مؤلف كتاب الأصنام، هو »هشام بن محمد بن السائب بن بشر الكلبي« وكنيته "أبو المنذر" واشتهر "بابن الكلبي" أخذ العلم بالكوفة، التي كانت حاضرة العلم والأدب، والتي ما برحت تباري "البصرة" في كل مضمار، حتى طواهما الزمن.

وقد كان "ابن الكلبي" من رجالات الكوفة وكان إليه المرجع في العلم بأيام العرب ومثالبها ووقائعها، وقد ذهب إلى "بغداد" واشتهر فضله وحدث بها.

وقد اتفق جميع أرباب الدراية على القول بأن ابن الكلبي، كان واسع الرواية، وأن المأثور عنه شيء كثير، ومن يدقق النظر في أمهات الكتاب التي وصلتنا عن أكابر المؤرخين، رآهما مفعمة بالنقول الكثيرة المنسوبة إلى "ابن الكلبي" مثال ذلك "ابن سعد" صاحب "الطبقات الكبرى، و"أبي جعفر الطبري" إمام المؤرخين.

فقد أكثرا في النقل عنه، كذلك "الجاحظ" الذي يروي كثيرا عنه، وكان "ابن الكلبي" أعجوبة في الحفظ والذكاء، وقد روى لنا عن نفسه ما نصه "حفظت ما لم يحفظه أحد، ونسيت ما لم ينسه أحد، كان لي عم يعاتبني على حفظ القرآن، فدخلت بيتاً وحلفت أن لا أخرج منه حتى أحفظ القرآن، فحفظته في ثلاثة أيام.

وكان الرجل عارفاً في أنساب العرب، حتى صار في زمانه فرداً يضرب به المثل، أما تصانيفه فقد بلغت واحداً وأربعين كتابا، وقد أوردها "ابن النديم" في كتابه "الفهرست"، وهي في أحاديث العرب قبل الإسلام، ثم في المآثر والبيوتات، ثم في أخبار الأوائل، وما قارب الإسلام من أمر الجاهلية، ثم في أخبار الإسلام والبلدان والشعر وأيام العرب، ثم في الأحاديث والأسمار.

أما كتابه "الأصنام" فهو دراسة للأصنام التي كانت موجودة في الجاهلية والقبائل التي كانت تقدس هذه الأصنام، و مناسك عبادتها، وما قيل فيها من شعر، والأمكنة التي تواجدت فيها.

كان هم الإسلام في بلاد العرب تطهير ربوعها من الشرك بالله، ومحو كل أثر لعبادة الأصنام والأوثان، وقد فاز بذلك وجمع كلمة العرب على الدين الجديد، لذلك كان المسلمون يتحاشون في أول الأمر ذكر الأصنام والأوثان لقرب عهد القوم بها، حتى إذا ما رسخت قدم الإسلام وتوطدت أركانه وثبت بنيانه.

لم يبق بعد مجال للخوف من الرجوع إلى الشرك بالله، وانحسمت مادة ذلك الخوف، حينئذ توفر العلماء على تلقف الروايات من هنا وهناك، فجمعوا كل ما وصل إليهم من المعلومات الباقية عن تلك الديانات القديمة، كما تجردوا من جهة أخرى لالتقاط ما بقي من أشعار الجاهلية وعاداتهم وأحوال معيشتهم، وكل ما يتعلق بحياتهم الأدبية والاجتماعية.

ومن هنا يكتسب هذا الكتاب أهميته، فقد كان أول كتاب في ه ذا الموضوع وكاتبه "ابن الكلبي" المتوفى في أوائل القرن الثالث الهجري سنة 203هـ أول من أفرد للأصنام كتاباً، ثم جاء بعده "الجاحظ".

فهو يذكر مثلا صنم »مناة« الذي كان أقدم الأصنام، وقد كانت العرب تسمى، "عبد مناة" و"زيد مناة" وكان منصوبا على ساحل البحر من ناحية "المشلل بقديد" بين المدينة ومكة، وكانت العرب جميعا تعظمه وتذبح حوله، وكانت الأوس والخزرج، ومن ينزل المدينة ومكة، وما قارب من المواضع يعظمونه ويذبحون له ويهدون له.

ويورد الكاتب: وحدثنا رجل من قريش عن فلان وفلان.. قال: كانت الأوس والخزرج ومن يأخذ بأخذهم من عرب أهل يثرب وغيرها، فكانوا يحجون، فيقفون الناس المواقف كلها، ولا يحلقون رؤوسهم، فإذا نفروا أتوه، فحلقوا رؤوسهم عنده وأقاموا عنده، لا يرون لحجهم تماماً إلا بذلك.

فلإعظام الأوس والخزرج يقول عبدالعزى بن وديعة المزني:

إني حلفت يمين صدق برة

بمناة عند محل آل الخزرج

ومناة هذه التي ذكرها الله عز وجل فقال "ومناة الثالثة الأخرى" كانت "لهذيل وخزاعة".

وكانت قريش وجميع العرب تعظمه، فلم يزل على ذلك، حتى خرج رسول الله »صلى الله عليه وسلم« من المدينة سنة ثمان للهجرة، وهو عام الفتح، فلما سار من المدينة أربع ليال أو خمس ليال، بعث "علياً" إليها فهدمها وأخذ ما كان لها.

فأقبل به إلى النبي الكريم صلى الله عليه وسلم« فكان فيما أخذ سيفان كان الحارث بن ابي شمر الغساني ملك غسان اهداهما لها، أحدهما يسمى "مخدما" والآخر "رسوبا"، وهما سيفا الحارث اللذان ذكرهما علقمة في شعره فقال:

مظاهر سربالي حديد عليهما

عقيلا سيوف مخدم ورسوب

فوهبهما النبي "صلى الله عليه وسلم" لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه، فيقال: إن ذا الفقار سيف علي أحدهما.