مؤلف هذا الكتاب هو الباحث ستيوارت ماكنتاير المختص في الشؤون الأسترالية. وهو هنا يقدم لمحة تاريخية عامة عن هذا البلد الذي يشكل قارة بأسرها، والذي هو تابع للمعسكر الغربي الأوروبي ـ الأميركي من حيث اللغة والحضارة والثقافة. ومنذ البداية يقول المؤلف بما معناه: أستراليا بلد يقع جنوب المحيط الباسفيكي. إنه عبارة عن قارة موجودة داخل ذلك المحيط.
وهو بلد ملكي برلماني دستوري. ويمثل المرتبة السادسة في العالم من حيث المساحة الجغرافية. وتشتمل أستراليا بالإضافة إلى الجزيرة الأصلية على مجموعة جزر صغيرة، والبلدان المجاورة لأستراليا من الناحية الجغرافية هي نيوزيلندا الجديدة، واندونيسيا في جهة الجنوب الشرقي، أما منطقة تيمور الشرقية فتحدها من جهة الشمال.
ويقول علماء التاريخ إن أول حضور بشري في تلك البلاد يعود إلى خمسين ألف سنة وأما فيما يخص التاريخ القريب فيمكن القول إن أستراليا اكتشفت من قبل الأوروبيين لأول مرة عام «1522»، وذلك بواسطة البحارة البرتغالي كريستوفر دوماندونسا.
ولكن الأوروبيين لم يهتموا بها فعلياً إلا أثناء القرن السابع عشر وعندئذ وصلت إليها بعثات استكشافية هولندية وبرتغالية واسبانية وأما أول مكتشف انجليزي تطأ قدماه أرض هذه البلاد البعيدة الضائعة في أعماق المحيط، فكان ويليام دامبيير الذي وصل إلى شواطئها الغربية عام 1688، ثم تلاه الكولونيل جيمس كوك عام 1770، وقد استطاع هذا الأخير احتلال ثلثي الجزيرة الاسترالية مخالفاً بذلك نصائح الملك جورج الثالث الذي أمره بعقد معاهدة سلام مع السكان الأصليين قبل احتلال البلاد.
وقد زعم هذا الفاتح اللعين بأن استراليا فارغة من السكان وبالتالي فاحتلالها مشروع وحلال. وكان بذلك يكذب على حكومته ويخدعها وهكذا تحولت استراليا بالتدريج إلى مستعمرة تابعة للتاج البريطاني.
ولكن انجلترا أعطتها صلاحيات واسعة واستقلالية ذاتية بين عام 1855 ـ 1890. ثم أصبحت استراليا مستقلة بعد عام 1967. ولكن على الرغم من ذلك فما تزال ملكة انجلترا اليزابيث الثانية هي رئيسة الدولة شكلياً على الأقل. وقد نظمت الحكومة الاسترالية استفتاء شعبياً من أجل إيفاء الملكية والتبعية لبريطانيا ولكن نتيجته كانت سلبية فقد رفض الشعب إقامة نظام جمهوري وانتخاب رئيس للبلاد لكي يحل محل الملكة إليزابيث.
ولكن من المعلوم أن الحكم هناك هو في يد رئيس الوزراء والبرلمان. ثم يردف المؤلف قائلاً: واستراليا هي دولة فيدرالية مؤلفة من ست دول مستقلة ذاتياً ومرتبطة بالحكومة الفيدرالية في آن معاً. وأهم مدنها «كامبرا» العاصمة القومية للبلاد. ثم تليها سيدني، ونيوكاسل، وملبورن، وداروين، ومدن أخرى عديدة.
والحكم هناك ينقسم كما في كل الأنظمة الديمقراطية، إلى ثلاث سلطات: السلطة التشريعية أي «البرلمان المنتخب من قبل الشعب» والسلطة التنفيذية (رئيس الوزراء والوزراء) والسلطة القضائية (أي المحكمة العليا لاستراليا، ثم المحاكم الفيدرالية في كل دولة على حدة ).
