في رواية «قصة موت معلن» يقدم غابرييل غاسيا ماركيز في مستهلها مشهداً حياً للموت، ثم يعود بنا، بعد ذلك، إلى الوراء. وكذلك يفعل الروائي الكندي «أوستن كلارك» الذي يوافينا في مستهل روايته «المعزقة المصقولة» بتقارير عن الجريمة، لا لشيء إلا لكي يمضي ما تبقى من الرواية في توضيح الأسباب التي أفضت إلى تلك اللحظات الدامية». أما الشاعر والروائي الكندي «جورج إليوت كلارك»

فهو يكرر ذلك في روايته المثيرة للجدل «جورج و رو » الصادرة عن دار هاربر كولينز في كندا مطلع عام 2005، والمنتظر صدور طبعتها الثانية عن دار كارول وغراف، نيويورك في يناير 2006. كلارك أحد أهم شعراء كندا المعاصرين وبالإضافة إلى ثقافته فهو مؤلف متعدد المواهب غزير الإنتاج في مجال الكتابة السينمائية والتلفزيونية أما رواية « جورج و رو»

فهي تعيد إلى ذهن القارئ تداعيات كثيرة لعل إحداها إمكانية مقارنتها برواية الشاعر والكاتب الأميركي ريتشارد رايت «الابن الأصلي » التي هزت الرأي العام الأميركي فور صدورها ثم قفزت به إلى الشهرة. رواية « الابن الأصلي» تعود بالقارئ، زمنياً، إلى الوراء حيث أحداث مشابهة تقع في أميركا

وحيث يسلط الضوء على حياة بطله بغر توماس الصبي الفقير الأسود الذي ينشأ في ظروف بائسة ثم يعمل خادماً في بيت أحد الأثرياء البيض، وفي جو مشحون بالتوتر النفسي الناجم عن القهر العاطفي الذي يسيطر على بطل الرواية يرتكب جريمة قتل مروعة تروح ضحيتها فتاة بيضاء تبدي إعجاباً خاصاً به وينتهي الأمر بإعدامه.

تعيد رواية كلارك تجسيد المشهد نفسه الذي يدور حول الصراع العرقي والمحرمات بتسليطها ضوءً قوياً على خلفية بطليها البائسة.ولد كل من جورج وروفوس عامي 1924 ـ 1926 في عائلة لا تكاد تجد قوت يومها. في سنة 1949 أقدما على قتل سائق سيارة أجرة أبيض وهي إحدى الجرائم البشعة التي شهدتها منطقة نيو برونسفيك الريفية الكندية. وفي أقل من عام كان قد ألقي القبض عليهما وشنقا.

وبعد مرور أكثر من 65 سنة يعود كلارك إلى نبش الوقائع التي سبقت له الكتابة عنها في «قصائد الإعدام ». ولعله يبدو هنا أكثر تأكيداً على بشاعة الحدث، الذي يبدأ بإيقاظ كل من جورج و رو ثم المبادرة بسرد قصتهما باستحضار كل أوجه القبح في عمل شديد الجمال بالنظر إلى قدرته على التعبير عن المعاناة والجريمة بأسلوب شاعري مفرط.

نقتبس مما كتبه هيل هذه الفقرات «الواقع أن التجسيد الحي يهيمن على هذه الرواية منذ البداية، يظهر جورج هاملتون الأخ الأكبر كشخصية أقوى وأكثر ميلاً إلى الهدوء، والتروي بالمقارنة بشقيقه.

أثناء الحرب العالمية الثانية يدخل السجن بتهمة التهرب من الخدمة وعلى الرغم من احتكاكه في تلك المرحلة بعدد من الأشخاص السيئين إلا أنه يقرر في النهاية العودة إلى حياته الطبيعية.يريد أن يعمل، فيترك التفكير في المال جانباً، ويفكر في أسرته الشابة الصغيرة.ومع ذلك لا يتمكن من القيام بهذه الأشياء.

أما روفوس، فهو بطبيعته، ناقم على الحياة التي جعلته فقيراً، أسود وكريهاً، يرفض باستمرار لعب الدور الذي تجسده رواية « كوخ العم توم » تقوم بأي عمل مقابل أي أجر يدفع لك.... يسعى إلى التحايل على القانون بسبب زيفه. ببلوغه سن الخامسة عشرة يتحول إلى شخصية نزقة أثناء مشاهدته أبوه وهو يقدم على ضرب أمه دون مبرر ومن هنا يبدأ بمهاجمته لكي يتركه مدميً هالكاً.

