في احتفال رسمي أقيم في لندن مساء يوم 10 أكتوبر الماضي أعلن عن فوز الروائي الأيرلندي «جون بانفيل» بجائزة بوكر الأدبية البريطانية البالغة قيمتها 50 ألف جنيه استرليني عن روايته الرابعة عشرة «البحر» بفوزها بهذه الجائزة الرفيعة تكون هذه الرواية،
قد حققت انتصاراً كاسحاً في المنافسة التي تصدرتها أصوات روائية قوية لها وزنها على مستوى المشهد الروائي البريطاني وكذلك المشهد الروائي العالمي منها، جوليان بارنز، الذي قدم رواية «جورج آرثر» وكازو إيشيجورو الذي شارك برواية «لا تتركيني ابداً»، وزادي سميث التي قدمت رواية «عن الجمال» وآلي سميث التي شاركت برواية «المصادفة».
حصول بانفيل على الجائزة لم يكن سهلاً بالنظر إلى اتساع نطاق الجدل الذي أثارته روايته والذي استمر فترة من الوقت بين أعضاء هيئة التحكيم الذين ترأسهم في هذه الدورة، جون ساذرلاند، والذين توزعت اختياراتهم بين كل من بارنز وإيشيجورو وزادي سميث.
وكما جاء في تصريح ساذرلاند فإن اختياره أتى في أعقاب ما أعلن من اتفاق على أن رواية بانفيلد استحقت الجائزة بوصفها بحثاً استثنائياً يلقي الضوء على موضوعات مهمة كالفقد، والذاكرة، والحب بالإضافة إلى موضوعات تشكل هاجساً حقيقياً في هذه المرحلة كالهوية واللغة. بالنسبة لبانفيل تأتي رواية «البحر» ضمن مشاركته للمرة الثانية في جائزة بوكر الأدبية حيث سبق له المشاركة برواية «كتاب الأدلة» التي أقصتها عن الفوز رواية إيشيجورو «بقايا النهار». في حين يأتي فوزه في هذه الدورة ليسجل انتظاراً دام ثلاثة عقود.
ولعل لهذا الانتظار ما يبرره حيث تحظى هذه الجائزة التي تأسست في سنة 1969 وفاز بها العديد من روائيي دول الكومنولث بالإضافة إلى أميركا بأهمية خاصة بالنظر إلى كونها إحدى أرفع الجوائز الأدبية على مستوى العالم. في رواية «البحر» يلتقي القارئ بطل بانفيل، ماكس موردن، وهو مؤرخ فني في منتصف العمر، يقف على مفترق طرق بعد موت زوجته بالسرطان. عندما يعود موردن إلى قرية باليلس التي تعود على أن يمضي فيها طفولته سابقاً تحاصره ذكريات تلك الطفولة.
في تلك المرحلة كانت تربطه علاقة غريبة بعائلة غريس، الثرية التي كان أفرادها قد تعودوا على قضاء إجازاتهم في منزلهم الخاص في فرنسا. في إحدى المرات يقع موردن، وهو صبي فقير، للمرة الأولى في غرام السيدة غريس ليتبع ذلك بعلاقة ثانية مع ابنتها، كلوي، وابنها الشقيق التوأم الذي يحجم عن التعليق على ما كان يحدث. غير أن ذلك الصيف الذي يشهد تحولاً في رغبته ويخرجه من إطار حياته كطفل بريء يصبح فيما بعد مقروناً بأحداث مؤلمة أكثرها وقعاً في نفسه تراجيديا الفقد التي يروح ضحية لها كل من أحبهم.
في رواية « البحر» يتحرك السرد الروائي على مستويين يسيران في خط متواز، ذاكرة الفقد الأولى وذاكرة الفقد الثانية، حيث يرتكز المستوى الأول على البوح، وهنا يفشي موردن أسرار علاقته بآل غريس الأمر الذي يضطره إلى اللجوء للذاكرة الأولى الأبعد زمنياً التي تعود به إلى مرحلة الطفولة لكي يبدو للقارئ كمن يرتدي ثوب الضحية والمتهم في الوقت ذاته.
