مؤلف هذا الكتاب هو الباحث ستيفن هولغيت أحد المختصين بفكر هيغل والفلسفة الألمانية وهو يقدم هنا مدخلاً ممتازاً إلى فلسفة هذا المفكر الذي ملأ الدنيا وشغل الناس منذ قرنين ولا يزال، فالفكر الحديث كله ناتج عن هيغل بشكل من الأشكال وقد استطاع هذا الفيلسوف العبقري أن يشكل نظاماً فلسفياً متكاملاً حيث درس فيه الدين والأخلاق والسياسة والدولة والمجتمع ... الخ. لم يترك شيئاً إلا وتحدث عنه، وربما كان آخر فيلسوف شمولي في التاريخ.
إنه أرسطو العصور الحديثة فكما أن المعلم الأول تحدث عن الفيزيقا والميثافيزيقا والمنطق والبلاغة والشعر والسياسة والأخلاق والدين ... الخ.
فإن هيغل فعل الشيء ذاته في النصف الأول من القرن التاسع عشر ولذلك اعتبره البعض بأنه ذروة الفلسفة المثالية الألمانية ثم يقول المؤلف: لقد تأثر هيغل بكانط بدون شك لأن كانط كان أستاذاً لكل مثقفي ألمانيا في ذلك الزمان ولكنه حاول أن يتجاوز أستاذه، وقد تجاوزه في أشياء عديدة من هنا عظمة هيغل.
وأما الأحداث الأساسية التي أثرت على فكر هيغل وفلسفته في التاريخ هي الثورة الفرنسية التي اندلعت وعمره تسعة عشر عاماً، ثم شخصية البطل نابليون بونابرت الذي غزا ألمانيا ورآه لأول مرة على حصان، ثم الثورة الصناعية الانجليزية التي غيرت وجه العالم.
وأما عن حياته فيقول المؤلف ما معناه: لقد ولد هيغل بتاريخ 27 أغسطس من عام 1770 في عائلة تنتمي إلى البورجوازية الصغيرة لا من والده كان موظفاً في الدولة. وبعد أن أنهى دراساته الثانوية في مدينته الأصلية شتوتغارت دخل إلى كلية اللاهوت الشهيرة في مدينة توبنغين.
وهناك درس التاريخ وفقه اللغة الألمانية والرياضيات بصحبة صديقه هولدرلين الذي سيصبح شاعراً كبيراً فيما بعد. وقد نشأت بينهما علاقة صداقة حميمة وعميقة. وهناك قرأ كتب جان جاك روسو وكانط على ضوء أحداث الثورة الفرنسية.
ثم التحق به شاب آخر سوف يصبح فيلسوفاً كبيراً فيما بعد هو شيلنغ. وقد حصل تنافس بينهما أدى إلى نوع من الخصومة وسوء التفاهم. وفي عام 1790 نال هيغل شهادة التبريز في الفلسفة. وبعدئذ أصبح مربي أطفال لدى عائلة غنية في مدينة بيرن بسويسرا.
وقد بقي هناك حتى عام 1796. وفي عام 1795 ألّف أول كتاب له تحت عنوان «حياة يسوع». ثم راح يدرس بشكل منهجي منتظم مؤلفات كانط وفيختة في مدينة فرانكفورت بين عامي 1797 - 1800. ثم يردف المؤلف قائلاً: وفي عام 1801 انتقل إلى مدينة «يينا» التي تحتوي على جامعة مهمة وحيث ان شيلنغ حل محل فيخته كأستاذ جامعي. وهناك انخرط في الكتابة والبحث والمناقشات الفلسفية إلى أقصى حد ممكن. ثم أصبح أستاذاً مساعداً في نفس الجامعة. ولكن راتبه كان ضعيفاً جداً.
وفي عام 1807 أنهى هيغل تأليف كتابه الشهير «فينومينولوجيا الروح (أو علم تجليات الفكر والروح). ثم أصبح رئيس تحرير لإحدى الجرائد الألمانية. ولكنهم طردوه من هذا المنصب بعد سنة واحدة لأسباب سياسية. فقد كانت أفكاره ثورية أو تقدمية أكثر من اللازم. ثم ألّف كتاباً مدرسياً في عدة أجزاء بين عامي 18121816 تحت عنوان «علم المنطق».