وهناك سلطة ومعارضة في استراليا كبقية البلدان الديمقراطية. والسلطة حالياً في يد المحافظين المشكلين من الحزب الليبرالي والحزب القومي ويقف على رأسها جون هوارد، رئيس الوزراء، واما المعارضة فمشكلة من قبل حزب العمال الذي يمثل التيار اليساري أو الاشتراكي في استراليا وزعيمه هو «مارك لاثام» الذي وعد في آخر معركة انتخابية له بسحب قواته من العراق. ولكنه خسر الانتخابات عام 2004،
وبالتالي فلم يستطع تنفيذ وعده، ومعلوم ان حزب المحافظين من أكبر مؤيدي السياسة الأميركية. ولذلك أرسل قوات عسكرية مهمة الى العراق لدعم القوات الأميركية وبقية قوات التحالف. ثم يردف المؤلف قائلاً: وعلى الرغم من ان معظم الجزيرة الاسترالية صحراوي أو شبه جاف، إلا أن البلاد تتمتع بمميزات طبيعية لا يستهان بها،
وفيها كل أنواع الحيوانات والنباتات. بل وتحتوي استراليا على أنواع حيوانية ونباتية غير معروفة في الأماكن الأخرى. ولكن مساحة استراليا على اتساعها لا تحتوي إلا على 18 مليون نسمة أو أكثر قليلاً. ومعلوم ان مساحتها تكاد تعادل مساحة القارة الأوروبية كلها. فهي تبلغ (300. 682. 7) كيلومتر مربع.
يضاف الى ذلك ان السكان ليسوا موزعين بشكل متساو على أراضي البلاد كافة. فثلاثة أرباعهم يسكنون المدن الكبرى القريبة من الشواطيء عموماً، أما المناطق الداخلية الشاسعة الواسعة فقليلة السكان ان لم تكن معدومة أحياناً. ثم يردف المؤلف قائلاً: عندما وصل المستعمرون الانجليز الاوائل الى استراليا عام 1788 كانت البلاد تحتوي على سبعمئة الف ساكن أصلي، وهم ينتمون الى الشعب الأبوريجيني، ويشبهون الهنود الحمر الذين كانوا يسكنون الولايات المتحدة قبل وصول الأوروبيين ولكن لم يتم استئصالهم كما حصل في أميركا. أو قل استؤصل منهم عدد قليل وبسبب قلة عدد السكان فإن الحكومات المتعاقبة شجعت على الهجرة الى استراليا.
وأعطت امتيازات مادية كبيرة لمن يريدون الهجرة إليها والإقامة فيها. ويقال بأن عدد المهاجرين بعد الحرب العالمية الثانية وصل إلى خمسة ملايين نسمة، ومعظم هؤلاء المهاجرين كانوا من بريطانيا وايرلندا في المرحلة الأولى ثم تبعتهم موجات متتالية من مختلف أنحاء أوروبا.
ويبدو أن عدد السكان الأصليين (الأبوريجين) تناقص أثناء القرن التاسع عشر ، ولكنه عاد إلى التزايد بدءًا من عام 1930 وقد وصل عددهم عام 1986 إلى 227600 شخص. ولهذا السبب فإن معظم سكان استراليا حالياً هم من البيض الأوروبيين أو الآسيويين.
وتبلغ نسبته 97%، وتتألف استراليا من ست دول فيدرالية ذات ضخامة متفاوتة، ومعلوم أن استراليا كانت تمنع هجرة السكان غير البيض إليها قبل الحرب العالمية الثانية، ولكنها غيرت سياستها بعدئذ وأصبحت تسمح بهجرة الآسيويين والعرب وسواهم. وفي عام 1988 بلغت نسبة الهجرة الآسيوية إليها 40%.
ولهذا السبب فإن الآسيويين من فيتناميين وسواهم يشكلون الآن 5% من عدد السكان، ولكن يظل العرق الأوروبي الأبيض الأنغلوساكسوني هو الغالب. ويبلغ عدد الاستراليين في الخارج حوالي مليون نسمة، وبالتالي فهم لا يستقبلون فقط الهجرة، وإنما يهاجرون أيضاً. وكبقية الدول المتطورة فإن استراليا تشهد الآن ظاهرة شيخوخة السكان، فمتوسط عمر الرجال يبلغ 77 سنة والنساء 82 سنة.
والواقع ان غنى البلاد وتطورها على كافة الأصعدة والمستويات يساعد على زيادة عمر الفرد العائش هناك ولهذا السبب فإن استراليا تحافظ على برنامجها السابق في تشجيع الهجرة إليها، وكل سنة يدخلها عشرات الآلاف من الأجانب لكي يستقروا داخلها، ويصبحوا مواطنين بمرور الزمن، وهم يستقبلون الأفراد مع عائلاتهم بكل ترحاب لكي يزداد عدد سكان البلاد بهم.
وبالطبع فإن اللغة الإنجليزية هي اللغة الرسمية للبلاد. ولكن سكان البلاد الأصليين من شعب «الأبوريجين» لا يزالون يتحدثون لغتهم السابقة على الاحتلال الإنجليزي للبلاد، وهي لغة تعود إلى آلاف السنين.
