مؤلف هذا الكتاب هو الدكتور إبراهيم بوتشيش، الأستاذ بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بمكناس. مؤرخ مغربى شاب له إسهامات مشهودة في حقل التاريخ الاجتماعي مثل (مجتمع الصليبيين في بلاد الشام) و(أثر الإقطاع في تاريخ الأندلس السياسي) و(مباحث في التاريخ الاجتماعي للمغرب والأندلس خلال عصر المرابطين) و(التواصل الحضاري بين عمان وبلاد المغرب..دراسات في مجالات الثقافة والتجارة منذ الفتح الإسلامي لإفريقيا حتى القرن الثامن الهجري) مما أهلته للترشح لجائزة "الملك فيصل" في التاريخ الاقتصادي عام 2003.

يعد هذا العمل نقلة في الكتابة عن تاريخ الشرق الإسلامي، إذ يطرق حقلاً بكراً لم يحظ باهتمام الدارسين من قبل، ألا وهو حقل "الذهنيات"، عالج فيه المؤلف عدداً من القضايا المهمة في مجال الأنروبولوجيا الاجتماعية والثقافية منها طبيعة العلاقات الاجتماعية بين الشرق والغرب والناجمة عن الوجود الأوروبي في بلاد الشام.

ليثبت حقيقة تسامح العرب والمسلمين مع الآخر، ويواجه الحملات الضارية على المسلمين من قبل الغرب حالياً، ويقدم درساً تاريخياً في الحوار الحضارى بين العرب والغرب بخصوص »حوار الثقافات« كبديل لأطروحة هنتنغتون عن "صدام الحضارات".

في البداية يتحدث المؤلف عن مجتمع الصليبيين في بلاد الشام من خلال الرؤية الإسلامية للحروب الصليبية: رؤية الآخر،التعارف والتعايش لقد شكلت الحروب الصليبية فرصة لمجتمعي الشرق الإسلامي والغرب المسيحي لتعميق معرفة بعضهما البعض واكتشاف كل طرف لعادات وتقاليد الآخر.

وإذا كانت آليات التعارف قد اقتصرت قبل ذلك على الرحلات والتجارة، فإن تلك الحروب والتى نتج عنها استقرار الغرب الأوروبي في بلاد الشام وفرت للمسلمين فرصة أكبر لتكوين صورة واضحة عن العالم الغربى.

وعموماً فإن المجتمع الصليبي في بلاد الشام كان مكوناً من فئتين: فئة الإفرنج البلديين وهم الذين وفدوا على بلاد المشرق الإسلامى ضمن الموجة الأولى من الصليبيين واستقروا مع المسلمين وتعايشوا معهم جنباً إلى جنب. وفئة الوافدين الجدد من الصليبين والذين جاءوا في فترات متأخرة.

وقد كان العرب أكثر انسجاماً مع الفئة الأولى عن تلك الثانية وذلك لتعصب تلك الثانية وسوء تعاملها مع العرب..ويسلط الكتاب الضوء على تلك الفترة مستعرضاً نظام القضاء والشكاوى لدى الصليبيين وخططهم العسكرية وتكتيكاتهم الحربية ولغاتهم المتعددة وأطعمتهم المفضلة وعلاقاتهم العلمية مع العرب والعادات الاجتماعية الإفرنجية وكذلك النواحى الدينية والروحية لدى المسيحيين مسلطاً الضوء على دور البابا وأهميته الروحية لدى العالم المسيحى.

ثم ينتقل المؤلف إلى تناول دور المرأة الأوروبية في المجتمع الصليبي ببلاد الشام كما وردت في الأدبيات التاريخية الإسلامية، مشيراً إلى أوجه القصور في هذا التناول مثل الحديث عن المرأة الإفرنجية المنتمية إلى الشرائح الأرستقراطية (الأميرات- نساء قادة الجيوش والفرسان)، متجاهلين إلى حد كبير دور المرأة العادية كما أن هناك قصوراً حول عدد النساء في الجيوش الصليبية، كذلك عدد النساء المقيمات ببلاد الشام.

ويتحدث المؤلف عن دور المرأة الإفرنجية في المجال السياسى حيث وصل بعضهن إلى قمة الهرم السياسى وتربعن على عرش بعض الممالك الصليبية (بيت المقدس ـ أنطاكية ـ الرها ــ طرابلس) وقد انتزعن الحكم من بعض الرجال، وكن وصيات على بعض الأمراء القاصرين، مثل الأميرة "ميليسند" والتى ورثت عرش أبيها »الملك بدوان الثانى« فحكمت إمارة بيت المقدس عام 1131م .