وقد تزوج هيغل عام 1811 وولد له طفلان: الأول سيصبح أستاذ تاريخ، والثاني أصبح قساً بروتستانتياً.. ثم نال منصباً جامعياً مهماً في جامعة هايدلبرغ عام 1816. وفي عام 1817 نشر كتابه «موسوعة العلوم الفلسفية. وعندما مات فيخته الذي كان يحتل كرسي الفلسفة في جامعة برلين حل هيغل محله عام 1818. وكان ذلك أكبر منصب يمكن أن يحلم به فيلسوف في ذلك الزمان. وعندئذ ازدادت شهرته وأصبحت عالمية تقريباً. ولكن البعض أخذوا عليه موقفه السياسي المحافظ واعتبروه بمثابة المفكر الرسمي للنظام الملكي البروسي.
وهكذا هاجمه التقدميون أو الليبراليون. ولكن بعد فترة من الزمن راح النظام نفسه يشتبه به. وعندئذ أصبح يتلقى الضربات من كلا الطرفين. وفي عام 1821 نشر هيغل كتابه «مبادئ فلسفة القانون. وفي عام 1827 سافر إلى منطقة فايمار حيث استقبله غوته، ثم سافر بعدئذ إلى باريس حيث رحب به فيكتور كوزات وبعض المثقفين الفرنسيين الآخرين. ومات هيغل بمرض الكوليرا عام 1831 وعمره واحداً وستين عاماً فقط. وبالتالي فإن كتبه عن الجماليات، وفلسفة الدين، وفلسفة التاريخ، لم تنشر إلا بعد موته.
ثم يردف المؤلف قائلاً: إن تلخيص فلسفة ضخمة كفلسفة هيغل أمر صعب جداً. فالمرء يخشى أن يشوه فكره إذا ما بسَّطه أكثر من اللزوم. كان هيغل يرى ان ما يتحقق في التاريخ عبر الصراعات الدامية والأهواء البشرية المتعارضة والهائجة هو الفكر أو الروح: أي العقلانية العميقة. فالتاريخ عقلاني على الرغم من إنه يبدو لنا فوضوياً، مليئاً بالحروب والظلم والقهر. وذلك لأن العقل هو الذي يحكم العالم والتاريخ بحسب النظرة المتفائلة لهيغل.
فالتاريخ كان عقلانياً وسيبقى على الرغم من كل المظاهر الخادعة والتي تقول العكس. والتاريخ لا يمكن أن يفهمه إلا عقل الفيلسوف. كان هيغل يقول بالحرف الواحد: ينبغي أن ننظر إلى التاريخ بعين العقل التي هي وحدها القادرة على اختراق السطح المبرقش للأحداث اليومية..
فالتاريخ، طبقاَ لتصورات هيغل، يسير باتجاه هدف معين يدعوه فلسفياً بالفكرة العليا أو الروح المطلقة: أي الوعي بالذات، هذا الوعي الذي يجعل الإنسان حراً. التاريخ يمشي في اتجاه المزيد من العقلانية، والأخلاق، والحرية. هذا هو هدف التاريخ النهائي والأخير. إنه يهدف إلى تحقيق السعادة للبشر على هذه الأرض، وكذلك تحقيق التقدم المادي والمعنوي.
هل ينبغي أن نستنتج من ذلك أن الناس في عصرنا أكثر عقلانية وأخلاقية وحرية مما كانوا عليه في الماضي؟ لا. ولكن ما هو مضاد للعقلانية والأخلاق والحرية ما عادوا يتحملونه كما في السابق، وإنما أصبحوا يشجبونه أكثر فأكثر. لنضرب على ذلك المثل التالي: عندما كانت الكنيسة الكاثوليكية تحاكم المفكرين في القرون الوسطى أو حتى في عصر النهضة وتعدمهم كما حصل لجيوردانو برينو وآخرين ما كان أحد يحتج على ذلك.
كانوا يعتبرونه شيئاً طبيعياً أو عادياً لأن الكنيسة معصومة ولا تناقش. ولكن عندما قتلوا المفكرين أو حتى الناس العاديين في القرن الثامن عشر احتج فولتير على ذلك ومعه كوكبة من المثقفين.
