«فاروق من الميلاد إلى الرحيل» الكتاب الثاني في إطار السلسلة التاريخية التي يصدرها مجموعة من المؤرخين المصريين بهدف تصحيح مسيرة الكتابة التاريخية في مصر بعيدا عن أية دوافع سياسية. وتقول المؤلفة د. لطيفة محمد سالم التي سبق لها تقديم كتاب مرجعي عن الملك فاروق إن أهمية هذا الكتاب ترجع إلى انه يتعرض للملك فاروق الذي حكم مصر خمسة عشر عاما عدا الوصاية وهي فترة قصيرة في عمر التاريخ ولكنها أثرت تأثيرا بالغا في تاريخ مصر المعاصر
بالإضافة إلى ان الكتاب يرافق فاروق ويتحسس خطواته ويبحث وراء دوافعه ومكنوناته ويصل إلى نتائج أفعاله لا يغفل صغيرة ولا كبيرة وذلك دون ان يكون منحازا أو مخالفا له اذ اعتمدت تلك الدراسة على مصادر جديدة وحيوية منها كافة الوثائق الانجليزية التي تخص فاروق ومحاضر جلسات البرلمان والدوريات والمراجع. والكتاب مكون من أحد عشر فصلا إضافة إلى خاتمة عن حياته في المنفى وحتى وفاته في 17 مارس 1965
ويتحدث الفصل الأول عن تربية وإعداد فاروق منذ ميلاده في 11 فبراير1920 من الزوجة الثانية للملك فؤاد الملكة نازلي صبري وان اسم فاروق اختير له من بين أسماء سجلت في قائمة تبدأ بحرف الفاء لان والدة فؤاد تدعى فريال ويتحدث الكتاب عن مرحلة الإعداد لفاروق كولي عهد والتي أسهم فيها والده بنصيب الأسد واسند تربيته إلى مربيتين أحداهما ايرلندية والثانية انجليزية والتي وضعته في عزله تامة وقد ايد فؤاد هذا السلوك وشجعه
وكان لذلك الأثر العميق في شخصية الابن انعكس منذ طفولته على بعض من تصرفاته والتي لازمته طوال حياته ووضع فؤاد البرنامج التعليمي لفاروق ونفذه بدقة .
ومما يذكر لفؤاد انه أبدى شغفه بأن تكون للغة العربية المقام اللائق بها وانحصرت حياة فاروق داخل القصر في هذه الدائرة الضيقة . حتى وصل إلى الخامسة عشرة من عمره لا يرى الآخرين سوى من فرض عليه ان يلتقيهم. ومنذ البداية حاولت بريطانيا ان تقصي اي اتجاه لفؤاد فيما يختص بإضفاء الأسلوب الايطالي على تعليم فاروق اذ تعلم كيف نما فؤاد وترعرع في ايطاليا ومن هنا وضع التخطيط بضرورة ان يخضع الأمير الصغير للتعليم الانجليزي وبالفعل وصل فاروق لندن في 8 أكتوبر عام 1935.
وبدأت مرحلة جديدة في حياته ورغم ان أكاديمية لوتس الحربية لم تقبله طالبا أساسيا فيها لصغر سنه إلا أنها سمحت له بزيارتها كعون له في دراساته والتقى فاروق بادوارد امير ويلز وصارا صديقين وبذلك نلمس ان الخطة التي وضعتها السياسة الانجليزية قد نفذت وتمكنت من ان تحتضن ولي العهد وتؤثر فيه وتجعله يذوب في المجتمع الانجليزي ليصبح لديه الانتماء لهذا الوطن وبالتالي يصبح سهل الانقياد سلسا في اتباع المشورة البريطانية .
