يهدف كتاب «العالم بين العلم والفلسفة» إلى تبيان أن العلم بمنهجه التجريبي الاستقرائي يتكامل مع الفلسفة بمنهجها العقلي الاستنباطي، من منطلق أن كلاً منهما يسهم في بناء الصورة الكلية المتناسقة للعالم.
ومؤلف الكتاب هو الكاتب البحريني جاسم حسن العلوي المهتم بالدراسات الدينية المقارنة، ودراسة مفاهيم المادة والزمن في ضوء الرؤية العلمية التجريبية والرؤية الفلسفية، وذلك في سياق محاولة لتأصيل الرؤية التكاملية بين العلوم والفلسفة.
وإن كان لا أحد يستطيع أن ينفي بشكل مطلق أن كل الحقائق التي تتناولها العلوم التجريبية ليس وراءها، في المرحلة التي تتجاوز الحس، حقائق أعمق منها وتتكامل معها، فإن أقصى ما يخالط الفكر العلمي التجريبي هو الشك في وجود عالم مجرد يزخر بالحقائق المجردة، أما النفي المطلق لهذا العالم وحقائقه المجردة التي تقف وراء ما نشاهده من الظواهر فهو غير ممكن، نظراً لأن النشاط العلمي التجريبي يقتصر على شؤون وأعراض المادة نفياً وإثباتاً .
وباعتبار أن الوجود الإنساني يزخر بمختلف الظواهر المليئة بالأسرار والخفايا التي تشكل العديد من التحديات أمام الإنسان، وتستثير فيه مشاعر البحث والرغبة في الكشف عن المجهول، فإن الفكر والتأمل كانا يصلان الإنسان بالكون، بغية حلّ ألغازه وكشف خباياه وقد لازما الإنسان منذ لحظة وعيه لذاته وللكون الذي من حوله، أي من لحظة إدراك الإنسان لهذه الثنائية التي تربط ما بين ذاته وبين بقية مظاهر الوجود على اختلاف مراتبه ودرجاته، من حيث الشدة والضعف والاتساع والصغر.
وقد اعتبرت الفلسفة أن الإنسان ذات مفكرة تحمل في كيانها حباً وعشقاً لا متناهياً لمعرفة الحقائق والبحث عن عللها الطبيعية والوجودية ، كونه سعى لتكوين صورة عن الواقع في إدراكاته، تعبّر عن الواقع نفسه أو تعكس الواقع كما هو، دون أن يكون لذاته أي تأثير على صورة الواقع المدرك. وعليه أراد الإنسان أن يكون إدراكه للواقع الخارجي غير ممتزج بذاته التي تشوّه صورة الواقع الحقيقية، فتجعله يُدرك واقعاً ليس الواقع الذي يبحث عنه.
وفي هذا السياق يرى المؤلف أن البحث في مقدرتنا للكشف الواقعي للحقائق يقودنا إلى تساؤلات أخرى تتعلق بالمعرفة الإنسانية ومصادرها، وتبدأ الأسئلة عن نوعية المصادر الأساسية التي نعتمدها للمعرفة، وكيف تنشأ المعرفة عند الإنسان؟ وما هي الركائز الأولية للفكر والإدراك الإنسانيين؟ ثم كيف أنتج الإنسان الأفكار والمفاهيم التي تزخر بها حياته العقلية؟ وهل تنحصر المعرفة البشرية في حدود المحسوس؟
وكذلك هل من العبث توجيه العقل لمعرفة الغيب وما وراء عالم الحس والمادة؟
إن الإجابة عن مثل هذه التساؤلات، بصرف النظر عن نوعيتها، تحدد معالم الصور التي نرى بها الكون والوجود فلسفياً، وتمثل نقطة البداية لبناء نظرية متكاملة عن الكون والعالم الذي حولنا.
وقد أعطت الفلسفة، وبخاصة الفلسفة الغربية الحديثة، أهمية كبرى لمسألة المعرفة الإنسانية (الابيستمولوجيا)، وخاضت نقاشات فلسفية حادة حول المنابع الأساسية للمعرفة البشرية، وحول حدودها التي يمكن أن تمتد وتتسع في ظلها.
