عبد عون الروضان، باحث أردني، صدر له مؤلفات عديدة منها موسوعة القبائل العربية، وموسوعة عشائر العراق في جزأين وموسوعة تاريخ العرب في جزأين، ويأتي كتابه «الشعراء العرب في القرن العشرين»: حياتهم، شعرهم، آثارهم إضافة جديدة إلى عمله الموسوعي الذي يحاول فيه أن يرصد ويوثق لأهم الأسماء في الحركة الشعرية العربية خلال قرن كامل،

حيث يلتقي هذا العمل مع غيره من أعمال التوثيق التي ظهرت في السنوات القليلة الماضية، في ميادين الشعر والأدب والسياسة والفنون، وكان كثير منها ذا طابع «مناسباتي»، يحاول ادعاء التأريخ والتوثيق لأهم الأعلام الذين ظهروا خلال القرن الماضي. على أهمية مثل هكذا عمل،

فإن الباحث يكتفي بمقدمة لا تتجاوز أربع صفحات، يشير في بدايتها إلى صعوبة الكتابة عن الشعراء العرب على امتداد مساحة زمنية هي قرن بكامله، خاصة إذا كان هذا القرن هو القرن العشرين، الذي توفرت فيه وسائل الطباعة والنشر والتوزيع، بصورة أصبح معها من المتيسر قيام أي شاعر بطبع مجموعة شعرية وتوزيعها، والانتساب إلى نادي الشعر، الأمر الذي يزيد من صعوبة الكتابة عن الشعراء العرب في القرن العشرين.

من هنا يرى الباحث أن على كل من يضطلع بعمل كهذا أن يتوخى الحذر والدقة والاختصار، وأن يتناول الشعراء أصحاب التجارب الناضجة، إذ إن هناك كثيراً من الشعراء الذين نشروا قصيدة أو قصيدتين، ثم صمتوا، بالإضافة إلى المئات الذين أصدروا كراسة صغيرة، أسموها مجموعة شعرية، والعشرات الذين أصدروا مجموعة ثم توقفوا ربما لشعورهم بالإحباط، ولذلك يرفض أن يكون هذا العمل مجزرة للشعر العربي، يدخل بين دفتيه سوى المؤمنين بشرف الكلمة، وسمو الشعر.

ويضيف أن أحداً لن يدّعي الكمال، والإحاطة بكل الأسماء الشعرية المهمة لأسباب عديدة، أولها عدم توافر سيّر ذاتية للكثير من الشعراء العرب في الموسوعات والأنطولوجيات التي صدرت في القرن العشرين، وثانيها أن هناك الكثير من الشعراء العرب الزاهدين، الذين لا يهمهم أن يعرفوا أو ينتشروا،

وأمام هذه العوائق يرى ضرورة اعتماد منهجية محددة في تبويب أسماء الشعراء، تتمثل في استخدام الترتيب الهجائي بعيداً عن التقسيمات القطرية، أو غيرها أو حتى تكون سهلة التناول من قبل الباحثين والدارسين والقراء، إضافة إلى اعتماد معايير تقتضي تفضيل البعض على البعض الآخر، نظراً لتباين مستويات الشعراء والتجارب سواء من حيث القيمة، أو عمر التجربة، وهو ما ظهر في تقديم أكثر من نموذج شعري بشكل يتناسب مع قيمته، في حين اكتفى بتقديم نموذج واحد للشعراء الجدد.

القضية الأخرى الذي يشير إليها، هي قضية ندرة المراجع والمصادر أولاً ومن ثم قدم بعضها الذي يعود إلى ما قبل ثلاثة عقود، ظهر خلالها جيل أو أجيال من الشعراء، كما أصدر غيرهم مجاميع جديدة، وغاب الكثيرون، ومن أجل تفادي هذا النقص لجأ الباحث إلى الصحف والمجلات والدوريات ومكتبات الأصدقاء، ومكتبات الأرصفة في شارع المتنبي ببغداد،

لكن ذلك كما هو واضح من الأسماء الشعرية الواردة في هذا العمل الموسوعي، لم يحقق الأهداف المتوخاة، كما أشار إلى ذلك، إذ إن هناك العديد من المواقع الأدبية على الشبكة العالمية الإنترنت، كان يمكن الاستعانة بها للتعويض على هذا النقض، وبالتالي تحقق هذه الموسوعة أهدافها في تقديم عمل موسوعي للشعر العربي خلال القرن الماضي.

إن تناول تجربة شعرية في مرحلة زمنية طويلة وهامة، شهدت خلالها تحولات واسعة وأساسية كان يستدعي تناول المسارات التي اتخذتها الشعرية العربية بصورة مكثفة، للتعريف بالإنجازات والإضافات التي قدمتها عبر مراحل مختلفة، والعوامل التي أسهمت في حدوث هذه التحولات الجوهرية لكي يستطيع القارئ أو الباحث معرفة المرجعيات الشعرية، التي تتمثلها هذه التجارب، وتعكس بالتالي موقعها في هذا المشهد الطويل والمتنوع.

يضم هذا العمل تعريفاً بالسيرة الذاتية لخمسمئة وثلاثة وسبعين شاعراً، يمثلون اتجاهات وتيارات مختلفة في الشعرية العربية خلال قرن كامل، وينتمون إلى أقطار عربية مختلفة، حاول الباحث أن يغطيها جميعها، إلا أن ذلك أوقعه في إشكالات، سبق وحذّر منها، أولها: إن أغلب الأسماء المذكورة تنتمي إلى الاتجاه التقليدي في الشعر العربي، لا سيما تلك الأسماء التي تنتمي إلى أقطار المغرب والجزائر وتونس والسعودية وليبيا واليمن.