كذلك الأميرة "سبيلا" والتى تولت الحكم بعد وفاة أبيها "الملك بدوان الرابع"، والأميرة »أليكس« زوجة "بهمند الثانى" حاكم أنطاكية والتي رفضت دورها كوصية على الأميرة الصغيرة "كونتستانس" واستولت على الحكم.

ويتطرق المؤلف إلى دور المرأة الإفرنجية في المجال العسكري، حيث شاركت كجندية ومقاتلة، كما ساهمت في نقل المواد التموينية، ورفع الروح المعنوية للجنود، ورعاية المصابين.

وفي هذا الصدد يتناول الكاتب دور "الملكة مارى" زوجة "الملك لويس التاسع عشر" إبان الحملة الصليبية على مصر، حيث أسند إليها زوجها مهمة تسيير شؤون مدينة دمياط والدفاع عنها، وبعد وقوعه في الأسر تحملت المسؤولية العسكرية كاملة وأدتها بمقدرة كبيرة، وتولت مهمة إدارة مفاوضات إطلاق سراحه ودفع الدية عنه.

وعلى المستوى الاجتماعي والأخلاقى لم يخف الكثير من المؤرخين المسلمين إمتعاضهم من المرأة الأوروبية في هذا الصدد إذ كانت لهم ملاحظات حول الميوعة الأخلاقية والحرية الجنسية بما يتنا في مع العادات والتفاليد العربية والإسلامية، وإن كانت بعض المصادر تشير إلى حدوث بعض حالات الزواج بين رجال مسلمين ونساء صليبيات بما يعكس حالة من التسامح والتعايش السلمي والاجتماعي رغم تأجج نيران الحروب.

وبذلك يمكن القول أن المرأة الإفرنجية كانت وسيلة من وسائل خلق مجتمع متجانس و سبباً في تعايش حضارتين متباينتين. ثم يتعرض الكتاب لعادات وعقليات مجتمع بلاد الشام من خلال استعراضه لرحلة الرحالة المغربي الشاب "ابن بطوطة" (عبدالله بن محمد بن إبراهيم اللواتى الطنجى ــ المولود في طنجه في 17 من رجب عام 703هـ) والتي بدأت عام 725هـ.

وقد كان »ابن بطوطة« منهجياً في ترتيب معلوماته وتسجيل مشاهداته، فكلما دخل مدينة من المدن الشامية كان يبدأ بوصف زراعتها ومياهها والطرق المؤدبة إليها، ثم يتحدث عن حكام تلك الإمارات ومظاهر حكمهم، ثم يسرد بعد ذلك مشاهداته عن عقلياتهم وعاداتهم، ثم ينتقل إلى وصف المدينة التي تليها، وذلك بأسلوب سهل وبسيط.

وقد أكدت الدراسات المقارنة التي أجريت على تلك المشاهدات بانها على مستوى كبير جدًا من الأمانة العلمية ومن ضمن تلك المشاهدات كانت عادات الكرم والضيافة، وعادات الأطعمة والملبس، وعادات الزواج وإقامة المواسم، وعادات شهر رمضان والمناسبات الدينية الأخرى (عادة اجتماع المصلين بالجامع الأموي لقراءة القرآن عقب كل صلاة صبح ــ الخروج يوم عرفة بعد أداء صلاة العصر فيقفون بصحون المساجد حتى مغيب الشمس) وعادات الجزاء والعقوبة(مثل عادة الطواف على الحمار والضرب بالسوط لمن تمت إدانته من قبل القاضي)، والأمراض والتقاليد الجنائزية وفيها أسهب في شرح وباء الطاعون الذي أصاب المدن الشامية وحصد آلاف الأرواح.

وفي إطار حديثه عن العقليات السائدة في المجتمع الشامى تركيزه على المعتقدات الشعبية، مثل اعتقاد أهالي بيت المقدس بأن الثنية الموجودة في حافة الوادى المعروف بوادى جهنم شرقي مدينة القدس هى مصعد النبي عيسى عليه السلام، وأن الأقدام التي ينسب إليها مسجد الأقدام بدمشق- وهى أقدام منقوشة على حجر- هي قدم موسى عليه السلام.

