ما يتفق عليه المساهمون في معرض الإجابة على مثل هذه الأسئلة هو أن التاريخ الرسمي للتحليل النفساني قد أصبح موضوع تشكيك به بفعل العديد من الاكتشافات في الميدان الطبي عامة والطب النفسي بشكل خاص. كذلك يتم الاتفاق أيضاً على رفض التحليل النفساني باعتباره «مشرباً فلسفياً»..

كما أن عدد مؤيدي الأطروحات الفرويدية في «سقوط حر».. ثم إن عدداً من المساهمين في هذا الكتاب يعتبرون أن «رواج» الفكر الفرويدي في فرنسا يعود بالدرجة الأولى إلى كون أولئك الذين قادوا أو انضووا تحت لواء ما يسمى بـ «ثورة الطلبة» في فرنسا عام 1968، إنما رأوا في «الفرويدية» مصدراً لـ «هواء الحرية».. وبالتالي «أصبح المتمردون السابقون هم حماة المعبد اليوم، وذلك من باب حرصهم على موقعهم المسيطر في الجامعات والمستشفيات ووسائل الإعلام» كما يكتب أحد المساهمين بالكتاب.

فهل ينبغي إلقاء التحليل النفساني في سلة المهملات؟

الإجابة الواضحة والصريحة التي يقدمها المساهمون في هذا العمل هي «نعم». لماذا؟. إن الأسباب المقدمة تتراوح بين القول بأنه، أي التحليل النفساني، غير علمي، وحتى التأكيد على خطورته ومروراً بكلفته الباهضة وسطحيته وافتقاده لأي تجديد حقيقي. هذا ولا يتردد المساهمون في الكتاب بتأكيدهم أن فرويد لم يقدم جديداً وإنما كان مجرد «منتحل» وإنما «منتحل موهوب».

بل ولم يتردد البعض في أن يحمل التحليل النفساني «قتل» الكثيرين. إذ ليست صدفة أن يتم اختيار عنوان هذا «الكتاب الأسود للتحليل النفساني» بعد سلسلة من الكتب بدأت عناوينها ب«الكتاب الأسود»، مثل الكتاب الأسود للشيوعية و«الكتاب الأسود للنازية»، و«الكتاب الأسود للاستعمار».

هذا يعني بوضوح وضع التحليل النفساني وجميع الإرث الفرويدي على مستوى «آفات القرن العشرين» نفسه.

هذا الكتاب هو إذن مرافعة من أكثر من ثمانمئة صفحة للبرهان على «مدى الضرر» الذي ألحقته التقنيات وسبل العلاج والفكر الذي أنتجه فرويد والذين ساروا على خطاه من بعده. هكذا نقّب البعض في تفاصيل مسيرة فرويد «العلمي» بل وحتى في مسيرة حياته الشخصية.

ويتم الحديث في هذا السياق عن «تسويات» قام بها مؤسس التحليل النفساني في هذه القضية أو تلك دون أن يولي «الحقيقة» أي اهتمام جدّي. وذلك مثل قضية «آنا» والتي لم يصل إلى شفائها أبداً، رغم تأكيداته المعاكسة.

ومن الملاحظ أن هذا الكتاب يكتفي في الواقع بتوجيه الاتهامات، كل أشكال الاتهامات، للتحليل النفساني ولسيغموند فرويد ولمريديه ولورثته.. لكنه لا يقدم أي بديل للتحليل النفساني ، إلا ربما بالتأكيد على أهمية مشارب أخرى تنتمي إلى عالم النفس الإنسانية مثل الطب النفسي والبحث الاثني ـ الاجتماعي.

من جهة أخرى، إن الاتهام الموجّه ضد «فرويد» بأنه لم يكن مبدعاً وإنما هو مجرد «سارق» لأفكار الآخرين، إنما يحمل «أي الاتهام» تقليلاً لقيمة أفكار هؤلاء الآخرين الذين يتم ذكر أسمائهم وهم ليسوا أقل من أفلاطون وشوبنهاور وغيرهما.. ذلك أن أفكارهم «لا تساوي شيئاً». ثم إنه ليس من السهولة قبول فكرة أن فرويد كان مجرد «طامع» لجميع الثروات إذ إنه،

وكما يتم تقديمه بأكثر من مناسبة في هذا الكتاب عندما أدرك بأن طريقته في العلاج النفساني ستدر عليه أموالاً كثيرة بعد أن أصبح شهيراً، قام باستبعاد جميع منافسيه أو استخدامهم للحصول على مآربه. وإذا لم يكن من المنطقي القول بأن هذا الكتاب لا يحتوي أية حقائق.. فإنه قد يكون من الصحيح القول بأن أحكامه تحمل الكثير من المغالاة، ومن الأحكام المسبقة. بل وأحياناً من «الخلط».