أما جورج فهو على الرغم من أنه هو الذي يعد المطرقة ثم يستدرج صديقه سائق سيارة الأجرة إلى المكان الذي تقع فيه أحداث الجريمة المروعة ، إلا أن الشعور بالذنب والغثيان يراودانه حتى قبل وقوع الجريمة المنكرة.فهو يفكر في زوجته، التي ترقد في المستشفى مع طفلهما المولود حديثاً دون أن تتمكن من الخروج من ذلك المكان قبل مجيئه بالمال.كان يريد تخليصهما ولم تكن لديه أية رغبة في القتل، إلا أنه ما أن يهم بالسرقة حتى يثب شقيقه ويقتل السائق».

تجسد هذه الفقرات مشهداً استثنائياً.على الرغم من بشاعته إلا أنه يستحق الإشادة بالنظر إلى موهبة كلارك في الوصف وفي الاستفادة من تقنياته الشعرية التي تمنحه بالإضافة إلى نفسه الروائي نفساً إبداعياً فريداً اختلف حوله النقاد رغم أنه يبدو غير عادي في عالم الرواية.في هذا العمل يبدو كلارك من جانبه مصراً على إمتاع القارئ وتنويره في آن مشيراً إلى أن الكنديين المتحدرين من أصول مختلطة ومنهم السود لهم الشرعية الكاملة في تاريخ كندا السياسي والاقتصادي والاجتماعي والأدبي.

في حوار حول هذه الرواية يعترف بحرصه الشديد على إمتاع القارئ بتقنيات يقوم باختراعها بنفسه مأخوذة من تقنيات الكتابة الشعرية على الرغم من إدراكه الشديد للحد الفاصل بين القصيدة والرواية.هنا يجد القارئ انحيازاً إلى الشعر بوصفه كما يعتقد » الواقع أن الشعر يكتب بمزاج مفرط في الأدبية....

وأنا مسرور جداً لأن (قصائد إعدام ) تحتوي على تلميحات وإشارات لأشياء مثل تيتوس أندرونيكوس و بلس كارمن وسافو.إلا أن هذا لا يظهر في الرواية إلا قليلاً.إن الفارق بين كتابة الشعر وكتابة الرواية... يكمن في أن الرواية تعني أكثر ما تعني بالحاكي».

والواقع أن كلارك في أسلوبه الروائي يبدو متأثراً حتى بموسيقى الجاز وليس بالتقنيات الشعرية وحدها. حيث تضيف عباراته الحرون ،صعبة المراس إلى السرد نوعاً من السخرية السوداء والقوة التي تجعله ملائماً للمزاج العام للرواية.هنا يبدي قدراً أكبر من المهارة في استخلاص الشاعرية من الفقر، سم الفئران يفرش على امتداد الكوخ «بعناية، بعناية فائقة،

كما لو أن موائد قد مدت على نحو يليق بمقام الملوك»، «يتلقون لكمات الثلوج كما يتلقون لكمات من قبضة أبيهم ».إن هذه اللقطات السينمائية الحية التي تصور ما يجري في حياة شخوصه التي لا يمكن الزعم بأنها تعيش حياة عادية هو ما يجذب القارئ إلى شخصيتي الأخوين هاملتون على الرغم من بشاعة سلوكهما. حيث إن أبطال رواية كلارك لا يزيدون على كونهم أناساً يعانون وعندما يحلمون يقعون في شر هذه الأحلام.

إن رواية «جورج و رو» تثير الانتباه إلى اللغة كفعل تحريضي يكتشف كلارك من خلاله الظروف التي وقعت فيها الجريمة وهي كما تجسدها الرواية، العنصرية، والفقر، والتمييز الذي يعاني منه الشقيقان خلال حياتهما القصيرة.الشيء ذاته يمكن قوله عن خيال كلارك الخصب الذي يتسع ليشمل الطبيعة الحية « الشمس تنكمش بالقرب من دخان الكيروسين الملتوي الخارج من المطبخ ».

