حتى حياته الشخصية لا تعود له، عندما يصبح الشاعر مشهوراً.
لذلك لم تعد حياة نزار قباني (1923ــ1998)، حكراً على دماء عائلية مشتركة، ولربما مرت حياة نزار مثل الملايين تحت ضوء الشمس، ولم يلتفت إليها أحد لولا ديوانه الأول "قالت لي السماء" الذي أحدث زلزلة في القصيدة العربية، ذلك الديوان الذي صدر عام 1944.
ترك لدى كل قارئ انطباعاً مختلفاً تجاه الشعر والشاعر، فإذا كان قد هاجمه البعض كما فعل الشيخ علي الطنطاوي في مجلة الرسالة، فإن البعض الآخر حفظ مطولات منه ودسها في رسالة غرامية إلى حبيبته ليتحول بعدها نزار إلى »الثالث بين كل عاشقين«.
يومها كتب علي طنطاوي مقالاً نقدياً واصفاً "قالت لي السمراء" بأنه كتاب له غلاف يشبه أغلفة علب الشكولاته.
ويومها لم يكن مقالاً نقدياً، بل كان مقالاً دفاعياً عن أسلوب حياة وطريقة عيش ذكورية يحميها الشرق ويمنحها للرجل بالمطلق، لكن نزار قباني فضحها وعراها ووضعها تحت الضوء، فانبرى المهددون للدفاع عنها، قبل أن يستفحل الوضع فيخسرون عضلاتهم في ضرب المرأة، وسلطتهم في سجنها والحجر عليها.
لقد وضع مسلسل "نزار قباني" الذي عرض طيلة شهر رمضان حياة نزار قباني تحت الضوء، وجعل منها حدثاً درامياً خاصة أنها جاءت خلال مرحلة مبكرة من الدولة العربية الحديثة مطلع الأربعينات والخمسينات عندما كان الاستقلال حدثاً مبهجاً وعندما كانت إسرائيل تتشكل، والعرب يشوطون محيطاً وخليجاً نحو أمة واحدة.
كانت تلك المرحلة غنية بأحداثها التاريخية، مليئة بالدراما الاجتماعية، ساعدت على إعطاء حياة نزار قباني بُعداً إضافياً فقد كان الشاعر ابناً لبيئة شرقية بعاداتها وطقوسها، ولكن حياته الدبلوماسية في عدة عواصم خارج دمشق حولته من مجرد موظف رسمي إلى سفير ثقافي، ولطالما استقبله الملوك والرؤساء كشاعر وليس كسفير وقد شابهه في ذلك عمر أبو ريشه الذي احتفت به العواصم شاعراً وليس سفيراً.
آنذاك كان نزار قباني يتشكل كقيمة ثقافية كبيرة ستصبح فيما بعد نقطة فاصلة في الحياة العربية برمتها، ومنذ تلك اللحظة لم تعد حياته ملكاً له..
بل أصبحت ملكاً للجميع، أخباره العاطفية وقصائده الجديدة سارتا معاً على درب واحد نحو الملايين، ولكأنه الشاعر العربي الوحيد الذي لديه ما يزيد على عشرة ملايين قارئ.
في تلك المرحلة المبكرة عندما يصبح المرء نجماً يحمل قيمة تاريخية، فلم يكن مفهوم النجومية سهلاً كما يحدث الآن حيث آلاف النجوم ببريق خافت ولمعة كاذبة.
نجومية نزار كانت تحميها موهبة عالية برهنت السنوات اللاحقة أنها الموهبة التي وضعته على خارطة الشعر كأبرز أعلامه.
لم يكن نزار شخصاً عادياً ولم تكن حياته ملكاً شخصياً، لذلك كان يستحق عملاً درامياً بحجم مسلسل من ثلاثين حلقة.
ولأنها لم تكن كذلك، فقد احتل محبوه مساحة من قلبه الكبير، ذلك القلب الذي اعتل ذات يوم فسارعت غادة السمان إلى الاحتفاظ برسم تخطيطي طبي لقلب نزار.
هل كان ذلك الرسم يشبه قصيدة.. أجزم أنه أكثر من ذلك، فالقلوب العاشقة تتنفس شعراً.
*** حسين درويش
hussain@albayan.ae