كذلك اعتقاد أهل منطقة جبل قاسيون شمال دمشق بأن أحد البيوت الموجودة هناك كان مصلى الخضر علية السلام. كذلك عادة الاعتقاد ببركة الأولياء والتبرك بزيارة قبورهم، حيث يوجد بمدينة الخليل قبور الأنبياء إبراهيم وإسحاق ويعقوب ولوط ويونس عليهم جميعاً السلام، وبمدينة طبرية توجد قبور الأنبياء شعيب وسليمان، و في وسط الجامع الأموي بدمشق يوجد قبر النبي زكريا.

وبشكل عام فإن رحلة "ابن بطوطة" تلقى أضواءً مبهرة على جوانب هامة مطموسة من تاريخ عقليات أهل الشام، خاصة إذا تم وضعها تحت مجهر الفحص والنقد، وبذلك تصبح نصاً مفيداً- لا للمؤرخين فحسب- بل لعلماء السوسيولوجى والأنثروبولوجى والآثار.

ثم يتناول الكتاب أثر الفتوحات الأموية في الصلات الحضارية بين الجزيرة العربية وشبه القارة الهندية وما حدث من انصهار اجتماعي وتولد عادات مشتركة حيث يطرح المؤلف تساؤلاً حول انفتاحهما على بعض خلال العصر الأموي، وهل كان ذلك حتميةً تاريخيةً أم لا؟

ويجيب المؤلف عن ذلك من خلال تقديمه لأربع مقاربات تؤكد بالإيجاب على تساؤله، وتلك المقاربات هى:المقاربة التاريخية والمقاربة الدينية والمقاربة البيئية والاستراتيجية والمقاربة الاقتصادية.

وبشكل عام يؤكد الكاتب على متانة وقدم العلاقات بين أهل الجزيرة العربية وأهل شبه القارة الهندية، والتى ازدادت رسوخاً وتبلوراً مع الفتوحات الأموية التي دعمت كل الجوانب الحضارية لأنها لم تكن عدوانية الطابع، بل اتسمت بروح التعايش والتسامح والتحضر، فكانت خيراً على المنطقتين معاً ، وأثرت إيجابياً على تطورهما التاريخي.

ولتأكيد رؤية المؤلف عن فكرة تعايش الشعوب واحترام تنوع الهويات الثقافية، وخلق مناخ من السلام والتفاهم بين مختاف الحضارات الإنسانية، يقدم الكاتب "رسائل النور" والتي أبدعها المفكر التركي "بديع الزمان سعيد النورسى" والتي تعتبر أداة يمكن استثمارها في الوقت الراهن لحل الأزمات النفسية التي تعصف بالعالم.

وفي هذا الإطار يركز المؤلف على مفهوم الحوار الحضاري في رسائل النور، ويحدد المنطلقات الروحية لحوار الحضارات وتعايش الهويات الثقافية ( المنطلق الإيماني ــ القيم الأخلاقية والروحية)، وأسس الحوار بين الحضارات والتعايش بين الشعوب (رفض نزعة الاستعلاء الحضاري واحترام مبدأ تعدد الثقافات- التسامح ونبذ العنف والكراهية) والتركيز على دور العلم كعامل موحد لثقافات الشعوب.

حيث تطرح رسائل النور علاقة العلم بحوار الحضارات وإشاعة السلام من خلال فكرتين: الفكرة الأولى هى أن العلم يشكل بديلاً للقوة التي تقوم عليها فكرة "صدام الحضارات"، أما الفكرة الثانية حول ما تراه رسائل النور من دور للعلم في تعايش الثقافات، فتقوم على أن غاية العلم هو السعادة الإنسانية، علماً بأن السعادة هي القاسم المشترك بين جميع شعوب الأرض.

ومن ثم يصبح الهدف الذي يسعى إليه العلم هو التوافق والتلاؤم بين الشعوب لتحقيق السعادة البشرية غير أن سعيد النورسى يربط بين سعادة العالم التي تحصل عن طريق العلم بالإيمان، لأن العلم الذي يؤدى إلى سعادة الإنسانية يوصل حتماً إلى معرفة الخالق، ومع معرفة الخالق، يخضع الإنسان لنظامه العادل، هذا النظام الذي يجب أن يغلف السلام العالمي والحوار بين الحضارات.

الكتاب: بين أخلاقيات العرب وذهنيات الغرب

الناشر: رؤية للنشر ــ القاهرة 2005

الصفحات: 222 صفحة من القطع المتوسط