يبقى القاسم المشترك بين جميع مساهمات هذا «الكتاب الأسود للتحليل النفساني»، هو الإجماع على إدانة فرويد.. ولو أدى ذلك إلى رفض مقولات أكدها العديد من الباحثين والعلماء النفسانيين غيره، هكذا تتأسس مساهمة ثوبي ناثان على نفي أي بعد كوني ـ يونيفرسال ـ لمفهوم «عقدة أوديب».

كما أن مساهمة «جان كوترو» تركز على تغيير سلوك المرضى من أجل أقلمته مع المحيط الذي يعيشون فيه.

تجدر الإشارة إلى أن هذين الرأين ينضويان في إطار الحملة «الانكلوسكسونية» ضد التحليل النفساني «المطرود» هناك من المشهد الطبي النفسي.

ولعله من المفيد في هذا الإطار الإشارة إلى بعض التفسيرات الأساسية التي تقدمها التيارات الحالية المناهضة للتحليل النفساني، لسلوك البشر، فهكذا يتم مثلاً إرجاع عقدة الدونية (الإحساس بالنقص) والإحساس بالذنب والإحساس بالضيق إلى نوع من «عدم التأقلم» مع المحيط الذي يعيش البشر فيه، بالطبع يتعارض مثل هذا التفسير مع المقولات الفرويدية «المتزمتة» التي ترى بأن عالم «اللاوعي» يرتبط بشبكة من «الإشارات والرموز» التي ينبغي فكها بما في ذلك الأحلام الليلية والتهويمات والذكريات.

ولعل النقد الأكثر دقة الذي يوجهه المساهمون في هذا الكتاب يتمثل في تفنيد مزاعم الفرويدية بأنها تمتلك حقائق لا يمكن أن يتوصل إليها إلا أولئك الذين يلجأون إلى التحليل النفساني، وذلك على أساس أن فهم الذات وفهم الآخرين يشكل هدفه الأول، و«الأخير»، هذا إلى جانب محاولة حل «الألغاز» المتعلقة بمختلف مظاهر المرض النفسي من حالة العصاب وانفصام الشخصية إلى نوبات الهستيريا.

وفي مواجهة فكرة «وظيفة الأب» التي دافع عنها فرويد بقوة واقتفى أثره بحماس أكبر تلاميذه جاك لاكان، وذلك على أساس أن نفي هذه «الوظيفة» إنما يشكل الطريق الملكي نحو الاضطرابات النفسية، يكتب «جان كوترو» معترضاً: «إن السمة التي عفا عليها الزمن لمثل هذا المفهوم المتعلق بسلطة الأب لم تعد صالحة لمواجهة مشاكل عصرنا».

لا شك أن مثل هذا الرأي يمثل، بطريقة أو بأخرى، صدى لواقع «تفكك» الروابط الأسرية في المجتمعات الغربية وتعاظم عدد الأسر التي تعيش في كنف أحد الأهلين فقط، وفي أحيان كثيرة في كنف «الأمهات العازبات».

وكتاب مرافعة ضد فرويد ونظرياته في التحليل النفسي بعد التعرض سابقاً لهجومات الكنيسة بتهمة «تدمير الطفولة والبراءة»، فهل تكون «الضربة القاضية» ونهاية فرويد «الكذّاب» و«المحتال»؟!

الكتاب: الكتاب الأسود للتحليل النفساني

الناشر: ليزارين ـ باريس 2005

الصفحات: 830 صفحة من القطع المتوسط

LE LIVRE NOIR DE LA PSYCHANALYSE

CATHERINE MAYER ET.

LES ARENES - PARIS 2005

P. 830