وفي المستوى الثاني يرتكز السرد على استرجاع الذاكرة الأقرب زمنياً حيث يغوص في ذاكرة الفقد الثانية، فقده لزوجته، العلاج الكيميائي وأيامها الأخيرة في الحياة التي تتجسد من خلالها صورة العذاب المعاناة.
قلما يعتمد بانفيل على شيء آخر أكثر من اعتماده على ذكائه اللغوي، الذي يسعفه عندما يريد التعبير عن حياة الآخرين ومعاناتهم وحتى إطراء عناصر الأصالة والزيف في شخصياتهم وسلوكهم. بين حياة بطله العائلية وعلاقاته في مرحلة الطفولة وحياته الزوجية تتنقل اللغة بشاعرية وضبابية وإثارة.
ومن مكان ما تنطلق لكي «تفوح رائحة الحليب متكتمة باردة كثيفة» وفي مكان آخر يشم القارئ «الرائحة المنبعثة من أكوام الألحفة الدافئة، الرطبة»، وحينما يصف موردن ابنته بلغة مزغبة موشاة بغيمة من الأسى مشحونة بمشاعر الغضب والثمالة «إنها طويلة القامة ومتخشبة كالأموات، شعرها الصدئ الخشن يبرز ناتئاً حول وجهها المنمش» يستشعر الخشونة.
إن لغة بانفيل هي ما يشد القارئ إلى رواية « البحر» وهي التي أشاد بها العديد من النقاد فور صدور الرواية. يقول بيتر. جي. كونرادي من صحيفة «الإندبندنت» في معرض إشادته بمؤلفها بانفيل «إنني أعتبره كاتب الكتاب غرين الجديد، الذي يمكنه أن يسحر الآخرين بلغته الشاعرية التي تعينه على وصف الناس والأماكن. إنه يتلذذ باللغة ويريدها أن تعمل معه من جديد».
فيما قال، فين فوردهام، من صحيفة «الغارديان» إن بانفيل على الرغم من اعتباره أسلوبياً «إلا أنني أنظر إليه بشكل أكبر باعتباره شبيهاً بمن يتكلم من بطنه. إن الأسلوبي هو ذلك الذي ينتج العديد من التعابير والأشكال. في حين أن بانفيل يعمل في منظور ضيق، لكي يحيي سلسلة من المونولوجات الداخلية التي تكتسي من خلالها دماه الداخلية الميتة بثوب الحياة».
في الوقت الذي لم يتردد آخرون في الإدعاء بأنه الوريث الشرعي لنابوكوف، ومن هؤلاء الروائي، بيور فيشر، الذي ذهب إلى القول «إن بإمكان القارئ أن يستشعر في رواية بانفيل نبرة كل من جويس وبيكيت ونابوكوف». وفي تصريح آخر في «صنداي تليغراف» ورد على لسان فيشر قوله « أن رواية بانفيل تحتوي في الجزء الأكبر منها على تلك اللغة الجميلة الاستثنائية إلا أنها لا تحتوي على الكثير مما يربطها بعالم الرواية».
رغم أن بدايات هذا المؤلف ترتبط بسلسلة من روايات الخيال العلمي التي تتضمن «كوبرنيكوس» 1976، «كيبلر» 1981 و«نيوتون» إلا أن شهرته كروائي كانت قد بدأت بنشره رواية « كتاب الأدلة» 1989 الجزء الأول من ثلاثية أخرى تتضمن «أشباح» 1993 و«أثينا».
تدور أحداث رواية «كتاب الأدلة» أول مساهمة له في جائزة بوكر، حول قصة فريدي مونتغمري المجرم المحب للجمال التي يحاكم على خلفية جريمة قتل مروعة تروح ضحيتها خادمة تسبب في إحباط محاولته سرقة إحدى اللوحات الفنية. هنا يثير بانفيل الانتباه إلى بطله الذي يظهر تعاطفاً شديداً مع اللوحة دون أن يظهر عليه أي تأثر ناجم عن ارتكابه جريمة قتل نفس إنسانية.
