مؤلف هذا الكتاب هو الباحث الفرنسي برتران مييرـ ستابلي وهو هنا يقدم الصورة الحقيقية عن الممثلة الأميركية الشهيرة مارلين مونرو. ومعلوم أنها تحولت إلى أسطورة بعد موتها، بل وفي حياتها عندما وصلت إلى ذروة المجد بفضل جمالها الساحر وشخصيتها الآسرة، وفنها الكبير.

ولكن موتها لا يزال غامضاً حتى الآن، وهو ما يحاول المؤلف أن يفك ألغازه ويفسره. ولكن قبل أن يفعل ذلك نلاحظ أنه يقدم لمحة تاريخية عامة عن حياتها والمراحل التي مرت بها والرجال الذين تعرفت عليهم وأحبوها..إلخ. والشيء المدهش الذي لم نكن نعرفه نحن القراء العاديون هو أنها مجهولة الأب، وكانت يتيمة طيلة طفولتها الأولى. وقد عاشت لدى العائلات الأميركية المحسنة التي قبلت أن تستقبلها لكيلا تموت في العراء من الجوع والبرد.

ثم يردف المؤلف قائلاً: «فأمها كانت غريبة الأطوار، بل وشبه مجنونة، ولا تهتم بها على الإطلاق، ولذلك تكفّل بها الأصدقاء في البداية، ثم وضعوها في عهدة الدولة كما يحصل لكل اليتامى. وعندئذ سلمتها الدولة الأميركية للعائلات التي تقبل باستقبالها بين أطفالها مقابل مبلغ معين (بضع دولارات في الشهر ).ولسوء الحظ فإن هذه العائلات كانت قاسية جداً معها.

وكانوا يضربونها أحياناً ويهينونها، ولذلك نشأت وهي معقدة الشخصية وخائفة باستمرار من الآخرين. ولم تعرف معنى البيت ولا حنان العائلة ولا دفء الأسرة طيلة حياتها كلها. وكل ذلك انعكس على نفسيتها لاحقاً.ثم انفجرت عبقريتها لاحقاً في مجال الفن والسينما بشكل لم يسبق له مثيل من قبل، وأصبحت نجمة أميركا الأولى، وهكذا انتقمت لماضيها البائس الشقي، واستطاعت تجاوز الظروف الأولية لطفولتها، وهي ظروف كان يمكن ان تجعل منها بنتاً منحرفة، أو ضالة، أي بنت شوارع.

وهكذا تنطق عليها كلمة نيتشه الشهيرة: «وحدها الشخصيات الاستثنائية تخترق الظروف» بمعنى أن العباقرة من نساء ورجال هم وحدهم القادرون على تجاوز الظروف السلبية لطفولتهم الفقيرة والمحرومة إلى أقصى الحدود ويصلون إلى أعلى القمم.

ولكن مارلين مونرو التي وصلت إلى قمة الشهرة والمجد كانت ذات شخصية مأساوية أو تراجيدية بقدر ما كانت مفعمة بالجمال والأنوثة والسحر، وهذا يعني أن طفولتها ظلت تلاحقها. لقد انتصرت عليها من جهة، ولكنها لم تنتصر عليها من جهة أخرى. ظلت في أعماقها بذور الحزن والسوداوية وآلام الحرمان في العائلة والأم والأب.

وقد اعترفت لاحقاً بأنها تزوجت أكثر من مرة من رجال يكبرونها سناً لأنها كانت تبحث عن والدها الذي لم تعرفه أبداً، ولم تره في حياتها، والواقع أنه لا أحد يعرف من هو والدها بالضبط، بمن فيهم أمها! وذلك لأنها كانت لها علاقات مع رجال عديدين.

وقد تزوجت مارلين مونرو مرة أولى وثانية حتى وصلت إلى الثالثة مع الكاتب المشهور آرثر ميلر وهو من أهم الكتاب المسرحيين في الولايات المتحدة في القرن العشرين.

ولكنه كان بخيلاً جداً إلى درجة أنه كان يبصق على حذائه من أجل تنظيفه بالورق بدلاً من أن يشتري الفرشاة والمادة الضرورية لتلميعه. وكان يحاول دائماً أن يأكل على حسابها في المطاعم لكيلا يخسر فلوسه. ويبدو أنه لم يكن يحمل فلوساً في جيبه لكيلا يضطر إلى صرفها!.

