مؤلف كتاب »غرائب التنبيهات على عجائب التشبيهات« هو »علي بن ظافر الأزدي المصري« المولود سنة 567 هجرية، في عصر كانت القوى الإسلامية تتجمع فيه لملاقاة الصليبيين، وفي بيئة يسودها الحماس الديني وتشتعل بنار الرغبة في الجهاد، ويخيم عليها قتام الحرب والقتال، قرأ »ابن ظافر« على والده الأصول وتفقه على يديه، وكان والده يدرّس بالمدرسة المالكية بمصر، وقد تثقف إضافة لذلك بالأدب وعلوم اللسان العربي والتاريخ، وهكذا تجمعت له أسباب ثقافية من علوم إنسانية ولسانية ودراسات إسلامية، أهلته لشغل منصب الأستاذية، حيث درّس بالمدرسة المالكية بمصر بعد أبيه.

وقد اتصل الكاتب بالسلطان »صلاح الدين« وقدم له كتاب »ذيل المناقب النووية« ثم تنقل في خدمة ملوك الدولة الأيوبية، ولكنه عاد بعد ذلك إلى وطنه ناعم البال، ليقضي ما بقي من عمره متحرراً من قيد الخدمة السلطانية ومظاهرها وتكاليفها، التي قد تبهر شاباً في مقتبل حياته ببهرجها، ولكنها تثقل كهلاً قارب الستين من عمره، وهكذا تفرغ »ابن ظافر« للتدريس. ويعيش ما بقي من أيام حياته زاهداً متنسكاً، يدرِّس الحديث وعلوم الدين في المدرسة المالكية، وظل كذلك حتى توفي سنة 623 هجرية.

وهكذا بدأ »علي بن ظافر« حياته أديباً، وختمها رجل دين، وملأ ما بينها من سنين نشاطاً في الأدب والسياسة، يكتب للسلاطين ويقوم على خدمتهم ومسامرتهم، ويتولى لهم بعض الأعمال، لكنه ترك لنا أكثر من عشرة كتب منها: أخبار الملوك السلجوقية، أساس السياسة، أخبار الشجعان، نفائس الذخيرة، مكرمات الكتاب ...

أما كتابه »غرائب التنبيهات على عجائب التشبيهات« فقد تعرض فيه للتشبيه والذي هو فن من فنون التعبير الشعري، أولع به شعراء العرب منذ الجاهلية حتى العصور المتأخرة، وقد تحول الاهتمام بالتشبيه من الرغبة في التعبير بما يقع في دائرة الحس من الأشياء، إلى الرغبة في التشبيه للتشبيه في عصر الحضارة والازدهار، للاستمتاع بالصورة التي يبدعها الشاعر وللإغراب في تقصي وجوه الشبه، والإبداع في خلق العلاقات، وقد بدأ الاهتمام بالتشبيه لهذا الغرض في الشعر العربي، منذ القرن الثالث الهجري، وطوال القرون التالية، وربما كان »ابن المعتز« الشاعر البارز في هذا المجال، وهو الذي اختط لغيره طريق التشبيه للاستمتاع.

يبدأ كتاب »غرائب التنبيهات« بمقدمة وإهداء، يهدي به المؤلف كتابه إلى الملك الأفضل »علي بن صلاح الدين يوسف بن أيوب، ثم يورد قصيدة مديح في »الأفضل«.

يقسم الكتاب إلى ستة أبواب رئيسية، حيث يأتي الباب الأول: في الأجرام العلوية، وينقسم إلى عشرة فصول: في ذكر التشبيه الواقع في الهلال والثريا وفي سائر النجوم، وفي القمر عند انتصافه وكماله، وفي حالاته المختلفة، وفي وصف القمر ووصف صوره على الماء، ثم يعدل إلى ذكر التشبيه المستحسن في ضوء الشمس على الماء، ويعود مرة أخرى للتشبيهات في الثريا، ويخرج إلى التشبيهات في قوس زح والثلج والبرق والغمام.

الباب الثاني: متعلق بمظاهر الطبيعة على الأرض، ويدور في التشبيهات الواقعة في المياه والأنهار والغدران، وينقسم هذا الباب إلى خمسة فصول، الأول فيما قيل في الأنهار، والثاني في الأنهار الهادئة والغدران الساكنة، والثالث في حركة المياه، والرابع في تشبيهات عامة متصلة بالموضوع، والخامس في تشبيه الفوارات وما شابهها.

والباب الثالث في ثلاثة فصول تتعلق بالتشبيهات الواقعة في الأول في الأزهار، بادئاً بالنرجس ثم الورد بألوانه، ويذكر في الفصل الثاني: التشبيه الواقع في الثمار كالتفاح والعنب والخوخ ...، أما الثالث: في سائر النبات كالبطيخ والفستق وسنابل القمح.

الباب الرابع: في الخمريات، وفيه خمسة فصول، الأول: في تشبيه الكأس بعد المزج، والثاني في السواقي، والثالث في الإبريق والكأس والرابع في الشراب الأسود، والخامس في تشبيه ضوء الخمر.

الباب الخامس: في التشبيه الواقع في الغزل، والفصل الأول: في الثغور والشفاه.

أما السادس: فيتحدث المؤلف عن التشبيهات في الطعام والمائدة وما يتصل بهما، والحيوانات كالفرس والغزلان والزرافة والطاووس ثم آلات الحرب كالسيف والترس والدرع والرماح، وما إلى ذلك، وينتهي الكتاب بأبيات وخاتمة نثرية يوجهها »للأفضل« راجياً أن يقع الكتاب عنده موقعاً طيباً.

محمد سطام الفهد