وكان للدور الضخم الذي لعبته التجربة العلمية في بناء الحضارة المعاصرة أثره الكبير في إثارة الجدل واحتدام الصراع بين الرؤى العقلية والتجربيبة للمعرفة البشرية.
كما كان للثمار التي حصدتها البشرية من جراء اعتماد الأسلوب التجريبي أثره في انحسار التصور العقلي للكون وبروز الصورة الحسية التجريبية له، الأمر الذي أفضى إلى تصور بعض المفاهيم العقلية المحضة من خلال الخبرة الحسية.
وفي العصر الحديث، زرعت النظرية الكوانتية أو «نظرية الكم» بذور أزمنة فلسفية أخرى تتعلق بواقعية العالم الذري، أي عالم الذرات، وفيما إذا كان العالم الذري امتداداً لواقعية العالم الكلاسيكي أو أن له واقعية منفصلة مستقلة.
وأدى اكتشاف «الفوتون» إلى نشوء ثنائية الموجة والجسيم، أو الموجة - المادة، حيث أصبح البعض ينظر إلى أن المراقب الواعي لهذا العالم يحدد طبيعة ما يود مشاهدته ويتدخل في واقعيته. فإذا أردنا أن يكون العالم الذري ذا طبيعية موجية أو جسمية نقوم بالتجربة التي تعطينا ما نريد.
غير أنه من الصعب أن نفصل بين المشاهد أو المراقب - الواعي - لهذا العالم عن واقعيته، نظراً لأن هذه الواقعية التي نحمل عنها تصورنا الاعتيادي الفطري تأتي من عالم له حقيقة خارجية ويتمتع بخصائص مشابهة للعالم المحسوس من الحركة والموقع والكتلة. وعندما نقوم بفحص هذا العالم الدقيق فإن آلة الفحص تعتبر جزءاً حقيقياً من واقعيته، بمعنى أنها تسهم في تكوين خصائصه.
ونشأ تصور في الفلسفة الحديثة يرى بأن قيمة المعرفة تنحصر في فيما يعود على الإنسان بالفائدة العملية، وليست لها قيمة بذاتها. وعلى خلفية هذا التصور انصبت الدراسات الفلسفية الحديثة على قضايا العلم والتطور التكنولوجي، وانحصرت في الميدان الطبيعي، لذلك بقيت مرهونة بالفكر العلمي.
بينما الفلسفة القديمة، بما فيها الفلسفة العربية الإسلامية، كانت تتحرك في الأفق الأوسع، بوصفها فلسفة تنظر في مطلق الوجود، فتتناول من الوجود المحسوس وغير المحسوس.
وإذا كان التصور العلمي للظواهر الطبيعية محدوداً بين جدران المخابر وأجهزة القياس، فإن العقل يطلّ عليها كي يتلّمس أثرها، وهذه نقطة يتقاطع فيها العقل مع العلوم. لكن التصور الفلسفي يأخذ بعض معطيات التجربة ليوظفها في سياق الاستدلال العقلي، وبالتالي فإن الاختلاف ما بين الرؤية العملية والفلسفية لجملة من المواضيع التي يتناولها العلم والفلسفة هو شكل من أشكال التكامل ما بين الرؤيتين.
ذلك أن للحقائق مراتب ودرجات، فالحس يدرك مرتبة، والعقل ـ بمساندة الحس ـ يدرك مرتبة أعمق، وهكذا تتكامل المعرفة. لكن العلم لا ينحصر في المنهج التجريبي الاستقرائي، وكذلك الفلسفة لا تستند إلى المنهج العقلي الاستنباطي وحسب، بل تتعداها إلى منهجيات أخرى، مختلفة ومتنوعة باختلاف الفلسفة واختلاف العصور والأزمنة.
إن الهدف الكتاملي ما بين العلم والفلسفة، الذي يريد المؤلف تبيانه، قاده إلى تناول مواضيع عديدة في هذا الكتاب، بدءاً بماهية المادة، والزمان، والواقعية، والسببية، وصولاً إلى تناول مشكلة الاستقراء والنظرية الكوانتية.
