ساهم في تأليف هذا الكتاب العديد من الباحثين والنقاد الانغلوساكسون تحت إشراف البروفيسورة روزماري لويد. وقد درست أولاً في جامعة اديلايد بأستراليا (1972 حيث نالت شهادة الماجستير) وذلك قبل أن تنتقل إلى جامعة كامبردج بانجلترا حيث نالت شهادة الدكتوراه في الآداب عام 1978. ثم أصبحت أستاذة الأدب الفرنسي في كلية الآداب عام 1979.

وبعدئذ انتقلت إلى جامعة »انديانا« حيث درّست الأدب الفرنسي والإيطالي لسنوات عديدة، وهي مختصة بدراسة شعر القرن التاسع عشر، أي القرن الذي ظهر فيه بودلير ورامبو ولوتريامون ومالارميه وكبار شعراء فرنسا في الواقع. وهو القرن الذي تشكلت فيه الحداثة الشعرية على يد بودلير بالذات ثم رامبو وبقية الآخرين.

في البداية يقدم الكتاب لمحة عامة عن حياة بودلير ويقول بما معناه: ولد هذا الشاعر في باريس عام 1821 وفقد والده وهو في السادسة من عمره، ثم تزوجت أمه من الجنرال »أوبيك« الذي أصبح سفيراً فيما بعد وعضواً في مجالس الشيوخ. ولكن بودلير كان يحتقره جداً لأنه أخذ منه أمه. ثم لأنه يمثل الدولة والسلطة والبورجوازية. وبودلير يكره كل هذه الأشياء.

ويبدو أن بودلير كان طفلاً صعباً وتلميذاً معقداً يكره الخضوع للنظام المدرسي والأعراف السائدة. وبعد أن نال شهادة البكالوريا عام 1839 ورفض الدخول في سلك العمل والتوظيف وراح يعيش حياة الخلاعة والمجون في الحي اللاتيني. ثم راح يتردد على البارات والمواخير والبغايا إلى درجة أن عائلته خافت عليه من الضياع والاضمحلال الكامل. ولذلك قررت ترحيله إلى الخارج لكي ينسى كل ذلك ويعود إلى رشده.

ولكنه لم يكمل الرحلة البحرية إلى الهند كما كان متوقعاً وإنما عاد أدراجه بعد فترة من الزمن. وبعد عودته كانت هناك مفاجأة سعيدة تنتظره. فقد نال إرثاً ضخماً من والده وأصبح حراً في التصرف بعد أن كبر وأصبح بالغاً.

ولذلك راح يستأجر شقة فارهة على نهر السين ويصرف أمواله دون حساب، وكان متهوراً في الحياة ولا يعرف كيف يخبئ قرشه الأبيض ليومه الأسود، كما يقال.

ثم تعرف على فتاة زنجية وأحبها نكاية بعائلته البرجوازية الفرنسية التي تكره السود بشكل عنصري. ثم راح يصرف عليها دونما حساب أيضاً. ثم تعرف على بعض الأصدقاء من الشعراء وبخاصة تيوفيل غوتييه الذي سيصبح صديقه الكبير بعدئذ. ويحكي عنه هذا الأخير الحكاية التالية: في أحد الأيام زارني شارل بودلير في بيتي بشكل مفاجئ، وما أن جلس حتى رأى كأساً من الماء على الطاولة فقال لي: ابْعِدْ الماء عن وجهي، أرجوك، اني لا أحب منظر الكؤوس المليئة بالماء.

ففهمت انه يريد أن يشرب الكحول! وعندئذ عرضت عليه زجاجتين من الخمر المعتق لكي يختار بينهما، فإذا به يقول لي: أفضل أن أجرّبهما معاً! وهكذا كان. فقد راح يفرغ الكأس بعد الكأس وهو ينظر إلي من طرف عينه لكي يعرف رد فعلي على تصرفاته، ولكني لم أحرك ساكناً ولم أبد أي استغراب، وظل يشرب من الزجاجتين حتى أنهاهما تماماً، ثم نهض وقال لي: شكراً لك، لقد أمضينا وقتاً طيباً معاً!

