الدكتور وليد رضوان باحث سياسي سوري، خبير في الشؤون التركية والكردية. من مؤلفاته «نور الدين الزنكي: الموحِّد والمحرِّر»، «مشكلة المياه بين سوريا وتركيا»، «العلاقات العربية ـ التركية في القرن العشرين». وفي كتابه الجديد «تركيا بين العلمانية والإسلام في القرن العشرين» يقوم الباحث بدراسة خمسة عقود من تاريخ تركيا في النصف الثاني من القرن العشرين تبحث في الصراع على الهوية بين العلمانية والإسلام هي هدف هذا البحث،
لكن بعد توطئة لابدّ منها بإلقاء الضوء على ما جرى في تركيا منذ بدايات التغريب (الإصلاحات) في القرن التاسع عشر مروراً بالانقلاب الاتحادي على السلطان عبدالحميد ومعرفة أسبابه ودوافعه، وانتهاء بقيام الجمهورية عام 1923 بعد حرب تحررية خاضها الجيش التركي بقيادة مصطفى كمال منذ عام 1919 وحتى عام 1923. يتألف الكتاب من مقدمة وخمسة فصول.
في الفصل الأول يقدم الباحث فكرة عن السياسات الزراعية والثقافية التي اتبعها «عدنان مندريس» من خلال حزبه الديمقراطي، وتأثير هذه السياسات خلال فترة حكمه التي دامت عشر سنوات كاملة (1950 ـ 1960)، وكذلك إلقاء الضوء على الحركات الصوفية، التي لعبت دوراً مشرفاً في الدفاع عن الهوية الإسلامية، وخاصة الحركة النورسية،
مع تبيان لموقف «عدنان مندريس» وحزبه الديمقراطي وكذلك حزب الشعب الجمهوري من قضية الإسلام والعلمنة في تلك الحقبة. فقد أدى اهتمامه بإرضاء مشاعر الفلاحين الدينية إلى بروز تيار ديني جارف كاد يطيح بالأتاتوركية من أساسها، إذ وجد «مندريس» نفسه مضطراً، في كل مرة يتساهل فيها بممارسة بعض الشعائر الدينية، إلى إعطاء المزيد من التساهل، رغم تصريحاته المتكررة بالتزام نظام العلمانية وعدم قبوله بإلغائه أو استبداله بنظام آخر.
وقد كان يردد دائماً: لا رجوع عن فصل الدين والدولة: إلا أن تركيا بلد إسلامي وستبقى كذلك. وفي الفصل الثاني يتعرض الباحث فيه إلى أسباب انقلاب 1960 وإعدام «مندريس»، ومن ثم إلقاء الضوء على دستور 1961، الذي يعتبره الأتراك أكثر دستور ديمقراطي عرفوه حتى الآن،
وأثر ذلك الدستور في الحياة السياسية والثقافية والاقتصادية، ومن ثم يتعرض الباحث لنشوء حزب العدالة بزعامة «سليمان ديميريل» كوريث للحزب الديمقراطي، وموقف كلّ من حزب العدالة وحزب الشعب الجمهوري بزعامة «إينونو» من العلمنة والإسلام.
فحزب العدالة، وهو أول حزب سياسي يتشكل بعد انقلاب 1961، كان هذا الحزب امتداداً للحزب الديمقراطي في الخمسينات، ورغم أن مؤسسة الجنرال «غوموش بالا»، إلا أن «سليمان ديميريل» سرعان ما استطاع أن يكسب رئاسة الحزب منه. وحتى في المادة (8) من نظامه الداخلي،
إلى أن الدولة العلمانية لا تطلب من المواطنين قطع صلاتهم مع الدين، أي أن المواطن حرّ في العبادة بموجب معتقداته الدينية والمذهبية، أشارت المادة (10) من نظامه الداخلي إلى ما يلي: نقرّ بانفصال الدين عن الشؤون الزمنية، ويعترف الحزب بالحقوق الفردية للعبادة.
وقد استخدمت كل الأحزاب العامل الديني في حملة انتخابات عام 1965، وربما باستثناء حزب العمال اليساري، أما حزب الشعب الجمهوري فقد أدى تبنيه لشعار يسار الوسط إلى تعرضه للاتهام بالشيوعية، وبالتالي الإلحاد، وإلى الشعار المنظوم القائل: يسار الوسط هو الطريق إلى موسكو. وفي الوقت نفسه تبنّى حزب العدالة شعاراً يقول: يمين الوسط على الطريق إلى الله. وحتى يحيد حزب الشعب الجمهوري الإسلام في الحياة السياسية، بدأ يتحلّل من ارتباطه بالعلمانية المتشددة.