أما المهاجرون الجدد، فهم مزدوجو اللغة فالكثيرون من أبناء الجيل الأول والثاني للهجرة الإيطالية لا يزالون يتحدثون اللغة الإيطالية بالإضافة إلى الإنجليزية بالطبع. وقل الأمر ذاته عن اليونانيين والعرب.. إلخ.
ثم يردف المؤلف قائلاً: إن الدستور الأسترالي يضمن فصل الكنيسة عن الدولة والمساواة بين جميع المواطنين. وبالتالي فلا يوجد أي تمييز طائفي في أستراليا. وجميع المواطنين الأستراليين يتمتعون بحقوق متساوية أياً يكن أصلهم العرقي أو الطائفي أو المذهبي.
ولا يوجد دين رسمي للدولة أو لرئيس الدولة على الرغم من أن المسيحية هي دين أغلبية السكان والتربية والتعليم ليسا من اختصاص الدولة الاتحادية وإنما الدولة المستقلة ذاتياً داخل الاتحاد، ولكن الدولة الفيدرالية صرفت أموالاً باهظة على إنشاء الجامعات وتجهيزها بالمختبرات والمكتبات.
والثقافة الأسترالية ذات أصل أوروبي أولاً ثم أميركي شمالي لاحقاً، ولكن نشأت فيما بعد ثقافة أسترالية محضة وشاعت من خلال السينما والأوبرا والموسيقى والرسم والمسرح والرقص والفنون الحرفية. وقد أصبحت الثقافة الأسترالية الآن ذات شهرة عالمية.
ثم يردف المؤلف قائلاً: بالطبع لا توجد حدود أرضية لاستراليا لأن البحر يحيط بها من كل الجهات، وبالتالي فالحدود التي تحدثنا عنها لاحقاً هي أقرب اليابسة إليها.
أما شواطئها فطويلة جداً وتبلغ حوالي الثمانية والعشرين ألف كيلومتر! ونسبة الهجرة سنوياً إليها تبلغ 4% أو أكثر قليلاً وبالتالي فهي أحد البلدان النادرة في العالم التي لا تزال تستقبل الهجرة ويرى البعض أن أستراليا تلعب دور القوة المهيمنة في تلك المنطقة.
والواقع أن استراليا استولت على آبار البترول الموجودة على شواطئ تيمور الشرقية وهي بلد فقير بالقياس إليها وبالتالي فإنه بحاجة إلى كل ثرواته الطبيعية من أجل تنمية نفسه. ولكن الحكومة الاسترالية لن تستمع إلى شكاواه ولم تطع أوامر الأمم المتحدة ورئيسها كوفي عنان. وكان قد صرح عام 2004 قائلاً بأن الفقر يحول دون تطور وتنمية تيمور الشرقية.
وبالتالي فكان ينبغي على استراليا ان تستمع إلى كلامه وتتخلى عن آبار البترول التي اكتشفت في البحر لهذا البلد الفقير أو قل كان بإمكانها أن تشاطره الثروة الناتجة عن استغلالها، والواقع أنه يوجد غاز أيضاً بالإضافة إلى البترول في بحر تيمور الشرقية أو على شواطئها ولحسن الحظ فإن استراليا قبلت أخيراً بأن تقدم لتيمور الشرقية مئة مليون دولار لمدة عشرين عاماً مقابل استغلال البترول الموجود في بحرها.
وهذا المبلغ الذي يعتبر زهيداً بالنسبة للدول الكبرى يمثل ثروة لا بأس بها بالنسبة لبلد مثل تيمور الشرقية. ومعلوم أن ميزانيته لا تتجاوز (75) مليون دولار ومعلوم أن أربعين بالمئة منها آت من المساعدات الدولية.
وبالتالي فإن هذا البلد الفقير لا يطلب الكثير من جاره الغني والقوي: استراليا نقول ذلك ونحن نعلم أن ميزانية استراليا تبلغ سنوياً الأربعمئة مليار دولار! وبالتالي فهي من أغنى أغنياء بلدان العالم.
وتستطيع أن تساعد جارها الفقير المدقع إذا أرادت بل تستطيع أن تساعد بلداً كبيراً كاندونيسيا، وهو واقع ضمن إطار نفوذها على الرغم من أن عدد سكانه أكبر منها بعشرات المرات.
الكتاب: تاريخ موجز لاستراليا
الناشر: مطبوعات جامعة كمبردج 2005
الصفحات: 356 صفحة من القطع المتوسط
A CONCISE HISTORY
OF AUSTRALIA
STUART MACINTYRE
CAMBRIDGE UNIVERSITY PREES 2005
P. 356