مؤلف هذا الكتاب هو أستاذ علم الاجتماع بجامعة عين شمس المصرية (د. سعيد ناصف) والذي يسعى من خلال دراساته وأبحاثه المتعددة للمزج بين علمي الاجتماع والتاريخ، في ضوء الاهتمام المتنامي من جانب عدد من المؤرخين وعلماء الاجتماع بدراسة الظروف البنائية والتاريخية التي أسهمت في ظهور المدن، بما تمثله من خصائص اجتماعية واقتصادية وسياسية وثقافية.
أما الدراسة التي يحتويها هذا الكتاب فتقوم على مفهومين أساسيين، هما: مفهوم الإسلام، بوصفه أسلوباً للحياة، ومفهوم المدينة الإسلامية، التي ترتكز فيها مظاهر الحضارة الإسلامية المميزة، كالمساجد الكبرى والمدارس الدينية، والزوايا الصوفية.. الخ، والتي تمثلها القاهرة، في هذه الدراسة وذلك خلال الفترة من 969م الى 1517م. وقد جاءت الدراسة في سبعة فصول، عدا المقدمة والخاتمة،
ويتناول الفصل الأول منها عرضا نظريا ونقديا للمفاهيم الغربية التي تناولت ظاهرة التحضر، بغية الكشف عن مدى إمكانية مقاربة هذه النظريات على المدينة الإسلامية، التي ظهرت وتطورت في ظروف بنائية وتاريخية مختلفة عن المدن الغربية التي تبلورت هذه النظريات كانعكاس لها، بينما يتناول الفصل الثاني المدينة الإسلامية من حيث متغيرات النشأة والاستمرار،
فيما خصص الفصل الثالث لتحليل البنية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والإدارية للمدينة الإسلامية، في حين تعرض الفصل الرابع للظروف البنائية التي مهدت لدخول الفاطميين الى مصر، وتأسيس القاهرة، واختص الفصل الخامس بتحليل ملامح البنية الاقتصادية، وانعكاساتها على القاهرة، وركز الفصل السادس على خصائص النظام السياسي والإداري للفاطميين، واستعرض الفصل السابع والأخير طبيعة البنية الاجتماعية للقاهرة، ونمطها التخطيطي والسكاني.
وفي هذا يشير المؤلف، في الفصل الأول، الى سيادة اتجاهين نظريين يكاد ينطلق منهما معظم علماء الاجتماع الغربيين في دراسة المدينة حيث يرى الأول أن جوهر المدينة يتمثل في تركز عدد كبير من السكان في منطقة محددة، وينطلق الثاني من دراسة الأنماط السلوكية، بوصفها الأساس المحدد للعمليات التي من خلالها تنمو المدن أو تنكمش.
بيد أن المؤلف يرى أن هذه الاتجاهات تنطلق من متغيرات تختلف عن تلك التي أدت الى نشأة المدينة الإسلامية في العصور الوسطى، بل إن مقولاتها الأساسية لا تصلح في أحيان كثيرة للتعميم على كل المجتمعات الأوروبية ذاتها، الى جانب اغفالها للبعد الديني، على الرغم من اقرار أحد رواد علم الاجتماع الحديث وهو ماكس فيبر بالدور الذي لعبته البروتستانتية في نشأة الرأسمالية الأوروبية.
واستنادا الى ذلك دعا المؤلف الى الإعلاء من شأن المدخل التاريخي في تفسير ظاهرة المدينة عبر إخضاع المادة التاريخية للتحليل السوسيولوجي، اعتمادا على المفاهيم والمقولات التي تستخدم في مجال الدراسات الاجتماعية.
وعلى هذا لجأ المؤلف، في الفصل الثاني، الى إخضاع مجموعة من المفاهيم والقضايا التي تتعلق بالتعرف على طبيعة الظروف الاجتماعية والاقتصادية والدينية لشبه جزيرة العرب، قبل الإسلام، وذلك بغية رصد فحوى التحولات التي شهدتها هذه المنطقة بعد ظهور الإسلام، حيث لاحظ المؤلف أن مكونات تلك المنطقة تتشكل من ثلاثة مجتمعات أساسية هي المجتمع الحضري،
الذي احتلت فيه الزراعة أهمية حيوية في نشاطه الاقتصادي والمتمثل في اليمن، والمجتمع شبه الحضري أو مجتمع المستوطنة، والذي تتركز الزراعة حول أو في بعض المدن مثل الحجاز والساحل الشرقي والجنوبي من الجزيرة، إضافة الى يثرب ـ خيبر، الطائف، تيماء، وأخيرا المجتمع البدوي والرعوي، والذي اشتمل على باقي مساحة الجزيرة. ويستخلص المؤلف من ذلك ان مجتمع الجزيرة، قبل الإسلام، قد شهد نموذجين من المراكز الحضارية، الأول تجاري، متمثل في (مكة) والثاني زراعي وهو يتجلى في (يثرب)، وهو ما أدى الى اتساع الفجوة بين البدو والحضر، ومن ثم الى انحلال القيم التقليدية، وظهور قيم الكسب والجاه والرفاهية الفردية،
وما ترتب على ذلك من حس فوضوي وبحث عن الخلاص، كما يقول المؤلف، الذي يشير الى دور الإسلام في هذا الشأن، من جانب رؤية بعض العلماء الغربيين بوصفه «نظاما كاملا» و«ثورة ثقافية» اسهما في تشييد نمط جديد من المدن، باعتبار الإسلام دينا حضريا، وهو النمط الذي اتسم بالطابع التجاري والديني المحض حيث المسجد الكبير والسوق يقعان في مركز المدينة، وتحيطهما أسوار منيعة.
