أصبحت رانية الباز مؤلفة هذا الكتاب، الشهادة إحدى الشخصيات النسائية المعروفة في العالم العربي.. وفي الغرب أيضاً.. اثر المقابلات التي أجرتها معها كبريات الصحف العالمية والعديد من القنوات التلفزيونية المعروفة. رانية الباز هي سعودية، إنها المذيعة المعروفة ـ التي غدت أكثر شهرة ـ التي وجدوها ذات يوم مطروحة على الرصيف أمام أحد المستشفيات السعودية وهي غائبة عن الوعي تماماً..
هناك كان قد وضعها زوجها ـ آنذاك ـ بعد ان هشم وجهها.. ومن الرصيف أمام ذلك المستشفى إلى داخله لتمضي رانية أربعة أيام في حالة غيبوبة كاملة. فعل «رشيد» كل شيء لدى والدها كي يوافق على زواجه منها، لا سيما وأن له أصولاً «إفريقية» بعيدة.. لكنه أظهر كل ما يمكن ان يقدمه بصورة مثالية وبما يمكن ان يسعدها.. في النهاية رضخ الوالد وقبل.. فما قبل الزواج شيء وما بعده شيء آخر.
لقد انقلب رشيد إلى إنسان غيور إلى حد المرض إنه لم يقبل ولم يتحمل نجاحها الباهر، لا سيما وأن مساره الفني «كمطرب» لم يذهب بعيداً بل ظل متواضعاً.. وبعد فترة تحولت الغيرة إلى عنف وصل إلى ذروته يوم الرابع من إبريل 2004 و«تكسير» وجه زوجته الذي احتاج فيما بعد إلى ثلاث عشرة عملية جراحية كي تستعيد شكلها «الإنسان» وبالطبع ليس وجهها «التلفزيوني» السابق.
ما تؤكده «رانية الباز» في كتابها هذا هو انه منذ اللحظة التي تم التعرف عليها من قبل أطباء المستشفى وإدارته أخذت القضية أبعاداً جديدة تجاوزت كثيراً مجرد حدث «عادي» لامرأة ضربها زوجها.. فهي وجه تلفزيوني معروف.. بل من أول الوجوه النسائية التي أصبح لها «شعبيتها» و«حضورها» على المستوى الشعبي السعودي.. ولا تتردد في القول بأنها وجدت تعاطفاً كبيراً من الناس ومن المسؤولين أيضاً في بلادها.. بل وتلقت زيارة أميرة في المستشفى الذي كانت تتلقى العلاج فيه.
وما تؤكده «رانية الباز» أيضاً في هذا الكتاب هو أنها متمسكة جداً بالثقافة والتربية الإسلامية التي ترعرعت عليها وتشربت منها منذ طفولتها.. لكنها تؤكد بالمقابل أنها أدركت مدى الحيف والظلم الواقعين على المرأة في مجتمعها من خلال إرث قديم وليس بالمبادئ الإسلامية..
نقرأ في الكلمات الأخيرة من هذا الكتاب: «في الامتحانات القاسية التي اجتزتها لم أستسلم أبداً لليأس لقد عرفت كيف أبقى متفائلة. ان الكتب ودراساتي ومساهمتي في العديد من الأعمال الاجتماعية علمتني الكثير، ينبغي على المرأة ان تناضل من أجل تحسين ظروف حياتها. إنني أعيش اليوم وحيدة مع أطفالي. لكنني حرة.. وأريد وأنا في الثلاثين من عمري أن أصبح بالغة، ولا هم إذا لفظني البعض.
«ان من يحب الله ـ عز وجل ـ يعرف حدود الممنوع وهو ليس بحاجة لأحد كي يحددها له». وفي الكلمات الأولى من هذا الكتاب تعود رانية الباز إلى حلم ـ كابوس كانت قد عاشته ذات ليلة وزوجها بجانبها كان كابوساً أنقذتها منه عمتها «المتوفية منذ سنوات طويلة» لقد ذهبت اليقظة بالحلم ـ الكابوس ولكن صاحبته ترسم حياتها باللون الأسود تقول: «أرى كل شيء موشحاً بالسواد وأغرق كل يوم أكثر فأكثر في الجحيم مع قناعتي بأنه لا شيء ولا أحد يستطيع ان يسحبني منها».
لقد رأت رانية في مسار حياتها «تعاقباً من الكوارث» فعندما كان عمرها أقل من ثماني عشرة سنة عندما وجدت نفسها «مطلقة» في الغرب قد يبدو هذا مجرد «حدث عارض» وربما مأسوف له و«لكن في الشرق هذه قضية أخرى. فالمرأة المطلقة هي امرأة ملفوظة. إنها المرأة التي لم تستطع إرضاء زوجها ولم تستطع أن تأخذ مكانها كزوجة وأم وربة منزل؟ إنها المرأة التي يشار لها بالبنان والتي يحوم حولها ألف شك، إنها التي ينبغي الحذر منها».