هكذا كان شارل بودلير شخصاً عفوياً، طيباً، يعيش الحياة بشكل بوهيمي وحر إلى أبعد الحدود، ولكن عائلته كانت له بالمرصاد، ولذلك فإنه يكره العائلات الفرنسية البورجوازية. فعندما رأت انه يصرف فلوسه بكل تهور وضعت فوق رأسه شخصاً وصياً عليه من الناحية القانونية باعتبار أنه قاصر وغير مسؤول عن نفسه.. وهذا ما أزعجه أشد الأزعاج. ولم يعد يستطيع ان يصرف كما يشتهي ويريد. أصبحت الفلوس محسوبة عليه بالقطارة كما يقال.

ولذلك حاول ان ينتحر عام 1845 ولكن دون نجاح. ثم ابتدأ ينشر نصوصه ومقالاته النقدية في المجلات الفرنسية التي فتحت صدرها له، وراح يترجم أعمال الشاعر الأميركي ادغار آلان بو الذي رأى فيه صورته الشخصية. ووقع في حب مدام ساباتييه، وكان حباً عذرياً في معظمه، ولكنه في الوقت ذاته كان يعيش حياة جنسية مكثفة مع الزنجية السوداء »حنة دوفال«. وهكذا جمع الحب من طرفيه، الحب العذري الافلاطوني، والحب الجنسي المضيع والشهواني.

اذا جاز التعبير وراح يعيش تجارب حياتية مكثفة وخطرة. وهي التي انعكست لاحقاً في أشعاره الخالدة سواء أكانت منظومة »أزهار الشر« أم غير منظومة »قصائد نثرية صغيرة«.

ثم تردف الباحثة قائلة: وفي عام 1857 نشر بودلير ديوانه الشعري الأول والأخير: أزهار الشر، وقد أدانته محاكم باريس فوراً بتهمة الخروج على الأخلاق الحميدة ومهاجمة الدين المسيحي، ورجال الدين، وأمرته بسحب ست قصائد ثم فرضت عليه غرامة معينة. ولم تتراجع المحاكم الفرنسية عن هذا الحكم إلا عام 1949: أي بعد مئة سنة من ذلك التاريخ تقريباً! وبعد ان أصبح بودلير مثقلاً بالديون وملاحقاً بشكل شبه يومي من قبل الدائنين فإنه هرب الى بروكسل لكي يلقي محاضرات هناك عن الشعر.

وكان ذلك عام 1864، ولكنه لم ينجح فيها، فترك المحاضرات وراح يتردد على الخمارات والمواخير كعادته. ويبدو أنه أصيب بمرض الزهري، وهو مرض جنسي خطير لم يكن يجد له دواء في تلك الأيام. وفي عام 1866 أصيب بودلير بشلل عام ولم يعد يستطيع ان يتكلم أو ينطق بحرف واحد، ولذلك أعادوه الى باريس حيث مات عام 1867 عن عمر يناهز السادسة والأربعين عاماً.

ان أعمال بودلير الشعرية تضم بالإضافة الى أزهار الشر مقاطع نثرية تدعى: الجنات الاصطناعية، ثم قصائد نثر صغيرة، ثم بعض النصوص تحت عنوان: سأم باريس.

وأما أفكاره عن الحياة والدين والمجتمع والسياسة فيمكن للقارئ ان يجدها في كتاب يشبه السيرة الذاتية ويتخذ العنوان الرائع التالي: قلبي العاري »أو قلبي بعد ان عريته وكشفته على حقيقته« وهناك عدة نصوص نقدية له عن الرسام الكبير دولاكروا وعن الفن الرومانطيقي.

هل يعلم القارئ ان الكتاب الأعظم لبودلير، أي أزهار الشر، هو أحد أفضل المبيعات الفرنسية في مجال الآداب.

فقد بيع منه حتى الآن ما لا يقل عن ثلاثة ملايين ونصف المليون نسخة في الطبعة العادية، وحوالي مليوني نسخة في طبعة الجيب الصغيرة.

وهذا يعني انه كان سيغني بودلير لو أنه عاش فترة أطول. وعلى أية حال فهو أهم ديوان في تاريخ الشعر الفرنسي اذا ما استثنينا فصل في الجحيم لرامبو، والاشراقات والبعض يعتقد بأنه أهم منهما.

وهل يعلم القارئ ان رسالة بودلير إلى عشيقته بيعت عام 1984 بما يعادل المليون دولار حالياً؟ وقد اشتراها أحد الأغنياء الكبار الذين يحبون جمع آثار العظماء. وهي مكتوبة بخط بودلير حرفياً.