لذا مثلت فئتي التجار وعلماء الدين فئتين متميزتين للمدينة الإسلامية، إلا أن الروابط العديدة التي جمعت بينهما ـ كما يقول المؤلف، في فصل تال - لم تشكل تحديا صريحا لسلطة المدينة السياسية، كما أضفت إسلامية المدينة روحا من التعاون والإخاء بين مختلف الفئات والشرائح، بالرغم من اختلاف مللهم ونحلهم، فتمتع اليهود والنصارى بالحرية في ممارسة الأنشطة المختلفة.
وتحت عنوان: «مدينة القاهرة: رؤية تاريخية» يتناول المؤلف في الفصل الرابع أوضاع المجتمع المصري، قبل وبعد الفتح الإسلامي له، ودور العرب في تأسيس المدن السابقة على القاهرة، مثل الفسطاط والعسكر والقطائع ثم الظروف التي أدت الى تأسيس القاهرة من خلال تحليل بنائي - تاريخي للمدينة، خلال العصور الفاطمية والأيوبية والمملوكية والذي خلص المؤلف من خلاله الى وجود عاملين أساسيين كان لهما تأثير واضح في تحديد مواقع العواصم المصرية،
منذ فجر التاريخ، وهما العامل الطبيعي، والعامل السياسي، حيث عبر الأول عن ذلك التجاذب الطبيعي لنهر النيل، كمصدر لمياه الشرب، فيما عكس الثاني أهمية وجود العاصمة عند ملتقى إقليمي مصر الكبيرين، أي الدلتا والصعيد، لذا جاء موقع القاهرة في قلب مجمع الوادي وملتقى فرعيه وصحراويه.
وحول ملامح البنية الاقتصادية للمجتمع المصري، وانعكاساتها على القاهرة، يشير المؤلف، في فصل تال، الى أن الأرض الزراعية في هذا البلد كانت ملكا للدولة الإسلامية، منذ الفتح العربي لها، حيث قام الخليفة (عمر بن الخطاب) بحصر الأراضي التي كانت ملكا للأفراد والدولة التي سبقتهم في حكم مصر، واحتفظ بملكيتها وأقطعها كحق انتفاع لبعض الفئات الاجتماعية، دون أن يحظوا بملكيتها،
فبينما اتبع الحكام العرب لمصر سياسة استنزاف جزء كبير من الفائض الاقتصادي لهذا البلد لصالح المقر الرسمي للخلافة، وهو ما حمل الفلاحين المصريين ـ في معظمهم ـ على الهروب من قراهم، بينما لجأ من تبقوا في قراهم الى كبار الملاك والأمراء لوضع أملاكهم تحت حمايتهم، مما أدى الى انتقال ملكية هذه الأراضي الى الحماة، ومن ثم فقد هؤلاء الفلاحون أراضيهم تدريجيا، فيما شاع إقطاع التمليك وإقطاع الاستغلال، بدعم من الدولة الفاطمية، حتى وصل الى جميع الأراضي المزروعة، في عهد الأيوبيين.
بيد أن المؤلف يرى أن المجتمع المصري قد شهد تقدما اقتصاديا واضحا خلال العصر الأول من الحكم الفاطمي، نتيجة استغلال الفائض الاقتصادي داخل المجتمع، وتحول مصر الى خلافة مستقلة، ذات موارد مالية متعددة، حتى صارت القاهرة واحدة من أشهر المراكز الفنية والصناعية، وذلك بفضل نظام دقيق للتحكم في وسائل الإنتاج، والمتمثل في نظام «الطوائف الحرفية».
ومع ذلك، فقد أوضح المؤلف، في الفصل السادس أن تعاظم قوة الدولة المركزية، خلال العصر نفيه، أدى الى الاعتماد على جهاز إداري (بيروقراطي) ضخم، لدعم سيطرتها على المجتمع، وذلك من خلال جناحيه المدني والعسكري، الذي تضخمت ثرواته بشكل هائل.
وبالمقابل، خصص المؤلف جانبا من الفصل الأخير لنظام الطوائف الحرفية وسلطة شيخ الطائفة في القاهرة، والذي وجد بدرجات متفاوتة في كثير من المدن الإسلامية الأخرى، كدمشق وبغداد، حيث شهدت المدن الثلاث ارتفاعا ملحوظا في عدد العاملين بالصناعات الحرفية، بينما كان يتولى شيوخ الطوائف دور الوسيط بين طوائفهم والأجهزة الحكومية الإدارية والسياسية الى جانب إشرافهم على طوائفهم من الداخل، وحل النزاعات التي تنشأ بين أبنائها، من جانب، والخلافات بينها وبين الطوائف الأخرى، من جانب آخر.
فكري عبدالمطلب
الكتاب: المدينة الإسلامية ـ دراسة في نشأة التحضر
الناشر: مكتبة زهراء الشرق القاهرة 2005
الصفحات: 276 صفحة من القطع المتوسط