لقد بدأت «رانية الباز» كما تحكي قصتها، بدراسة التصوير الشعاعي بعد نيلها الشهادة الثانوية، إن طلاقها من زوجها الأول أثقل على حياتها بل ورأت به «عقاباً من العناية الإلهية وثمناً ينبغي دفعه لخطاياي أمام الخالق إنه قدري وعلي أن أرضى به بصبر ـ وقد رضيته ـ كي أجدد الأمل في حياتي»، كما تقول.
ومع الدراسة بدأت «رانية» العمل في القناة التلفزيونية السعودية الأولى كمذيعة، وذلك بمساعدة أحد أصدقاء والدها.. لم يكن دخولها إلى ميدان العمل التلفزيوني سهلاً ولم تكن موافقة والدها «يحيى الباز» سهلة هي الأخرى هكذا أصبحت إذن مذيعة تلفزيونية وهي في العشرين من عمرها «وهذا ما لم يكن قد حصل قبل ذلك» في المملكة العربية السعودية «لقد كانت ثورة، والبلاد كلها تحدثت عن ذلك»،
كما تقول لتشير مباشرة إلى أن العمل التلفزيوني ترافق مع «تزايد عدد الخاطبين لها من أبيها» وكان من بين هؤلاء رشيد «المجنون» الذي يحبها والذي لم يكن يقسم «إلا باسمها» كانت هي طفلة في الخامسة من عمرها، وكان هو عنده من زواج سابق ثلاث بنات وولد.
عاشت رانية الباز، كما تروي، في حالة «حصار» شبه كامل منذ الفترة الأولى للزواج برشيد الذي «منعها من أن ترى أحداً وحتى منعها من أن ترى صديقاتها من النساء». وهكذا أحست بنفسها مجرد «شيء» وتأملت بأن تؤدي ولادة طفلهما الأول إلى «تهدئة» الزوج..
ولكن بدا بأن ذلك الأمل لم يكن سوى مجرد وهم ولم يغير في الأمر شيئاً أيضاً ولادة الطفل الثاني.. وكان «رشيد» لا يعمل شيئاً واقعياً مما أرغمها على أن تعمل كي تؤمن «عيش العائلة» تقول: «فعلت ذلك راضية ومن دون تأفُّف، كما جهدت كي أكون امرأة وأماً متنبهة. فعندنا ينبغي على الزوجة حكماً أن تهتم ببيتها.. مع احتمال أن تترك عملها».
لقد واجهت «رانية» تجربة شارفت فيها على الموت على يد زوجها، كان «الموت في الأفق»، كما يقول عنوان الفصل الأول من هذا الكتاب، لكنها مع ذلك طالبت القضاء بتخفيف الحكم عليه.. وذلك على أساس أنها لم تكن تريد لأطفالها أن ينظروا لها ذات يوم على أنها كانت وراء إهانة والدهم.
بكل الأحوال، أخذت قضية «رانية الباز» بُعداً عالمياً لم تكن هي نفسها تتوقعه. تقول بهذا الصدد: «كنت أجهل بأن الكشف عن هذا الاعتداء في البلاد كلها قد أخذ بُعداً كبيراً. لقد غدت الحركة المجنونة التي قام بها زوجي قضية دولة. وقد أدانها الأعيان الكبار، وقلقوا على صحتي وطالبوا بالقصاص. لقد كنت مسمّرة على سريري في المستشفى، ولم أكن أتصوّر لحظة واحدة أن صورة وجهي المتورِّم سوف يشاهدها العالم كله، وأن قصتي سيتم ذكرها في الكونغرس الأميركي».
هذا الاهتمام العالمي تشرحه المؤلفة في الفصل الثاني من الكتاب الذي يحمل عنوان «العالم كله يتعبأ».
عندما كانت رانية في المستشفى.. كان العديد من الصحافيين «يرابطون» في الخارج في محاولة لإجراء حديث معها، وربما الفوز بالصورة الأولى.
وبعد موافقة أبيها وموافقتها كانت تلك الصورة الأولى لوجهها «المشوّه» كان المصوّر قد طلب سماحها له بالتصوير وكانت دهشته كبيرة عندما قبلت.. كانت تريد أن «تبعث رسالة» لزوجها الهارب من وجه العدالة كي تخبره بأنها لم تمت، لم يكن ذلك من أجل إمكانية العيش المشترك، بعد ذلك، ومهما كانت توبته. إذا كانت هناك توبة. كانت تريد له عقاباً آخر، تقول: «أما بالنسبة لرشيد، فإنني أعرف كمؤمنة بأنه لن يفلت من عقاب الله، هنا في الحياة الدنيا أو في حياة أخرى».