أما في الفصل الثالث فيلقي الباحث الضوء على أسباب انقلاب 1971 ونتائجه، وأثر الصراع على الهوية في السبعينات في العنف السياسي الذي كان يدور في الشوارع بين اليمين واليسار من جهة، والاضرابات العمالية، والاجتماعات الطلابية في الجامعات من جهة أخرى، مع التعريف ببدايات انتقال التيار الإسلامي إلى الإسلام المنظم عبر حزب النظام الوطني بزعامة (نجم الدين أربكان)،
وعندما تغير اسم الحزب إلى حزب السلامة الوطني بزعامة (أربكان) استطاع أن ينتزع من المجلس الوطني التركي الكبير (البرلمان) قانوناً يجيز لبني عثمان العودة، وكانت إعادة الاعتبار إليهم بمثابة إعادة الاعتبار إلى الإسلام السياسي الذي كانت تمثله الدولة العثمانية على مرّ العصور. وتحت ضغط حزب السلامة الوطني، أصدرت رئاسة الشؤون الدينية التابعة لرئاسة مجلس الوزراء التركي بياناً في يونيو 1973 أكدت فيه على دعوة المرأة التركية إلى الحجاب.
وبدءاً من منتصف السبعينات أصبحت الأحزاب السياسية التركية كلها تعترف بأهمية الإسلام في الحياة العامة من جهة، وتعترف من جهة أخرى أن حزب السلامة بزعامة (نجم الدين أربكان) قد أصبح الممثل الرئيسي للتيار الإسلامي، وفي الفصل الرابع يرصد الباحث الفترة التي تم فيها انقلاب (1980) ونتائجه الكارثية على التيار الإسلامي، مع تعريف بالشخصية التركية الكبيرة التي لعبت دوراً مهماً في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية طيلة فترة الثمانينات وحتى بداية التسعينات،
ألا وهي شخصية (تورغوت أوزال)، ودور هذه الشخصية المحورية في وضع أسس وقواعد مشروع تطوير جنوب شرق الأناضول GAP التنموي والمهم جداً في تركيا، وأبعاد هذا المشروع الخارجية في الضغط على الدول العربية المجاورة (سوريا والعراق)، وكذلك أبعاده الداخلية في التصدي لحزب العمال الكردستاني PKK، الحزب السياسي الكردي المسلح، والذي يرفع الهوية الكردية مقابل الهوية الطورانية،
وذلك عبر تطوير مناطق جنوب شرق الأناضول من خلال المشاريع الزراعية والسدود الهائلة على نهري دجلة والفرات، مع تقديم فكرة موجزة عن حزب PKK وصراعه مع الحكم التركي باعتبار ذلك الصراع أحد أشكال الصراع على الهوية في الثمانينات والتسعينات.
أما في الفصل الخامس والأخير، فيتعرض الباحث لأسباب التقدم الإسلامي في انتخابات (1991 و1995) وتراجعه في انتخابات 1999، مع تفصيل لمراحل الصراع على الهوية بين الإسلام والتغريبية من خلال وصول حزب الرفاه الإسلامي لسدة الحكم عام 1996، والانقلاب الأبيض الذي قام به الجيش عليه من خلال مذكرة 28 فبراير 1997، وصولاً إلى حظر هذا الحزب بشكل نهائي عام 1998،
مع تبيان لأثر ذلك الصراع على الهوية في حقبة التسعينات في علاقاتها الدولية والإقليمية، وخاصة علاقات تركيا مع كل من سوريا والكيان الصهيوني والولايات المتحدة وأوروبا. وقبل أن ينهي الباحث هذا الفصل يلقي الضوء على أهم حدثين حدثا في تركيا وخلال عام واحد، ليس في حقبة التسعينات بل على مستوى القرن العشرين، أولهما إلقاء القبض على عبدالله أوغلان زعيم حزب العمال الكردستاني PKK واقتياده أسيراً إلى تركيا، ومن ثم تحوّل حزب PPK إلى حزب سياسي ونبذه العنف وسيلة لبلوغ أهدافه.
أما الحدث الثاني فيتجسد في قبول تركيا كمرشح رسمي للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، مع ما رافق هذا القبول من تغيير كبير داخل تركيا من نظرة الأتراك العلمانيين والإسلاميين إلى الغرب والالتحاق بأوروبا، وفي الختام يلقي الدكتور وليد رضوان الضوء على أهم خيارات تركيا الاستراتيجية في القرن الحادي والعشرين داخلياً وخارجياً، والتي على أساس معرفتنا بها يمكن تحديد خياراتنا وبرامجنا تجاه هذا البلد.
د. وانيس باندك
الكتاب: تركيا بين العلمانية والإسلام في القرن العشرين
الناشر: المؤلف نفسه ـ حلب 2005
الصفحات: 405 صفحات من القطع الكبير