وهنالك موضوع الجوع والطعام الذي يصادفه القارئ كثيراً، الجوع الذي يتحول إلى ثورة.إن الغذاء بصورته البسيطة يشكل موضوعاً اساسياً في أي ثقافة، في حين أن شح الغذاء والجوع هما محركان رئيسيان للأحداث في هذه الرواية « كان الطعام هو الحب الأول في حياة جورج.كانت الحياة وليمة... لو كانت البطاطا الحلوة تشوى في الرماد لو كان سيصله بسكويت بدبس السكر ومعه الدجاج المقلي ».

يعرف جورج إليوت كلارك على نطاق واسع كشاعر. وكان قد لفت إليه الانتباه وهو في الحادية والعشرين بفوزه بجائزة الشعر التي قدمها له إتحاد الكتاب أو نوفا سكوشيا، 1981.أثناء دراسته الجامعية بكلية كوينز حاز على جائزة ارشبولد لامبمان للشعر، 1991،

وفي سنة 1998 أثناء عمله أكاديميا بكلية ديوك فاز بجائزة بورتيا وايت للتميز الإبداعي.تضاف إلى هذه الجوائز جائزة بيلاغيو سنتر الإيطالية وشهادتا الدكتوراه الفخريتان اللتان منحته إياهما جامعتين كنديان.في حين أن أهم أعماله على الإطلاق هي ديوان «شلالات وايلاه » 1990 المتضمن صورة خيالية حية ومؤثرة للحياة في مجتمع نوفا سكوشيا إلى جانب الوعي بالدور الذي تلعبه اللغة على المستوى الإبداعي وهو ما يتضح في شاعرية هذا العمل الاستثنائي.

بصدور« جورج و رو» يضيف كلارك إلى قائمة إبداعاته الشعرية والنثرية المسرحية و(الأوبرالية والسينمائية) نوعاً آخر من الكتابة الأدبية هو الكتابة الروائية المتميزة هذه المرة بمحاولة الخروج على الشكل التقليدي للرواية بمزجها بتقنيات شعرية مع صياغتها في قالب روائي محكم. يعلق الناقد بيتر كارتي على هذه الرواية بقوله «أثناء محاولة بعض الشعراء كتابة الأعمال القصصية يواجه هؤلاء صعوبة في التوصل إلى بناء قصصي حقيقي يمكنه أن يسهم في إثراء لغتهم».

إلا أن الأمر يبدو مختلفاً تماماً مع كلارك. إن اختياره لموضوع مستوحى من قصة حقيقية ربما يكون هو الذي لعب الدور الأكبر في مساعدته على الكتابة. ومما لا شك فيه أن القارئ سيجد صعوبة في الإفلات من هذه القصة التي تجسد حياة الشقيقين هاملتون التي تعود به إلى حقبة تاريخية غابرة».

تحسس أسا

تحسس أسا قميصه بحثاً عن سيجارة، الشيء الجميل الذي يحتاج إليه أثناء انتظاره مولوداً جديداً لم يخرج بعد إلى الحياة.. كانت احتفالات عيد الميلاد لسنة 1926 ترفرف على المكان كما يرفرف طائر الشؤم.

وكان الشتاء قد نشر في المكان رائحة نتنة. أو كان بالأحرى قد كوم الثلج في المطبخ ليتسنى له تحضير الشاي. أو كان يسعى إلى قهر المطر الجائر، ذلك النوع من البؤس الشديد الذي يتخلل أرضية المكان المغطاة بأوراق الصحف.. لم يكن يحتوي حتى على أي نوع من اللحم الفاسد. كانت أكياس الطحين تقص وتفصل منها القمصان.. كان الخبز يحضر باستخدام عصارة البطاطا بدلاً من الحليب.

كانت صرخاتها تثير الفزع حتى في نفوس الغربان التي تكسو بسوادها الحقول في الليل. أين هي القبلة المتبلدة؟ أما هو فقد أرهقه الانتظار، وأما كينث فقد نال منها التعب والإعياء.

عاد إلى الكوخ ليحضر لها مقبض الملعقة الخشبي لكي تعض عليه بأسنانها. لما وجده وضعه بين أسنانها الخشنة التي تصر. ستأتي أليشا على الفور، هيا اهدئي. تناولت يده الخشنة الكبيرة المليئة بالندوب وأطبقت عليها بيدها، ثم أومأت برأسها.

مقتطف من رواية «جورج و رو»جورج و رو

الكتاب : جورج و رو

الناشر: دار هاربر كولينز ـ كندا 2005

الصفحات: 223 صفحة من القطع المتوسط

George & Rue

George Elliot Clarke

Harper Collins - CANDA2005

P. 223