احتفظت الأندلس في المخيال العربي بصورة الفردوس الضائع، وكانت مراحل انحسار السلطة العربية فيها نموذجاً دالاً على درامية هذا التاريخ بما حمله من معان ورموز ودلالات، ولذلك فإن الاهتمام العربي بدراسة الحياة العلمية والأدبية فيها يأتي في سياق هذه العلاقة، بهدف التأكيد على الدور الحضاري والثقافي الذي لعبه الوجود العربي هناك.
وكتاب الدكتور محمد مسعود جبران المدرس في جامعة الفاتح في طرابلس الغرب بليبيا، وصاحب العديد من المؤلفات المختصة في الأدب الأندلسي، الذي صدر مؤخراً عن المجمع الثقافي في أبوظبي (مالك بن المرحَّل: أديب العدوتين) هو إضافة جديدة تضيء حقبة تاريخية مهمة من تاريخ العرب هناك، وتعرض لإنجازات أحد أعلام القرن السابع الهجري في الأدب والشعر والنحو.
يتألف الكتاب من مقدمة وثلاثة أبواب يتفرع كل باب منها إلى عدد من الفصول، تبحث في الجوانب التاريخية والسياسية والاجتماعية للعصر الذي عاش فيه، وفي حياته الخاصة التي عاشها ومظاهر ثقافته ومؤلفاته وآثاره الأدبية، إضافة إلى تحقيق أشعاره وكتاباته النثرية. وقد قدم للكتاب الدكتور عبدالحميد الهرامة الخبير حالياً في المنظمة الإسلامية للتربية والثقافة والعلوم فأشار إلى ما يميز هذا المؤلف عن غيره من المؤلفات السابقة،
لاسيما على مستوى التدقيق والبحث في حياة الأديب وشعره ومؤلفاته، حتى يعتبر هذا الكتاب وثيقة صادقة عنها وعن أحداث عصره. يبين المؤلف في مقدمته الدوافع التي حفزته على إنجاز هذا الكتاب، والمتمثلة في القيمة الفنية لإبداعاته، وضياع قسم من مختارات شعره، إضافة إلى اعتراف أهل عصره بالنبوغ والتفوق اللذين تميز بهما في علوم الآلة وعلوم المقاصد، كما يشير إلى الجهد الكبير الذي بذله في الحصول على أكبر قدر من آثاره الشعرية والنثرية، والزمن الذي لم يكن بالقصير من أجل ذلك.
ومن خلال تسلسل فصول الكتاب يتضح المنهج التاريخي الذي اعتمده في هذه الدراسة، التي استغرقت بابها الأول ثلاثة فصول، تناول في الفصل الأول منها الحياة الاجتماعية خلال القرن السابع الهجري، والعوامل المادية والمعنوية التي ساهمت في رسم ملامح تلك الحياة وفي مقدمتها الدور الذي لعبه العنصر البربري والعنصر العربي الذي امتزج مع الأول بعد الفتوحات الإسلامية للمغرب العربي، إضافة إلى الدور الذي لعبه العنصر السوداني والصقالبة والروم والغز الأتراك الذين جرت الاستعانة بهم في عهد دولة المرابطين والدولة الموحدة.
وفي المبحث الأول يتحدث عن الحياة الاقتصادية التي شهدت ازدهاراً مع تقدم الزراعة والصناعة والتجارة، ما انعكس على واقع الحياة الاجتماعية التي شهدت نوعاً من الترف والرفاهية واللهو. أما في المبحث الثاني فيتناول الحياة السياسية التي شهدت عقودها الأولى من حياة بن المرحل تقهقراً سياسياً رهيباً بفعل الانهيار المتتالي للمدن العربية في الأندلس،
وقد انعكس ذلك اضطراباً أصاب تلك الحياة، واكبه في مرحلة لاحقة ظهور الدولة المرينية في المغرب، أما على المستوى الثقافي فإن تأثير ذلك جرى الحد منه مع ظهور الدولة المرينية، التي أنشأت نهضة علمية محدودة عمت عدداً من مدن المغرب وأنتجت أعلاماً لعبوا دوراً بارزاً في الحفاظ على الثقافة العربية، الإسلامية.
بعد هذه الدراسة التاريخية، ينتقل في الفصل الثاني إلى دراسة نسب بن المرحّل الذي سميت عائلته بهذا الاسم بسبب رحيلها من مدينة شنتمرية إلى ملقة بعد سقوطها بيد الأسبان، في حين أن المقصود بالعدوتين هو الطوران من حياته، أثناء إقامته في العدوة الأندلسية، وفي العدوة المغربية بعد رحيله إليها،
فهو ولد في أوائل النصف الأول من القرن السابع الهجري سنة 604 هجرية في مدينة ملقة بالأندلس وأخذ علومه وأدبه عن عدد من أعلام عصره، وبعد رحيله إلى المغرب تنقل بين مدن عدة كان يلقي فيها علومه وأدبه على تلاميذه، وقد قامت خصومات عديدة بينه وبين عدد من الأدباء بسبب ما كان يتمتع به من شهرة وعلم.