إذ يتوقف عند بداية عقد الستينات، ما يؤدي إلى إغفال العشرات من الأسماء الجديدة، التي ظهرت خلال أربعة عقود وقد أغنت التجارب العشرية خلال ذلك، وساهمت في توسيع فضاءاتها وتجديد رؤيتها ومنطلقاتها الفكرية والجمالية، بل يمكن القول إن أهم مراحل تاريخ الحركة الشعرية في هذه البلدان كانت هي مرحلة العقود الأربعة الأخيرة من القرن الماضي.

ولا يختلف الأمر مع الشعر السوري المعاصر، فالباحث يتوقف عند الشعراء التقليديين، والشاعرين المعاصرين اللذين يرد ذكرهما، هما الشاعر أدونيس والشاعر مصطفى خضر في حين تغيب أسماء كثيرة لها حضورها الشعري العربي، وكان من السهل الوصول إلى سيرها الذاتية سواء من خلال مواقع اتحاد الكتّاب العرب على الانترنت، أو العمل الببليوغرافي الذي صدر عن الاتحاد في أكثر من جزء،

فالوقوف عند مرحلة نهاية الخمسينات يجعل الباحث أو القارئ، يتوقف في قراءة هذا المشهد عند تلك الحقبة، وهذا يشكل ظلماً حقيقياً لتلك الأسماء في عمل كهذا يدّعي التوثيق لشعراء العربية في قرن، وتبدو المفارقة أكبر عندما نجد الباحث يتوقف في الحديث عن سيرة الشاعر سليمان العيسى عند بداية الخمسينات، وكذلك الأمر بالنسبة للتوثيق للأعمال الشعرية التي صدرت لهؤلاء الشعراء، فالبعض يتوقف عند عمل يعود لأكثر من ربع قرن، أصدر هذا الشاعر خلالها أعمالاً عديدة كانت الأهم في تجربته الشعرية، خصوصاً بالنسبة للشعراء الذين ظهروا في السبعينات والثمانينات.

وقد يطول ذلك حتى الشعراء الأكبر. ولم يلتزم الباحث في عمله بما تحدث عنه بالنسبة للأسماء الشعرية المقدمة، فقد ذكر عشرات الأسماء، التي لم يصدر لها ديوان واحد، أو صدر لها ديوان يتيم، بل حاول أن يشمل في هذا العمل الموسوعي شعراء العامية، وشعراء النبطي كعبدالرحمن الأبنودي، وأحمد فؤاد نجم وعبدالرحمن بن مساعد.

ومن الهنات الأخرى التي يعاني منها هذا العمل ندرة المعلومات التي يقدمها حول بعض الأسماء، فكثيراً ما كان يكتفي بذكر اسم الشاعر واسم البلد الذي ينتمي إليه فقط مع الإشارة إلى عمل أو عملين شعريين صدرا له، والأغرب من ذلك أن كثيراً من الشعراء الذين يرد ذكرهم، هم شعراء متواضعو التجارب والحضور،

وربما دفعت الرغبة بتمثيل جميع الأقطار العربية في هذا العمل إلى مثل هذا الحشد من الأسماء المتواضعة القيمة، وكان شعراء العراق والأردن هم الوحيدون الذين جرى التعريف بهم وبسيرهم الذاتية، وأعمالهم الشعرية، حتى التي صدرت مؤخراً.

اعتمد الباحث كما أشار على ستة عشر مصدراً ومرجعاً، بعضها يعود إلى عقود خلت، وكان من الطبيعي أن ينهض بعمل كهذا باحث متابع للحركة الشعرية في الوطن العربي، وذو خبرة في التجارب الشعرية العربية، لا سيما في النصف الثاني من القرن العشرين، فالباحث أغفل جميع شعراء قصيدة النثر في الوطن العربي، وأغفل العشرات من أصحاب قصيدة التفعيلة،

وقد جعله اعتماده الكلي على هذه المراجع يستفيض تارة بالحديث عن سيرة حياة أحد الشعراء العاديين، في الوقت الذي يوجز فيه بأسطر قليلة سيرة حياة شاعر أكثر أهمية، والغريب أن شعراء الموجة الحداثية في الخليج العربي يغيبون عن هذا العمل أيضاً، باستثناء شاعرين منهم هما سيف الرحبي وحمدة خميس، في وقت وردت فيه أسماء شعراء وشاعرات ما زالوا في بداية تجاربهم الشعرية، ويكتفي أحياناً بذكر اسم الشاعر.

ثم يورد مختارات من شعره دون أن يقدم أية معلومة عنه، وهناك أسماء يشير إلى انتقالها إلى العمل التجاري، ومع ذلك يصنّفها مع الشعراء ويمنحها مساحة مماثلة للمساحة التي منحها لشعراء آخرين شكلوا علامات في مسيرة الحركة الشعرية، وما زال تأثيرهم واضحاً في هذا المشهد، بل إن بعض الأسماء كان شاعر أطفال فقط.

مفيد نجم

الكتاب: الشعراء العرب في القرن العشرين

الناشر: الدار الأهلية للنشرعمّان 2005

الصفحات: 570 صفحة من القطع الكبير