ومع ذلك فقد عاشت معه ثلاث سنوات تقريباً لأنها كانت شهمة ومبذرة وكريمة جداً، ولا تهتم بجمع المال على الإطلاق، وبالطبع فكانت تربح كثيراً بسبب شهرتها في مجال الفن والسينما، ولذلك كانت تصرف عليه دون أن تبالي بالأمر، ثم عندما ضجرت منه وقعت في حب الممثل والمطرب الفرنسي الشهير: إيف مونتان، وكانت زوجته ممثلة شهيرة أيضاً تدعى سيمون سينيوريه، وقد انزعجت كثيراً بسبب هذه العلاقة المفاجئة التي انتشرت أخبارها على واجهات الصحف العالمية الكبرى.

ولكن مونتان رفض أن يتزوج مارلين مونرو ويتخلى عن زوجته، وسبّب لها ذلك خيبة أمل كبيرة وسقطت في الهواجس السوداء وأغرقت في شرب الكحول وتعاطي المخدرات لكي تنسى. ثم تجاوزت هذه الصدمة بعدئذ ولكن لكي تقع في صدمة أشد وأدهى، حيث يخصص المؤلف فصلاً كاملاً لموضوع بعنوان: العلاقات الخطرة، والمقصود بها علاقة مارلين مونرو بآل كيندي.

وهنا يردف المؤلف قائلاً: من المعروف أن جون كيندي كان زير نساء ويخون زوجته باستمرار. وفي أحد الأيام، ولم يكن قد أصبح بعد رئيساً، قرر أحد أصدقائه الخُلَّص أن يعرفه على الممثلة الحسناء مارلين مونرو. وكان ذلك في منتصف الخمسينات. وهكذا التقى الجميع في حفلة استقبال عامة. وعندئذ ركّز كيندي عينيه على الممثلة طيلة السهرة إلى درجة أن زوجته عرفت بالأمر وتضايقت تضايقاً شديداً. كما انتبه إلى ذلك كل الحاضرين.

فقد كان يلاحق مارلين مونرو بنظراته الشهوانية بطريقة مخجلة في الواقع. كان يريد أن يفترسها بالمعنى الحرفي للكلمة. ثم وقعت مارلين مونرو في غرامه واعتقدت أنه يحبها. وما كانت تعرف أنه زير نساء وأنه يستخدمها لإشباع شهواته كما يفعل مع كل النساء الأخريات بمن فيهن بنات الهوى. وكانت عادة عند آل كندي أن يمرّر الأب إلى الابن عشيقاته أو العكس. وهي عادة مشينة في الواقع وغريبة جداً .

ولكن الذي حصل هنا هو أن الأخ الأكبر مرّر إلى الأخ الأصغر عشيقته من دون أن يدري، أو وهو يدري لا فرق. فعندما قرر جون كندي، وكان قد أصبح رئيساً، أن يتخلص من مارلين مونرو قرر أن يرسل إليها أخاه روبرت كندي وزير العدل في حكومته لكي يواسيها ويعزيها.

وحاول روبرت كندي، وكان ذا نزعة إنسانية أكثر من أخيه بكثير، أن يواسيها بشتى الوسائل لكي تنسى أخاه المشغول بالمهام العظمى للدولة ولا تعود تلاحقه بالتلفونات.

ثم بعد فترة من تعرفه عليها وقع روبرت كندي بدوره في حبها وراح يلتقي بها من حين لآخر في مواعيد غرامية سرية كما كان يفعل أخوه من قبل. وكعادتها فقد وقعت في حبه لأنه ما كان يقل جمالاً وشباباً عن أخيه. ولكن المشكلة هي أنه كان متزوجاً وأباً لسبعة أولاد! يُضاف إلى ذلك أنه كاثوليكي، والطلاق ممنوع عند الكاثوليك.

وهكذا وقع روبرت كندي في المشكلة نفسها التي حاول تخليص أخيه منها. ولم يعد يعرف كيف يعمل لكي يقنع مارلين مونرو بنسيانه أو يقطع العلاقة معها، فإن تبدأ العلاقة شيء سهل، ولكن أن تنهيها شيء آخر. نقول ذلك وبخاصة أن رئيس المخابرات الشهير هوفر كان يلاحقه ويريد أن يعرف كل أسراره الشخصية لكي يستخدمها كورقة ضغط ضده إذا لزم الأمر.

وفي أحد الأيام رنّ جرس البيت عند مارلين مونرو وكانت في الحمام، ففتحت الباب إحدى صديقاتها من الصحافيات المعروفات. وفجأة وجدت نفسها وجهاً لوجه مع روبرت كندي وزير العدل، ولم تعد تعرف كيف تتصرف.

وخجل هو أيضاً ولم يعد يعرف هل يهرب فوراً من الموقف المحرج أم يدخل؟.