أما رواية «الأشباح » فيختفي فيها مونتغمري في إحدى القرى البعيدة في أعقاب إطلاق سراحه من السجن حيث يتسنى له التعرف على مؤرخ فني ويجمع بينهما حب الاثنين للأعمال الفنية خاصة أعمال الفنان جون فولبين. بينما يلقى عليه القبض في رواية أثينا بعد أن يضبط متلبساً بمحاولة تزوير لوحات فنية.
من أعمال بانفيل المهمة رواية «المنبوذ» 1967، التي تعالج إشكالية الهوية. من هو الأيرلندي؟ بالنسبة لبانفيل هو ذلك الإنسان المحطم كما يجسده بطله فيكتور ماسكيل، وبالنسبة له هو الشخصية التي ارتبطت في أذهان الأوروبيين بالتقليدية، أما في روايته هذه فهي مؤسسة على شخصية واقعية هي أنتوني بلنت، الذي كان يعمل بوظيفة مدير متحف للفن ثم كشف عنه لا حقاً أثناء عمله في خلية جواسيس كامبردج.
إن ما يمكن إضافته هنا هو أن أحداً لا يمكنه الوقوف على حدود موهبة بانفيل التي تمكنه من رسم شخصياته. فهو رائع إلى حد الوحشية في وصفها، مولع بتلك الفانتازيا القوطية الساخرة كهذه التي يرسم من خلالها صورة للكولونيل الزائف «على الرغم من قدرته الفائقة على إخفاء لكنته البلفاستية إلا أن القليل منها يتسرب أحياناً، كما يتسرب الهواء من محبسه». الشيء ذاته يقال عن موهبته في رسم الكائنات الأخرى ومنها الحيوانات، هذه الأفيال، على سبيل المثال «رغم أنها كئيبة في سلوكها، في الأساس، إلا أنها تبدو مبتهجة على الرغم من ذلك».
وكذلك يبدو بانفيل، مثلما يصفه نقاده، محلقاً في فضاء اللغة، الزمان، والذاكرة، متجاوزاً حدود ما يقال بأنه الواقعية السحرية في روايته إلى حدود ما يعرف بما بعد الحداثة الروائية. في هذه الفضاءات تتحرك شخصياته بين عزلتها الأبدية وتناصها مع الآخر. فهي في واقع الأمر الإفراز الحقيقي لفلسفة تعني بهذا المفهوم الذي يجسد نوعاً من الصراع الذي تعيشه والذي يعني بانفيل بإيصاله حرفياً على أنه صراع الهوية والبحث عن المعنى.
ضد التيار
يوم المد الغريب، أفرغوا الخليج من البضائع. كانت مياهه التي أمضت نهاراً كاملاً تحت السماء الداكنة قد بدأت بالارتفاع شيئاً فشيئاً، مرسلة الأمواج الضعيفة الزاحفة صوب الرمال الطامئة التي لم يبللها المطر منذ سنوات إلى ارتفاع غير مسبوق لكي تحتضن الكثبان. كان يخيل إلى أن هيكل سفينة الشحن الصدئ الجانح إلى مسافة أبعد مما يمكن لأحدنا أن يتصورها قد فهم ما حدث على أنه الرسالة المطمئنة بأنه سيعاد إلى جوف الماء.
لم أعد قادراً على السباحة بعد ما حدث في ذلك اليوم. أما طيور البحر فقد بكت كما يبكي الأطفال ثم أخذت تفتش في الماء بارتباك، كانت تبدو لمن يشاهد ذلك الحوض المترامي الأطراف كالبثور الناتئة. كانت بيضاء ناصعة على نحو لم يسبق لنا مشاهدته من قبل. وكانت الأمواج قد بدأت بترسيب شراريب من الزبد الأصفر المتصلب لكي يطفو على السطح. وعلى الرغم من أن منظر الأفق لم يشوهه في ذلك اليوم شراع خاطف. إلا أنني بعدما حدث لم أعد قادراً على السباحة.
المهم أن أحدهم داس على قبري، وقد حدث هذا للتو. بالتأكيد كان أحدهم قد داس على قبري.
مقتطف من رواية «البحر»
الكتاب: البحر
الناشر: دار بيكادور ـ لندن 2005
الصفحات: 200 صفحة من القطع الكبير
The Sea
John Banville
Picador - London 2005
P. 200