وأما في القرن التاسع عشر فعندما أدانوا الضابط دريفوس بتهمة الخيانة العظمى وهو بريء فإن إميل زولا احتج على ذلك ومعه ليس فقط المثقفين وإنما جزء لا يستهان به من الرأي العام.. وهكذا نلاحظ أنه يوجد تطور على مدار التاريخ من قرن إلى قرن. واليوم أصبح الحكام في الدول الأوروبية يخشون رأيهم العام إلى حد لا يكاد يصدق. ولو سمع بذلك ملوك العصر لم يكن هناك أي وزن للشعب أو للرأي العام. وبالتالي فالذين يقولون بأنه لا يوجد تقدم في التاريخ مخطئون.
ثم يردف المؤلف قائلاً: بالنسبة لهيغل فإن التاريخ الكوني أو تاريخ العالم لا يهتم بالأشخاص الفرديين وإنما يهتم بالفرد الكوني أي بالشعب ككل وبروح هذا الشعب. وهذا ما ندعوه الآن بخصوصية الشعب الألماني، أو الفرنسي، أو العربي الإسلامي ... الخ.
فكل شعب له روح جماعية لا يعرفها أو لا يحس بها إلا الأبطال أو الشخصيات الاستثنائية. ولهذا السبب ندعوهم بالأبطال. فهم مفعمون بروح الشعب ويتمتعون بحدس داخلي خارق على عكس بقية البشر.
وهؤلاء يصبحون عادة قادة للبشر. وبالتالي فالبطل التاريخي هو ذلك الشخص الذي يستشعر بما يطمح إليه وعي البشر في عصره ويحققه لهم. إنهم يطمحون إليه بشكل مبهم، غامض. ولكنه وحده يعرف ما هو ويعرف الطريق للوصول إليه. ولذلك فإنه يدل الناس على هذا الطريق من أجل تحقيق أمنية شعبه.
وهذا ما يفسر الإجماع الذي يتحقق حول الرجل العظيم أو البطل. فالرجل العظيم بدون الشعب لا شيء. ولكن الشعب بدون الرجل العظيم لا يعرف كيف يمسك بأول الخيط الذي يؤدي إلى الطريق الصحيح، إلى الحل، إلى الفجر.
وبالتالي فالشعب بحاجة إلى الرجل العظيم لكي يستشعر بمطامحه وآماله ولكي يحققها. وكل شعب له خصوصيته التي يتجه نحوها والتي تشكل جوهره، أو غايته، أو هدفه الأعلى في الحياة.
ثم يردف المؤلف قائلاً: إن مسار روح العالم بالنسبة لهيغل يهدف في النهاية إلى تأسيس الدولة التي تحقق الحرية والسعادة لكل المواطنين بدون استثناء. وفي الدولة تتحقق الحرية بشكل موضوعي. وبالتالي فغاية التاريخ هي الدولة، وغاية الدولة هي الحرية.
وإذا كان العقل يحكم العالم ويتجسد في التاريخ إلا أن المظهر السطحي للتاريخ يوحي لنا بأنه فوضى أو جنون أو عنف أعمى لا غاية له ولا عقلانية. ولذا فينبغي علينا أن نفرق بين التاريخ العميق أو الحقيقي، والتاريخ الظاهري السطحي. والشر في نظر هيغل ليس كله شراً. فلولاه لما اكتشف الناس الذين يصنعون التاريخ معنى الخير.
ضمن هذا المنظور الهيغلي الواسع يصبح للشر معنى ولا يعود شيئاً عبثياً أو اعتباطياً أو شاذاً. وإنما يصبح شيئاً ضرورياً لتحقيق التقدم في التاريخ. هذه هي فلسفة التاريخ العريضة لهيغل، وهي فلسفة جديرة بالتمعن والاهتمام لأنها تنطبق على الواقع العربي والإسلامي اليوم إذا ما أحسنا فهمها وتطبيقها.
الكتاب: مدخل إلى هيغل
الناشر: بلاك ويل بوبليشر ـ نيويورك 2005
الصفحات: 336 صفحة من القطع المتوسط
AN INTRODUCTION TO HEGEL
STEPHEN HOULGTE
BLACKWELL PUBLISHERS NEW YORK2005
P. 336