الفصل الثالث مخصص للبحث في طبيعة آثاره وملامح فكره، إذ يبدأ بدراسة مظاهر ثقافته وأبعادها منذ تكوينه الأول على أساس الطرق التعليمية الأندلسية الشاملة والمتنوعة، التي جعلت ثقافته تتوزع على الأدب وعلوم المقاصد والشريعة، وعلم الفقه، والتاريخ، وقد ظهر ذلك واضحاً في مؤلفاته التي تقسم منهجياً إلى قسمين، قسم وصلت أسماؤه وعنواناتها لكنه لم يتم الاهتداء إلى مكانها، وقسم متوفر بين أيدي الباحثين، ثم يذكر الباحث أهم الذين تتلمذوا على يدي بن المرحَّل.
الباب الثاني الذي عني بدراسة آثاره الأدبية يقدم أولاً نظرات في الشعر والمنظومات التي كتبها بن المرحَّل، ومن خلالها يدرس شاعريته التي تميزت بقوة المعاني وجمالية المباني في زمن شهد الشعر فيه ضعفاً وانحساراً، حتى صار يضرب المثل بشعره، وعلى طريقة المنهج التقليدي في الدراسة الأدبية،
يتناول الباحث أولاً الأغراض في شعره، حيث يقسمه وفقاً لذلك إلى قسمين اثنين هما الشعر الوصفي والشعر النفسي والمعرفي، ثم يوضح أن المقصود بالشعر الوصفي هو الشعر الغنائي الذي يصور خلجات النفس اتجاه مواقف ومشاهد محددة، ويتوزع هذا النوع على شعر النسيب والتشبيب، وشعر الوصف الخاص بالطبيعة ومظاهر الحضارة وأحوال الناس الفخر والمدح والهجاء.
ويتوزع الشعر النفسي والمعرفي على شعر الجهاد والزهد والمدائح النبوية أما الشعر التعليمي الذي يراد به نظم العلوم والفنون المعرفية فإن أغلبه قد فقد، وما يميزه أن بن المرحَّل نظمه على وزن واحد وقافية واحدة في مطولات كبيرة، وينتقل الباحث في القسم الثاني لدراسة الأشكال الشعرية، فيدرس البنية الموسيقية في أشعاره، من خلال مظهر الهيكلية، ومظهر الأوزان والقوافي، وكذلك الموسيقى الداخلية والألفاظ والتعطف أو الترديد والمحاذاة والتكرار والموازنة،
كما يتناول البنية اللغوية في أشعاره، التي اتصلت بذاتية الشاعر وثقافته المتنوعة، والعوامل التي ساهمت في تكوينها، كما يدرس البنية البلاغية من حيث التصوير بالتشبيه والتصوير بالاستعارة والتصوير البديعي، إلى جانب الاقتباس والتضمين.
ويفرد فصلاً خاصاً لدراسة آثاره النثرية، يشير في بدايته إلى أن تلك الآثار لم تصل كاملة، وإنما وصلت قطوف متفرقة منها، ثم يوزّع تلك الدراسة على عدد من المحاور، يتناول في المحور الأول فن الرسائل بما فيها الرسائل الديوانية التي كتبها في دواوين الإنشاء في بعض البلاطات ورسائل المزاوجة والرسائل الإخوانية. وفي المحور الثاني يدرس فن المقامة عنده من حيث المضمون والبناء الفني، ويخصص المحور الثالث لفن النقد والمناظرة كما تجلى في لمحات قليلة دالة في شعره ونثره وقطوفه المتبقية.
الباب الثالث والأخير مخصص للتحقيق، وفيه تحقيق لأشعار بن المرحَّل ومنظوماته في موضوعات شتى جرى توزيعها على حروف الأبجدية، ولآثاره في فن النثر لاسيما المقامة النجدية والرسالة الإخوانية ورسالة المزاوجة. وكذلك مناظرته لابن أبي الربيع النحوي في مسألة كان وماذا ورسالتيه في عروض الدوبيت التي أضافت تفعيلات جديدة إلى تفعيلات العروض المعروفة في العربية.
ويضم الكتاب في نهايته عدداً من الفهارس أولها فهرس الآيات القرآنية والأحاديث النبوية وفهرس الأمثال والأشعار والدوبيت، وفهرس الأعلام والأجناس وكتب النثر، وفهرس البلدان والمواضيع، وأخيراً فهرس المصادر والمراجع التي قاربت ثلاثمئة مرجع وموسوعة، وملحق مصور لآثاره ومخطوطاته المتبقية حتى الآن.
مفيد نجم
الكتاب: مالك بن المرحَّل أديب العدوتين
الناشر: المجمع الثقافي ـ أبوظبي 2005
الصفحات: 624 صفحة من القطع الكبير