ولما حضر إلى مصر الملك بطرس ملك يوغوسلافيا هربا من النازيين واستضافه كان معه جهازا إرسال لا يقل ثمنهما عن مئه الف دولار وقبيل سفره للندن تركهما وديعة لديه فاغتصبهما ورفض ردهما وحين علم فاروق ان المليونير انطوان عريضة اشترى يخت هتلر أبدى رغبته في شرائه ورفض صاحبه تقديمه هدية وذهب ليراه واستلقى على سرير النازي ثم امسك بنظارته وعلقها في رقبته وخرج
ولما أعجب بخنجر الأمير سيف الإسلام عبد الله دعاه لمأدبة ملكية وطلب منه خلع حزامه قبل دخوله للغداء وبإيعاز منه يقوم احد رجاله حاشيته بسرقته وبه الخنجر وتعد عملية الاستيلاء على مخلفات رضا بهلوي قمة الرذائل فحينما مات شاه إيران في منفاه بجنوب إفريقيا وقبل فاروق ان يدفن في مصر وأقام لجنازته احتفالا كبيرا وعندما تم نقل الجثمان إلى طهران اكتشفت المسروقات فقد احتفظ بها فاروق وطالبت إيران بها أكثر من مرة فتحجج لهم بأن القصر تعرض لحريق ذهب بها فما كان من الشاه الا أن استسلم للأمر الواقع لأنه كان يعلم طبيعة الملك.
اما عن سنوات حكم فاروق وسياساته الداخلية والخارجية فقد افرد لها الكتاب أكثر من فصل منها علاقته بحزب الوفد وهو حزب الأغلبية في ذلك الوقت فقد فرضت الظروف نفسها لتجمع بين اعتلاء فاروق عرش مصر وتولي الوفد المسؤولية الوزارية في 9 مايو 1936 ووضع الوفد في حسبانه ضرورة إقصاء أي نفوذ للملك على الجيش ولم يكن ذلك نابعا من مبدأ عدم تدخل الجيش في السياسة
وإنما أراد ان يضمه إلى جانبه ويستند اليه ضد اي عمل غير دستوري لفاروق لذا فقد رأت الوزارة ان تغير في قسم الجيش الذي سيقسم به يوم الاحتفال بتولي الملك سلطاته الدستورية بحيث يدخل عليه الطاعة للدستور بجوار الإخلاص للملك وفطن القصر لهذه الخطوة فلم يمكن النحاس من تحقيق رغبته فبعد ان نشرت الصحف في برنامج الاحتفالات ان الجيش سيحلف اليمين بعد انتهاء العرض العسكري عادت
وأذاعت نبأ مؤداه ان هذا اليمين سيرجأ وفشلت خطة الوفد في هذا الصدد الا ان سياسة العداء واصلت طريقها بين الطرفين ووضح ذلك منذ اللحظة الأولى عندما أراد النحاس ان ينبه فاروق إلى الوضع الذي يجب ان يكون عليه فكانت الإشارة في خطاب العرش عقب افتتاح البرلمان بان الله هيأ لمصر ملكا دستوريا، ومع افول عهد الوصاية
وتولي الملك سلطاته الدستورية في 29 يوليو 1937 بدأت مرحلة جديدة من حياه فاروق اراد فيها رئيس الوزراء «النحاس» ان يجعل فاروق ملتزما بمنهجه وان تطبق سياسة الملك يملك ولا يحكم في الوقت وعليه أصبح الطريقان متناقضين لا يلتقيان ابدا وبدأ الصراع منذ اليوم الأول.