فالزمان والمكان في الفيزياء الكلاسيكية وجود ذاتي مستقل عن الموجودات المادية، لذلك فهما يتصفان بصفة المطلق بينما تعطيهما النظرية النسبية صفة النسبية، إذ الزمن هو مقدار حركة الجسيم العرضية، والمكان صفة ملازمة للموجود المادي.
وما دامت الحركة في النظرية النسبية تعطي الزمن نشأته، فإن من الطبيعي أن يختلف الزمن باختلاف المرجعيات المتحركة والساكنة، ذلك أن الارتباط بالزمان والمكان هو ارتباط عرضي،
حيث لا تنفصل هوية الزمن عن هوية المكان، ويبدو الزمان ظرفاً تصنعه حركة الجسم الذي يتخذ موقعاً في الفضاء بالنسبة إلى منظومة إحداثية ما. وهذه الخلاصات لاتفسّر شيئاً، إذ لابد في كل مرة من الوقوف وراء التطور العلمي التاريخي الذي أدى إلى تكوين الرؤية العلمية لهذه المواضيع، وكذلك التعرض للتصور العلمي الفلسفي العقلي للمدرسة الفكرية اليونانية والإسلامية، نظراً لما كان لهذه المدرسة من رؤية فلسفية عقلية عميقة، ذات بعد تاريخي، والتزام بالمنطق الأرسطي.
وقد حاول العقل، بعيداً عن المنهج العلمي الحديث، أن يبحث عن الأصل الذي تندمج فيه كل مفردات العالم في وحدة وجودية مادية واحدة، ويكاد الفلاسفة اليونانيون الذين بحثوا في هذا الاتجاه أن يجمعوا على وجود أصل طبيعي واحد فيه تجتمع كل الأشياء وتنبثق عنه. لكنهم اختلفوا في تحديد هوية هذا الأصل المادي. وعليه أرجع طاليس الأصل الطبيعي الأحادي للعالم إلى الماء معتبراً أياه المادة الوحيدة المكونة للطبيعة وأصل الحياة والوجود.
ويرى المؤلف أن من الضروري النظر إلى العالم علمياً وفلسفياً في إطار جامع يجعل التكامل المعرفي الهدف المتطلع إليه. لأنه ليس من المفيد أن نفصل الحسي عن العقلي وأن نسوق المعارف في خطين متوازيين لا يلتقي فيهما العلمي التجربي مع الفلسفي العقلي. ويعتقد بأن عملية الفصل هي تجزئة الإنسان إلى حس يتعامل مع المادة وظواهرها وعقل يتعامل مع المجردات، بينما الحس والعقل في الإنسان يعبران عن وحدة و تكامل، ويعبران عن وحدة الإنسان الفيلسوف والعالم.
كذلك، فإن من مميزات العقل الإنساني أن لديه اتجاها توحيدياً على المستوى الطبيعي والديني، وهذا الاتجاه الذي يمكن أن يوصف بأنه حلم عزيزي كامن في الذات الإنسانية يدفع بها دائماً للبحث والكشف عن وحدة في عمق العالم تفسّر كل مايحتويه من مظاهر التنوع والاختلاف، وهذه النزعة الغزيرة تتحرك في الاتجاه نفسه على الصعيد الديني، من جهة تتطلعها إلى قدرة لا نهائية، قادرة على خلق كل هذا الكون بما فيه. وبالتالي يعتبر المؤلف أن الاتجاه التوحيدي نزعة متأصلة في النفس ويجب أن تنعكس أيضاً على الجانب المعرفي.
وانطلاقاً من هذه الروح التوحيدية التي يحملها الإنسان للكون، يطالب المؤلف بالتحرك وفقها على صعيد الوحدة المعرفية بين العلم والفلسفة، ذلك أن التكامل المعرفي هو الذي يعطي صورة كلية، واضحة المعالم، للكون.
عمر كوش
الكتاب: العالم بين العلم والفلسفة
الناشر: المركز الثقافي العربي بيروت 2005
الصفحات : 182 صفحة من القطع الصغير