اشتهر الروائي باتريك فيكتور مارتينديل وايت الاسترالي وكاتب القصص قصيرة والمسرحيات، في الغرب قبل أن يعترف به كأديب مبدع في وطنه بسنوات طويلة، وربما حاز على الاهتمام من الاستراليين بعد حصوله على جائزة نوبل للآداب في عام 1973 عن روايته الشهيرة »فوس«.

بعد ولادة فيكتور في 28 مايو عام 1912 في لندن بستة أشهر، عاد والديه الاستراليين مع أبنائهما إلى موطنهم واستقروا في سيدني. وبسبب إصابته بحساسية الربو فقد أمضى معظم طفولته في الريف وداخل المنزل مما دفعه للمطالعة والكتابة. وحينما بلغ الثالثة عشرة أرسله والده إلى مدرسة داخلية في انجلترا، ويذكر بأن السنوات الأربع التي أمضاها في المدرسة كانت تعيسة وبمثابة السجن. سافر بعدها مع العائلة إلى أوروبا بما فيها بلدان اسكندنافيا. وقد تركت كل من النرويج والسويد انطباعا قويا في ذاكرته.

وحينما بلغ الثامنة عشر أقنع والديه بعودته إلى استراليا والبقاء فيها لمدة من الزمن، حيث أراد اختبار نفسه إن كان قادرا على الاستقرار فيها والتأقلم مع حياة المزارعين وذلك قبل ذهابه إلى كامبردج لمتابعة دراسته الجامعية. وفي استراليا مارس مختلف مهن المزارعين من جز فرو الخراف إلى الزراعة مع المعاناة الدائمة من الفيضانات التي كانت تهدد المحاصيل والمواشي. ويذكر بأنه عاش لمدة عامين حياة صعبة وعانى من قسوة الطبيعة وسوء التغذية مثل أي عامل آخر، وعلى الرغم من جميع تلك المصاعب كان يختلس الوقت مساء للانزواء بنفسه والكتابة.

ثم عاد إلى دراسته في كلية كينغ بحماس شديد، ويصف بأنها كانت بمثابة النعيم مقارنة بما كان عليه حاله قبلها. وتجلت سعادته باكتشافه للأدب الفرنسي والألماني، وأمضى عطلاته السنوية ما بين فرنسا وألمانيا لتقوية لغته. وبعد تخرجه فوجىء بموافقة والده الذي لا يؤمن بمهنة سوى الزراعة، بتخصيص دخل شهري ضئيل له للبقاء في لندن ليبدأ مهنته ككاتب. وفي عام 1939 أنجز أول رواية له بعنوان »الوادي السعيد« ونشرت في لندن، ودفعه ترحيب النقاد بعمله للشعور بأنه أصبح كاتبا. غادر بعدها إلى نيويورك آملا في تكرار التجربة بنشر روايته هناك، إلا أنه أصيب بالخيبة والإحباط، وفي النهاية قبلت دار النشر فايكنغ بريس نشر عمله، التي أصبحت فيما بعد الناشر الرسمي لجميع أعماله.

وباندلاع الحرب العالمية الثانية ساءت الظروف، وأصبح يتنقل ما بين لندن ونيورك وهو يكتب على عجل روايته الثانية »الأحياء والأموات«. وفي عام 1940 جند كضابط مخابرات في قوة الطيران، وانتقل بين العديد من البلدان ومنها مصر. وخلال انتقاله بين الاسكندرية ولندن كتب روايته »قصة العمة«، وكانت فرصته للتعبير بحرية عن نفسه.

بعد انتهاء الحرب عاد مع صديقه اليوناني مانولي لاسكاريس إلى سيدني واشتريا مزرعة وعاشا فيها. ولم تحظ روايته تلك بأي صدى إعلامي وذلك لانهماك الجميع بتأسيس حياته مجددا بعد الحرب. وخلال سنواته الثماني عشرة التي أمضاها في المزرعة لم يجرؤ على الكتابة خوفا من الفشل الذي واجهه مع روايته الأخيرة.

وأخير وفي عام 1951 عاد للكتابة بجهد كبير، وبدأ بروايته »حكم بالحياة المؤبدة على الأرض« التي تطورت فيما بعد لتصبح باسم »رجل الشجرة«. تلك الرواية لاقت نجاحا كبيرا في بريطانيا والولايات المتحدة على عكس استراليا، حيث هوجمت بشدة، وبأسى يعلق على هذا الأمر بقوله »كنت بصورة مهينة، غريبا في بلدي«. واعتبره النقاد في الغرب من أهم الكتاب مثل دي اتش لورنس وتوماس هاردي وليو تولستوي.

وفي عام 1964 باع وصديقه المزرعة وانتقلا إلى مركز المدينة، وتابع نتاجه الإبداعي. وفي السنوات الأخيرة من حياته دافع عن قضايا وحقوق السكان الأصليين وحماية البيئة. وتوفي في 30 سبتمبر عام 1990 في سيدني بعد معاناة طويلة مع المرض.