واما مقدمته لأزهار الشر والتي لا تزيد على »11« صفحة فانها بيعت عام 1992 بما لا يقل عن مليوني دولار بالسعر الحالي!

هكذا نلاحظ ان بودلير الذي كان جائعاً تقريباً في السنوات الأخيرة من عمره وكان يشحذ الفلوس من الناس أصبحت نصوصه تباع بالملايين من دون ان يستفيد منها أي شيء.

وقد حصل له ما حصل لذلك المجنون الآخر الرسام الشهير فان جوخ، فقد كان يتضور جوعاً في حياته. ولكن لوحاته الآن تباع بمئات الملايين من الدولارات (اللوحة الواحدة فقط...).

وهل نعلم أن النسخة المهداة الى الرسام دولاكروا من ديوان أزهار الشر بيعت عام 1985 بحوالي المليون ونصف المليون فرنك فرنسي. أي مع يعادل المليون دولار حاليا. وكل ذلك لانه كتب عليها اهداء بسيطاً لا يتجاوز بضع كلمات أو جمل.

ثم يردف الكاتب قائلاً: لقد صدم بودلير الناس بمواضيع قصائده التي لا تتحدث إلا عن السأم والضجر من الحياة، والرغبة في السفر إلى البعيد البعيد، ونقد الأساطير الدينية، والكشف عن القبح الموجود في العالم، والتغني بالعدمية والخراب، والنزول إلى الطبقات السفلى من الجحيم.. ويرى بودلير انه توجد علاقات بين الجمال والشر وقد حاول الكشف عن هذه العلاقات. فكل ما هو شهواني ممنوع ومحبب إلى النفس مثلا، كل ما هو خارج على التقاليد الاجتماعية يستهوي الشاعر ويجذبه إليه.

وبالتالي فقد عبّر بودلير في قصائده على الجانب الآخر من الشخصية البشرية، على الجانب المعتم، السودواوي، اللا أخلاقي، النذل، العاهر، المجرم.. لم يتورع عن كشف الحقيقة البشرية في كل جوانبها وتجلياتها. ولذلك صدم أناس عصره وكتَّابه فلم يفهموه. أو قل ان قلة قليلة فهمته آنذاك. ولم يكن من بنيهم الناقد الادبي لجريدة »الفيغارو«، اعرق جريدة فرنسية وأقدمها لأنها لا تزال تصدر حتى الآن.

فقد كتب هذا »العبقري« يقول بعد صدور ديوان »أزهار الشر«: عندما نقرأ هذا الكتاب نكاد نشك في الصحة العقلية للسيد شارل بودلير. فهل هو مجنون يا ترى؟ هل فقد عقله؟ وهل يمكن لصحيح العقل أن ينشر قصائد فاسدة ومنحلة أخلاقيا وتافهة، الى مثل هذا الحد؟

بالطبع لم يكن هذا الناقد الفذ يعرف ان هذا الديوان سيصبح اعظم ديوان في تاريخ الشعر الفرنسي، وحده الناقد باربي دورفيلي فهم أهمية الكتاب وقال: ان بودلير هو دانتي العصور الحديثة، عصور الانحلال والخراب.

واما فيكتور هيغو الذي يكبر بودلير بعشرين سنة تقريباً والذي كان اشهر شاعر فرنسي في ذلك الوقت فقد كتب له رسالة يقول فيها: ما الذي تفعله عندما تكتب قصائدك! انك تمشي، تمشي الى الأمام، انك تزود سماء الفن بشعاع جنائزي حزين. انك تخلق رعشة جديدة.

ولكن بودلير للاسف لن يعيش الوقت الكافي لكي يشهد صعوده في سماء الفن والشهرة، لكي يدرك حجم الخرق الذي أحدثه في تاريخ الآداب الفرنسية والثورة الشعرية التي دشنها من خلال قصائده المنظومة، او المنثورة، لن يعيش حتى يسمع رامبو يقول عنه: انه ملك الشعر المتوج، إله الشعر..

الكتاب: دليل كمبردج لشارل بودلير

الناشر: مطبوعات جامعة كمبردج 2005

الصفحات: 256 صفحة من القطع المتوسط

The Cambridge companion

To baudelaire

Rosemary lioyd

Cambridge university press 2005

P: 256