ويعدد الكتاب الكثير من المواقف لهذا الصراع حتى أقدم فاروق على اول إقالة لأول وزارة في عهده في 30 ديسمبر 1937 وفاض الأمر الملكي بالعبارات القاسية التي قلبت الأوضاع وأضفت الاوتوقراطيه عليه وأبرزت توغله السافر في السياسة وتحديه البارز لحزب الاغلبية وانتهى الصراع مؤقتا بانتصاره في مطلع عهده مما كان له الاثر البالغ في بلوره شخصيته التي انعكس على تصرفاته
واستمرت المقاطعة بين الطرفين حتى عام 1941 عندما تأزم الموقف بالنسبة لبريطانيا في مصر فكان لابد للمسؤولين البريطانيين من التحرك وكان لقاؤهم حول الاعتماد على زعيم الوفد من هذا المنطلق وضعت السياسة البريطانية في حسبانها ضرورة مساندتها للوفد لإقصاء المتاعب التي تواجهها وفي لقاء جمع السفير البريطاني وأمين عثمان أُثير اقتراح مسألة تشكيل النحاس الوزارة ولكن كانت القضية الأساسية هي رفض فاروق وتصلب موقفه
وكان فاروق يعلم بأبعاد الموقف وخطورته وان التهديد له آت وقريب، وبرغم ذلك تعنت في البداية لتحقيق اكثر من هدف فربما يصادفه النجاح ويبعد الوفد عن الحكم عندما يتكاتف القصر مع باقي الاحزاب فان فشل وجاء الوفد بالقوة فلهذا انعكاساته على شعبية الحزب خاصة وموقف المصريين امة ولم يتمكن من المضي في ذلك الاتجاه اذ سرعان ما هددته القوة البريطانية في حادث 4 فبراير1942
وفرضت عليه الوزارة الوفدية وتعددت الآراء واختلفت حول ما اذا كان هذا الإجراء التعسفي قد تم بمعرفة النحاس والاتفاق معه ام لا الا ان الواقع اثبت من خلال المراسلات البريطانية الرسمية ان أمين عثمان قام بدور في تصوير الأبعاد المحتملة للتدخل البريطاني لمسؤولي الوفد وبالتالي فالتفاهم كان قائما بين لامسون «السفير البريطاني» والنحاس.
وخصص الكتاب فصلا مستقلا عن سقوط حكم فاروق بقيام ثورة 23 يوليو 1952 أشارت فيه المؤلفة إلى ان الأحداث بدأت تتوالى سريعا منذ مساء 22 يوليو 1952 في وقت لم يقدر فيه فاروق خطورة الموقف في الجيش وكان فاروق في تلك الليلة وبعد تشكيل وزارة الهلالي وتأديتها اليمين قد هدأ يقينا منه بأن المشكلات التي اكتنفت الحكم ربما تنتهي
ولكن سرعان ما تبددت الصورة بوصول نبأ الحركة اليه وحتى الساعات الأولى من صباح 23 يوليو لم يكن فاروق يتوقع ان يكون الأمر أكثر من انتفاضة وانها ليست الا زوبعة في فنجان وعلى وجه الخصوص بعد ان طمأنه كل من النجومي ومحمد حيدر حيث اتصل الأخير بقائد المدفعية ورد عليه نقيب انتحل شخصيته
وأكد له سلامة الموقف وبالتالي نقله للملك وادخل في روعه ان قوات المدفعية كلها رهن اشارة القائد الأعلى وما لبث الأمر ان علم بما قام به الضباط عندما أذاع السادات بيان الثورة في السابعة والنصف من صباح 23 يوليو من الإذاعة المصرية باسم محمد نجيب الذي أعلن نفسه قائداً عاما للقوات المسلحة وكانت المرحلة الثانية لخطة الثورة هي اسقاط وزارة الهلالي لاصطباغها بالصبغة الحزبية وتعيين وزارة ترأسها شخصية قوية ولها مكانتها ووقع الاختيار على علي ماهر
وكان اختيارا موفقا لنفوذه ومقدرته وحنكته السياسية. كما ان الاختيار يضفي عليهم طابع الاعتدال وعدم التطرف مما يعطي الأمان للملك حتى لا يلجأ للاستعانة بالقوة الأجنبية
وفي صباح 24 يوليو استقبل الملك علي ماهر وتناقشا فيما حمله الأخير من مطالب واصدر فاروق أمره بقبول استقالة الهلالي واصدر أمرا آخر لعلي ماهر بتشكيل الوزارة بعد ذلك جرت اعتقالات في البوليس السياسي، ودارت مناقشات حامية استمرت حتى صباح 26 يوليو حيث أثار جمال سالم مشكلة مصير الملك بعد تنفيذ قرار مجلس القيادة بعزله مطالبا برأس فاروق بناء على عقد محاكمة له
وأيده عبد المنعم أمين وزكريا محيي الدين بينما عارضه محمد نجيب والسادات ويوسف صديق وحسين الشافعي واستقر الرأي على ان سافر صاحب الفكرة من الإسكندرية للقاهرة ليتعرف على رأي باقي الأعضاء وعاد ليحمل معه رسالة عبد الناصر بأن يذهب فاروق للمنفى ويترك التاريخ ليحكم عليه بالموت.
