالي بأول معرض سوريالي للفن في الولايات المتحدة. وحقق نجاحاً منقطع النظير. وأصبحت لوحاته المدهشة بجرأتها الجنونية محطّ أنظار النقاد أجمعين. وراح يتعرف على الأفكار الجديدة أكثر فأكثر ويزيد من ثقافته. وراحت زوجته »غالا« تقوم بالدعاية للوحاته التي اعتبرها الناس جنونية أكثر من اللزوم.

وابتدأت عندئذ المرحلة الهنديانية ـ النقدية من أعمال سلفادور دالي. وهي مرحلة تهدف إلى تسخيف العالم أو إفساده كما يقول. وفي ذات الوقت كان الكاتب الفرنسي الفريد جاري يحاول »تجنين« العالم: أي جعله جنونياً! ينبغي ألا ننسى أن كل تلك الحركات نشأت بعد الحرب العالمية الأولى كرد فعل على همجيتها ووحشيتها وكصرخة احتجاج على ما ارتكب فيها من مجازر ودمار.

ولولا ذلك لما استطاعت الحركة السوريالية أن تحقق كل تلك الانتصارات وتستقطب أنظار جمهور واسع من الناس. فالبشرية الأوروبية كانت قد ملت من كل شيء وكفرت بكل شيء بعد كل ما حصل من مجازر مرعبة وإهانة لإنسانية الإنسان. كانت قد كفرت بالعقل الذي لم يستطع أن يجنبها كل هذه الويلات.

وبالتالي ينبغي أن نموضع الحركة الدادائية والسوريالية داخل إطارها التاريخي لكي نفهمها.

وكذلك الأمر فيما يخص حركة الفن الحديث ورسوم بيكاسو ودالي وآخرين. فالفن ليس مفصولاً عن الظروف التاريخية والسياسية والاجتماعية على عكس ما نظن.

ومعلوم أن السورياليين ركزوا على الكتابة الأوتوماتيكية: أي التي تسجل على الورق كل ما يخطر على البال بشكل عفوي حتى ولو كان مرعباً أو مقززاً للنفس أو لا أخلاقياً بالمرة..

كما وكانوا يركزون على الحلم: أي أن يعبر الكاتب عن أحلامه بشكل طبيعي وبدون تدخل العقل الواعي في العملية. نقول ذلك ونحن نعلم أن السوريالية ظهرت في نفس الفترة التي ظهر فيها التحليل النفسي الذي أعطى أهمية قصوى لما يدعوه بلا وعي الفرد الباطني العميق. ولهذا السبب تحمس له اندريه بريتون وسافر إلى فيينا خصيصاً لمقابلة فرويد.

ثم يردف المؤلف قائلاً بما معناه:

لقد أضاف سلفادور دالي إلى منهجية السورياليين بعداً آخر هو: الشيء اللاعقلاني الخالص الذي يشتغل بطريقة رمزية أو خيالية لا علاقة لها بالواقع. لقد أضاف إليها صرعاته وشطحاته الجنونية. ومعلوم أنه كان يركب على خشبة أحياناً ويركض في شوارع باريس قائلاً: هناك عبقريان في العالم أنا وبيكاسو! أو كان يقول: الفرق بين المجنون وأنا هو أنني لست مجنوناً...

ولكن على الرغم من كل هذه العلاقات الوثيقة بين دالي والسورياليين أنهم اجتمعوا في يوم مشهود وقرروا فصله من الحركة لأنه رجعي جداً في أفكاره. ويبدو أنه كان أقرب ما يكون إلى فرانكو واليمين الأسباني ... وهذا لا يقلل من عبقريته الفنية. فهناك شعراء كبار رجعيون من أمثال عزرا باوند وت. س. ايليوت وغيرهما. ولكن السورياليين كانوا يعتبرون أنفسهم ثوريين بل وحتى تروتسكيين. وبالتالي فدالي أصبح عالة عليهم وما عادوا قادرين على تحمل وجوده بينهم. نقول ذلك على الرغم من اعترافهم بعبقريته الفنية التي لا تضاهى. لقد كانت عبقرية جنونية متفجرة.

وبعد أن ساءت علاقته بالسورياليين الذين يسيطرون على الأوساط الباريسية نفي دالي نفسه إلى نيويورك حيث بقي هناك عشر سنوات من عام 1939 إلى عام 1948: أي كل فترة الحرب العالمية الثانية عندما كانت باريس تحت الاحتلال الألماني. وهكذا نجا من الظروف المعيشية الصعبة للاحتلال.

وهناك رسم بعض اللوحات الرائعة كتلك المدعوة: شعر أميركا أو أميركا كشعر.. وقد عبر دالي مرة عن فلسفته الفنية قائلاً:

لكي أتغلغل إلى أعماق الواقع أشعر بأني أمتلك حدساً عبقرياً يجعلني أمتلك سلاحاً استثنائياً ألا وهو: التصوف أو النظرة الصوفية العميقة للواقع. وأقصد بالتصوف أيضاً الحدس العميق بما هو موجود، والاتصال المباشر مع الكل، كلية الواقع المحيط، ثم الرؤيا المطلقة بفضل هبة الحقيقة، الحقيقة الإلهية...

هكذا نجد أن سلفادور دالي كان مفكراً عميقاً على عكس المظاهر السطحية التي كان يظهرها أمام الناس حيث يقوم بحركات صبيانية أو جنونية مثلاً. فكثيراً ما كان يزمجر ويهمهم ويفتل شواربه وهو جالس مع كبار القوم أو صغارهم على مأدبة غداء أو عشاء. وكثيراً ما كان يلوح بعصاه فوق الطاولة ويعبس ويكشر لكي يخيف الحاضرين أو لكي يسليهم، لا فرق.