تابع وايت نتاجه الإبداعي وكتب روايته أو ملحمته »فوس« التي يتناول فيها ماضي استراليا، من خلال جولات بطل روايته الرحالة المستكشف الألماني جوهان فوس. وتدور أحداث الرواية على خلفية علاقة حب غامضة تسكنها الأسطورة بين كل من فوس والشابة لورا تريفيليان، التي تعيش في سيدني، وتشاركه حماسه حتى وفاته.

استلهم وايت موضوع تلك الرواية بعد قراءته لسجل الحياة الواقعية للرحالة الألماني لودفيغ ليشاردت، الذي توفي في الصحراء عام 1848. وشخصية فوس هو النموذج المتكرر في جميع قصصه، الذي غالبا ما يتعامل مع شخصيات غريبة الأطوار ومنعزلة عن مجتمعها.

ينطلق فوس مع مجموعة من الأفراد منهم الدليل والباحث عن الحقيقة والراغب في المغامرة وغير ذلك، ويمولهم مجموعة من تجار سيدني. ولا يدرك فوس بعد معرفته بلورا بأنها توأم روحه، إلا حينما حينما يقرر بدء الرحلة. وتستمر المراسلات فيما بينهما وفي إحدى الرسائل يطلب فوس يدها، وهكذا تعيش لورا على أمل عودته ليتوج حبهما بالزواج، سيما وأنها كانت يتيمة تعيش في كنف عمها بونر الثري وكلاهما غريب في مجتمعه. وتتالى مغامرات فوس على مسار رحلته ويلتقي بنماذج مختلفة من الاستراليين. فقبل دخوله الأراضي غير المأهولة يلتقي في وادي هانتر بالمزارع ساندرسن الذي يرافقه جزء من الطريق ويدعوه لأخذ استراحة في مزرعته.

يخبره ساندرسن عن رؤيته للحياة وشغفه بالبحث عن الحقيقة، فيرى فيه فوس نموذجا للقديس في حياة أخرى، وإن كان المجتمع الاسترالي ينظر بغرابة واستهجان إلى نمط حياته.

وساندرسن رجل انجليزي نبيل وزوج مخلص من منتصف القرن التاسع عشر، ويعيش مع أسرته في أرض خصبة في أستراليا، إلا أن المجتمع المخملي يستهجن الحياة البسيطة التي يعيشها هذا الرجل مع زوجته المتواضعة. وما كان يستغربه المجتمع حياة هذين الزوجين سيما فترة المساء حينما تشعل الشموع، ويختار كل منهما كتابا مغلفا بالجلد من أرفف الكتب العديدة، ليجلسا ويستغرقا في القراءة. وبين الحين والآخر يختار أحدهما مقطعا من الكتاب الذي معه ليقرأه لشريكه بشغف واهتمام، فيمضي الوقت ليتألقا بسعادة غامرة تشيع في حنايا جسديهما.

وما دون ذلك لم يكن يثير في أي منهما شيئا مما يدور في العالم الخارجي، ففي النهار يشرف ساندرسن على قطيعه من المواشي وأسراب طيوره مثل أي رجل آخر. وكان هو وزوجته يعتنيان بخدمهم وعائلاتهم بأساليب عديدة.

ذلك مثال على ما يطرحه وايت في ملحمته من نماذج من المجتمع الاسترالي منها الإيجابي ومنها السلبي المتعصب أو السطحي وغير ذلك.

وحينما تصل البعثة لمنطقة مجهولة برفقة دليلين من السكان الأصليين، يواجه الجميع بتحديات عديدة على الصعيد الفكري والجسدي. وتنشأ الصراعات بين أفراد الفرقة، بين هؤلاء العمليين وبين الذي التحقوا بالبعثة لأهداف أكثر إنسانية وشخصية تتمحور حول اكتشاف الذات الداخلية. ومما يثير الاهتمام في الرواية هو كيفية تعامل الأفراد مع المعاناة وتحتل الأجزاء الوسطى من الكتاب.

وفي سيدني تكمن التحديات ولكن من نوع آخر. فبالنسبة للورا وأختها نصف الشقيقة بيل بونر، يظهر جليا بأن احتياجات كل منهما مختلفة عن الأخرى. فالحضارة الاسترالية للمستعمرة الحديثة التي تبحث عن هويتها، تتطلب من الرجال والنساء البحث عن أساليب جديدة للتعامل مع المجتمع والطبيعة.

وفي حين تأخذ فلورا على نفسها رعاية الطفلة ميرسي ابنة الخادمة روز وتأسيس مدرسة للأطفال، تصبح بيل إحدى السيدات التي تحمل على عاتقها مسؤولية لقاء العائلات وتعارفهم في مجتمع مختلط ومتنام باطراد.

وفي نهاية الرواية وكجزء من الاحتفالات بعودة فوس من رحلته يزيح سكان سيدني الستار عن تمثال شيد لهذه المناسبة. تبدأ الاحتفالات بظهور جود أحد أفراد البعثة، وسرعان ما يدرك الجميع بأنه الناجي الوحيد من أعضاء الفريق. ويبين وايت بصورة غير مباشرة بأن الانجاز الحقيقي الذي تم، إنما يتمثل في تطور مجتمع سيدني خلال الفترة الزمنية لرحلة فوس.

رشا المالح