وعلى الوجه الآخر ذهب محمد نجيب وبصحبته السادات وجمال سالم إلى علي ماهر لتسليمه إنذار الجيش بأن يتنازل فاروق عن العرش لصالح ابنه احمد فؤاد في ميعاد غايته ظهر ذلك اليوم ويترك البلاد بأي طريقة يختارها في ميعاد غايته السادسة مساء وان لم يفعل فعليه تحمل المسؤولية كاملة وبالفعل استجاب فاروق لتلك المطالب وقرر المغادرة بحرا بالمحروسة لأن الطائرة من السهل ان تقذف وتهوي أو تنفجر في السماء وعملية خروج فاروق تمت بحرص وتكتم وفي السادسة والنصف أذيع بيان محمد نجيب أعلن فيه النبأ.
تعد مرحلة ما بعد السقوط في حياه الملك السابق هي الأخيرة في تاريخه وعاشها بطريقته المعهودة حيث اختار ايطاليا موطنا جديدا له وهنا تشير المؤلفة إلى ان منهجه في الحياة من سلوك غير سوي واستهتاره وعصفة بالقيم الأخلاقية والذي كان من بين أسباب فقدانه عرش مصر قد استمر عليه وان كانت هناك بعض الاختلافات اختصت بالمزيد من التحركات بعد ان أصبح طليقا تماما وان عليه ان يشغل وقته بهواياته حتى لا يفكر في المأساة التي حدثت له
وان كانت هذه الهوايات قد تركزت في المقام الأولى على ممارسة لعب القمار الذي عشقه وجرى في دمه كما استمرت معه هوايته المحببة الخاصة بالنساء وبطبيعة الحال في غمار هذه الحياة العابثة ان تسوء علاقته بزوجته ناريمان مما جعلها تصمم على الانفصال وتمكنت من العودة إلى مصر ورفعت دعوى طلاق وحكمت لها المحكمة به وأعلن فاروق بالحكم وتنازلت عن حضانة ابنها.
ومع بداية حياته في ايطاليا ابتعد مبدئيا عن الخوض في السياسة ولكنه داخليا كم تمنى ان تفشل الثورة ويعود إلى مصر وبعد وقت قصير تحرك ونشر مذكراته واتهم القائمين على أمر الحكم في مصر بأنهم ينتمون للشيوعية وراح يهاجمهم وزاره ملك الموت في 17 مارس 1965 لينهي حياته بعد عمر يناهز الخامسة والأربعين عاماً بعد تناوله العشاء مع صديقته المحببة إليه أيرما حيث كان من بين هواياته النهم في الطعام
فقد تناول كميات كبيرة منه وبعد ان انتهى من الأكل أشعل السيجار بدأت عليه أعراض ضيق التنفس ونقل الى المستشفى وأجريت له بعض الإسعافات التي لم تأت بنتيجة وسرعان ما فارق الحياة ولما كانت وصية فاروق ان يدفن في مقابر أجداده بمسجد الرفاعي بالقاهرة.
وكان من الصعب التنفيذ أقيمت له جنازه محدودة جدا في روما ودفن مؤقتا لحين الحصول على الأذن من المسؤولين في مصر بدفنه في ثراها وجرت الاتصالات وبذلت المساعي لدى عبد الناصر الذي وافق وتم نقل الجثمان في سريه بالغة وحراسة تامة وبعد منتصف الليل بقليل ليوم 27 مارس 1965 دفن في قبر إبراهيم بين محمد علي وفي عهد السادات أعيد دفنه في مقابر أجداده وبذلك نفذت وصيته.
فيصل حماد
الكتاب: فاروق من الميلاد إلى الرحيل
الناشر: دار الشروق ـ القاهرة 2005
الصفحات 850 صفحة من القطع المتوسط