وقد اشتهر بهذه الصرعات كثيراً إلى درجة أن العديدين كانوا يبذلون المستحيل لرؤيته شخصياً. ثم يردف المؤلف قائلاً:

لقد طبق سلفادور دالي فلسفته الصوفية على كل اللوحات الفنية اللاحقة. ولذلك فهي تدهشنا بعمقها وجنونها وشاعريتها. وراح يرسم لوحات ضخمة حيث تتجلى أشكال حيوانية أو بشرية عملاقة. من هنا تكون الصدمة السيكولوجية التي نشعر بها عندما نرى إحدى لوحاته الفنية الأخاذة.

هذا وقد اهتم سلفادور دالي بفنون أخرى غير الفن التشكيلي أو فن الرسم. فقد كان مسحوراً بالسينما مثلاً والتصوير الفوتوغرافي والموضة والإعلانات الحديثة على شاشات التلفزيون أو سواها. يضاف إلى ذلك أنه كان مولعاً بالعلم وخاصة نظرية النسبية لألبرت اينشتاين. وقد عبر عنها في لوحته الشهيرة المليئة بالساعات والتي تصور الزمن بشكل مخيف. وهي اللوحة المدعوة باسم: ديمومة الذاكرة.

ويبدو أن هذا الرسام الشهير أصيب عام 1980 بانهيار عصبي أو نفسي خطير نسبياً. ولذلك فإن أصدقاءه راحوا يحرسونه ويمنعون الناس من زيارته إلا بإذن شخصي أو بمبرر معقول.

ثم ماتت زوجته »غالا« عام 1982. ولذلك انتقل دالي للعيش في القصر الذي كان قد أهداه لها سابقاً. وخلع على نفسه لقب ماركيز: وهو لقب ارستقراطي يعود إلى العصور الملكية والقرون الوسطى.

وكان قد أصبح غنياً جداً لأن لوحاته تباع بعشرات الملايين من الدولارات. لشد ما تغيرت الأحوال! عندما جاء إلى باريس في العشرين من القرن الماضي كان يشحذ لقمة العيش من الناس ويكاد يتضور جوعاً. وها هو الآن يلعب بالملايين! وكل ذلك بفضل موهبته في الرسم وعبقريته التي لا تضاهى.

وفي عام 1983 رسم سلفادور دالي آخر لوحاته وكان قد أشرف على الثمانين. وكان عنوانها: ذنب السنونوة.

وفي العام التالي احترق دالي في غرفته ضمن ظروف غريبة الشكل. ولكنه لم يمت وإنما عاش خمس سنوات إضافية بعدئذ. ثم صدرت عنه لفتة كريمة جداً قبل أن يموت: فقد أهدى كل ثروته ولوحاته للدولة الأسبانية: أي لبلده الأصلي الذي كان قد غادره منذ حوالي السبعين سنة!. وهكذا عاد دالي إلى الجذور، إلى الأصول الأولى، إلى الطفولة الشقية ومزارع الزيتون والكرمة...

ثم يتحدث المؤلف عن نشاطات سلفادور دالي الأخرى ويقول: لقد كان مبدعاً حتى في مجال السينما. وقد دشن السينما السوريالية مع صديقه بونويل عندما ساعده على إخراج الفيلمين التاليين: كلب أندلسي (1929)، والعصر الذهبي (1930).

كما واشتغل مع المخرج الشهير الفريد هيتشكوك عندما ساهم في صنع ديكور بعض مشاهد فيلمه: بيت الدكتور ادواردز. ولنا أن نتخيل سلفادور دالي وهو يشتغل مع وحش سينما الرعب هيتشكوك! كلاهما وحش في مجاله الخاص.

بل ويمكن القول إن لسفادور دالي علاقة بمجال الأدب. وهذا الشيء ليس مستغرباً من فنان عظيم مثله. فقد كتب العديد من النصوص التي يشرح فيها أفكاره ونظرياته عن الفن التشكيلي. وهي تقدم لنا معلومات ثمينة عن سيرته الذاتية والأحداث التي مر بها وكيفية رسمه للوحاته الشهيرة. وقد كانت هذه النصوص متفرقة أو مبعثرة هنا وهناك.

ولكنهم جمعوها مؤخراً في عدة كتب. وهكذا أصبح من السهل على القراء أن يصلوا إليها. نذكر من بين هذه الكتب: »الحياة السرية لسفادور دالي«. ويقدم هذا الكتاب معلومات هامة جداً عن طفولته الأولى، وعلاقاته الصعبة والإشكالية مع والده، وشعوره منذ الطفولة بأنه سيصبح عبقرياً.

وهناك كتاب آخر له بعنوان: »مذكرات عبقري«. وهو يتحدث فيه عن حياته في الخمسينات من القرن الماضي، أي بعد أن وصل إلى قمة الشهرة والمجد.

ومن أشهر ما قاله دالي نذكر العبارات التالية: سوف أصبح عبقرياً يوماً ما وسوف يعجب بي العالم. ربما احتقروني ولم يفهموني ولكني سأصبح عبقرياً (هذا ما قاله في شبابه الأول عندما كان لا يزال شخصاً مغموراً).

ثم قال عن بيكاسو هذه العبارة: بيكاسو هو المسؤول عن القبح في الفن المعاصر: أي انتشار ظاهرة البشاعة في الفن وتعميمها! (فهل كان مخطئاً يا ترى؟). والواقع أن الكثيرين يفضلونه على بيكاسو رغم الشهرة الهائلة لهذا الأخير.

الكتاب: سلفادور دالي

الناشر: ايديمات ليبروس ــ لندن 2005

الصفحات: 191 صفحة من القطع الكبير

SALVADOR DALI

FIDEL CORDERo

EDIMAT LIBROS – LONDON 2005

P. 191