ولكن بعد أن انكشف الأمر وحصلت الفضيحة قرر الدخول. وعندما سمعت مارلين مونرو خرجت عارية من الحمام وألقت نفسها بين أحضانه، مهما يكن من أمر فإن العلاقة الغرامية بين الوزير والممثلة الشهيرة أصبحت معروفة للقاصي والداني. وعندما حاول روبرت كندي أن يتملص من العلاقة هددته مارلين مونرو بكشف كل أسراره على الملأ.

ونفهم من كلام المؤلف أن هذا التهديد هو الذي قتلها. فالواقع أنها هددت كل آل كندي بكشف أسرار علاقتها مع الرئيس جون كندي ومع الوزير روبرت كندي. بل ووصل بها الأمر في إحدى المرات إلى حد أنها اتصلت هاتفياً بزوجة الرئيس في البيت الأبيض جاكلين كندي وقالت لها إنها سوف تتزوج الرئيس. وهكذا فقدت مارلين مونرو صوابها.

وأصبحت تشكل خطراً على أمن الدولة. ولذلك قررت الأجهزة أن أوان التخلص منها قد حان. فقط بقي عليهم أن يجدوا الطريقة الملائمة لقتلها. وكان أن استخدموا طبيبها الشخصي. فقد أعطاها مع الدواء حقنة سامة.

وعندما شعرت بالأمر حاولت أن تتصل بالتلفون بأحد الأصدقاء، ولكن قواها خانتها فسقطت على السرير مغشياً عليها.

وهكذا ماتت مارلين مونرو في عزّ الشباب وعمرها لا يتجاوز السادسة والثلاثين. ثم أشاعوا عنها أنها انتحرت. وصدّق الناس الإشاعة حتى تحوّلت إلى حقيقة لا تقبل النقاش. ولكن كل من يعرفها آنذاك يقول لك إنها لم تكن تفكر بالانتحار إطلاقاً عندما ماتت.

على العكس، لقد كانت تفكر بمشاريع عدة، وذات نفسية متفائلة بالحياة والمستقبل على الرغم من كل الجراحات الداخلية التي أصابتها. وبالتالي فالعملية تمت اغتيالاً لا انتحاراً. ولكن مشكلة هذه الممثلة الشهيرة هي أنها اقتربت من السلطة أكثر من اللزوم. ومعلوم أن هذا الاقتراب يدفع ثمنه غالياً. فالسلطة لا ترحم. السلطة محاطة بالأسرار ومن يحاول أن يفضحها أو يكشف عنها يدفع حياته مقابل ذلك بكل بساطة. وهذا ما لم تفهمه مارلين مونرو. فقد كان ينبغي أن تبتعد عن آل كندي بسرعة، أو أن تنفذ كل أوامرهم لكيلا تتعرض لمكروه.

والواقع أن الحياة الصاخبة لهذه المرأة، والعشاق الكثيرين الذين تتابعوا على حياتها الواحد بعد الآخر، وحياة الشهرة والمجد والأضواء التي عرفتها في هوليوود، كل ذلك أثر في شخصيتها، فلم تعد تعرف كيف تميز بين الصح والخطأ، أو بين ما ينبغي فعله أو لا ينبغي فعله.. إلخ.

يُضاف إلى ذلك أنها كانت تأخذ المسكنات والأدوية بشكل يومي لكي تستطيع أن تستيقظ، ثم تأخذها مرة ثالثة أثناء النهار لكي تبعد شبح القلق عنها. وكل هذا أثر في صحتها، وأنهكها من دون شك. ولكن يبقى صحيحاً القول إنها ماتت شابة وبشكل مبكر أكثر من اللزوم. وكان يمكن أن تعطي أشياء أخرى رائعة من الناحية الفنية لو سمح لها العمر بذلك.

ويرى البعض أن هذا هو مصير الفنانين الكبار، فهم يحترقون عادة في أوج الشباب. وهذا ما حصل للممثلة الألمانية ـ الفرنسية رومي شنايدر، وحتى للشعراء الكبار من أمثال بودلير، رامبو، لوتريامون، هولدرلين الذي انهار عقلياً وهو في الخامسة والثلاثين. ويبدو أن للشهرة ضريبة ينبغي أن تُدفع بشكل أو بآخر. ومارلين مونرو البنت الفقيرة التي نشأت من العدم ووصلت إلى قمة الشهرة والمجد دفعت ضريبة ذلك باهظاً.

الكتاب: مارلين مونرو الحقيقية

الناشر: فلاماريون ـ باريس 2005

الصفحات: 359 صفحة من القطع الكبير

La Veritable Marilyn Monroe

Bertrand Meyer - Stabley

FlammaRion - Paris 2005

P.359