لقد تقاطر الصحافيون إلى غرفة رانية الباز في المستشفى طيلة ساعات.. لقد أدركت فجأة التأثير الاستثنائي لهذه القضية. تقول: «لست المرأة الأولى التي تتعرّض للضرب، للأسف، لكنني الأولى التي أثارت مثل هذا الهيجان». الصحف كلها كتبت والصحافيون والمعلقون كلهم استهجنوا ما لقيته.. إنهم قد ساهموا بذلك في نقل قضية «رانية الباز» من قضية خاصة، قضية عادية عن الغيرة القاتلة إلى قضية «عامة».
ولعل هذا يذكِّر بفيلم سينمائي شهير يحمل عنوان «ساكو وفنزيتي» اللذين كانا عاملين بسيطين دفعت بهما أحداث خارجة عن إرادتهما إلى أن يصبحا رمزين للنضال العمالي، تقول رانية الباز: «عامة يتم الحديث قليلاً عن بؤس النساء، ومن خلال المقابلات الصحافية تساءلت إذا كنت ضحية أو رغماً عني مناضلة».
وتضيف: «قبلت أن أتحدث للصحافة لأنني أعتقد بأنه ينبغي علينا أن نناقش مشكلات مجتمعنا كي يستطيع حلّها بنفسه. وأما مذيعة التلفزيون التي كانت تطلب من النساء أن يروين قصتهن، فكيف يمكنني أن أرفض رواية قصتي؟ وأدركت عندها أن يروي المرء أصعب جداً من أن يستمع».
لقد أحسّت رانية، كما تقول عندما خرجت حكايتها للعلن، وأصبحت «قضية عامة» بأنها لم تعد تعيش مأساتها وحدها في سرّها وبين جدران غرفتها. وأدركت في الوقت نفسه أن معركة المرأة لن تكون سهلة. تقول: «إن المطالبة بإصلاحات عميقة ـ تخص المرأة ـ في السعودية، إنما يعني الهجوم على ثقافة ذكورية متجذّرة تماماً»،
وحيث المرأة عالمها هو المطبخ بالدرجة الأولى، فمن هذا السياق تشرح رانية بأنها قد «وصلت» في اللحظة المطلوبة. فهي «معروفة ولها شعبية» من خلال عملها في التلفزيون. ولهذا مثل الاعتداء عليها بمثابة «حرمان الشعب من أحد الوجوه المألوفة لديه، وهذا خطير» كما تقول، ثم تشير إلى اهتمام أمير جدة بقضيتها وتمنياته لها بالشفاء وأن يغدو ما تعرّضت له مجرّد «ذكرى مؤلمة» تمضي سريعاً بالنسبة لها.
لقد أصبحت رانية الباز شخصية نسائية معروفة في موقفها من أجل الدفاع عن حقوق المرأة. وباسم هذا الموقع تلقت ذات ليلة دعوة للمشاركة في ندوة بباريس من قبل جمعية للدفاع عن حقوق النساء تحمل اسم «لا عاهرات ولا خاضعات».. أثارت التسمية في البداية حفيظتها، لكنها بعد أن قرأت ميثاقها وتحدثت مع بعض مسؤوليها أدركت أنها جمعية جدية وتضم الآلاف من النساء والرجال أيضاً..
هكذا وجدت رانية نفسها ذات يوم من شهر أكتوبر في باريس. لقد تذكرت رحلتها مع زوجها إلى لندن وباريس بمناسبة «شهر العسل» وحيث طلبت ذات مرة من زوجها عندما كانا في باريس بأن يقبِّلها في مكان عام «مثلما يفعل الجميع».. عندما همّ بفعل ذلك اعتبرته بأنه يريد «الاعتداء» عليها.
لقد ركّزت رانية في حديثها أمام جمهور بباريس أثناء ندوة عامة التقى فيها السود والبيض والفرنسيون والعرب، على القول إنه لم يتم ضربها «باسم مبدأ ديني» وإنما من قِبل «زوج غيور». قالت: «إن أولئك الذين يتمترسون خلف الإسلام من أجل تبرير مثل هذه الأعمال يكذبون، وأولئك الذين يعتقدون بإخلاص ـ وهناك من هم كذلك ـ بأن القرآن يشجِّع على هذه الممارسات هم مخدوعون». لقد صفقوا لها طويلاً وفهمت أنها قد التزمت بـ «قضية كبرى» وأن «الطريق سوف يكون طويلاً».
وعلى مدى فصول هذا الكتاب تعود رانية الباز للحديث عن محطات حياتها الرئيسية مثل طلب يدها للزواج للمرة الأولى عندما كان عمرها 11 سنة وحكايات «خطابها» والزواج الأول بعمر 16 سنة وصداقتها بأمها و«نجوميتها» في التلفزيونات حكاية رانية الباز... بقلمها
الكتاب: مشوّهة
جريمة عاطفية غدت قضية دولة
الناشر: ميشيل لافون ـ باريس 2005
الصفحات: 237 صفحة من القطع المتوسط
Defiguree
Quand un Crime Passionnel
Devenait Affaire D'etat
Rania Al-Baz
Michel Lafont - Paris 2005