«رؤية الرحالة الأوروبيين لمصر بين النزعة الإنسانية والاستعمارية» كتاب جديد صدر مؤخراً في إطار سلسلة التاريخ الجانب الآخر الصادرة عن دار الشروق المصرية وتقدم فيه المؤلفة والباحثة المصرية د. الهام ذهني استاذ التاريخ الحديث بكلية الدراسات الإنسانية بجامعة الأزهر رؤية تحليلية لنظرة هؤلاء الرحالة التي تراوحت بين السعي لتحقيق المطامح الأوروبية خاصة وان تلك الرحلات قد تمت في عصر التوسع الأوروبي وبين الرؤية الإنسانية التي غلبت على مشاعر الرحالة.
وتقول المؤلفة: ان هذاالكتاب محاولة للتعرف على الأهداف الحقيقية لهؤلاء الرحالة وابراز الجوانب الإنسانية والأهداف الاستعمارية لاسيما وأن الرحالة وفدوا من جميع بلدان أوروبا منذ القرن السادس عشر حتى أواخر القرن التاسع عشر. في بداية الكتاب تتناول المؤلفة اسباب مجيء الرحالة الأوروبيين إلى مصر والتعريف بهم.
ففي القرنين السادس عشر والسابع عشر انتمى معظم الرحالة إلى طبقة رجال الدين الذين حرصوا على تأدية فريضة الحج في القدس ثم اتجهوا إلى مصر حيث المزارات المسيحية الشهيرة ورغم خلفية الرحالة الدينية إلا أنه وجد من بينهم السياسي وعضو البرلمان والعالم الجغرافي والضابط.
في هذه الفترة جاء الرحالة لدراسة امبراطوريات الشرق ووفدوا على مصر باعتبارها ولاية تابعة للدولة العثمانية هذا إلى جانب الدوافع الاقتصادية وأيضاً الرغبة في نشر المذهب الكاثوليكي ولذا أسس البابا جولياس الثاني مطبعة عربية وطبع القرآن الكريم في البندقية عام 1530 وفي اوكسفورد كلف ادوارد بوكوك عام 1636 بتدريس اللغة العربية.
وهذا ما ساعد على زيادة اهتمام الأوروبين بفضل اتقانهم للغات الشرقية للاتجاه لدراسة التراث الشرقي ولم تخل مؤلفات الرحالة من فكرة غزو مصر وتكوين الأحلاف الصليبية من جديد، كما اعتبر اعضاء البعثات الدينية أن مهمتهم الإنسانية تقتضي منهم تحويل أقباط مصر إلى المذهب الكاثوليكي والقضاء على الدولة العثمانية المهيمنة على الشرق.
وتشير المؤلفة إلى أنه في القرن الثامن عشر تزايدت المعرفة بمصر واتسمت مؤلفات الأوروبيين بالعمق لأنهم جابوا مدينة مصر وصحاريها وتوغلوا في الوجه القبلي ولم تكن زيارتهم خاطفة بل مكث البعض منهم عدة سنوات وخطر خلال هذه الفترة ما يمكن تسميته بالرحالة الجواسيس الذي مهدوا المجيء للحملة الفرنسية في نهاية القرن الثامن عشر وقد حوت مؤلفات الرحالة في هذا القرن العديد من الدراسات عن مصر فقدموا المشاريع الاستعمارية كفكرة وصل البحرين او احياء طريق التجارة القديم
ويضيف الكتاب: أنه في القرن التاسع عشر جذبت الأسرة العلوية انتباه الرحالة بمشاريع التحديث والتطوير وعمل العديد منهم في خدمة الاسرة في مجالات الادارة والتعليم والجيش والمشاريع العمرانية المختلفة.
وقدمت الدراسة حصرا للرحالة الأوروبيين الذين توافدوا على مصر وصنفتهم حسب الغرض من الزيارة في مقدمتهم رجال الدين وأشهرهم ليون الأفريقي ورغم أنه لا يعد من رجال الدين المسيحيين فهو مسلم يدعى الحسن بن محمد الوزان الزياتي وقع في الأسر ولقب بـ «ليون» الإفريقي تيمنا بالبابا ليون العاشر الذي أجبره على اعتناق المسيحية بعد ان مكث فترة في ايطاليا تعلم خلالها الايطالية واللاتينية ثم أرسله إلى مصر ليجمع المعلومات التي تساعده على نشر المذهب الكاثوليكي،
أما الأب كوبان رجل الدين الفرنسي فقد قام برحلتين طويلتين إلى مصر وقضت مؤلفاته الدعوة لإرسال حملات صليبية جديدة نحو الشرق، ومن اشهر الجماعات الدينية التي زارت مصر في القرن التاسع عشر جماعة «السان سيموند» التي أرادت اقناع محمد علي بمشروع قناة السويس إلا أنه رفضها بوصفها حرباً صليبية جديدة تقودها فرنسا.
أما الرحالة السياسيون فمنهم جان تينوه الذي جاء مع بعثة السفير الفرنسي إلى السلطان قانصوه الغوري آخر سلاطين المماليك، وفي القرن الثامن عشر ظهر القناصل الذين قاموا بوضع المؤلفات عنها منهم القنصل الفرنسي ميليه الذي وضع مذكراته باسم «وصف مصر» وهو الذي اقتبسه نابليون فيما بعد تضمنت مذكراته حول جغرافية مصر والعمارة الاسلامية والآثار المصرية القديمة والمخطوطات القبطية.
اما اهم المستشرقين الذين زاروا مصر فعلى رأسهم ادوارد وليم لين الذي تعلم اللغة العربية واصر على دراسة طبائع الشعب المصري، فارتدى الزي التقليدي المصري وتخفى في زي مصري فوضع مؤلفة «عادات المصريين المحدثين وتقاليدهم»، وتشير المؤلفة إلى ان القرن الـ 19 شهد ظاهرة مجيء الرحالة الأوروبيات اللاتي اتيح لهن دخول الحريم فسجلن كل ما يتعلق بهذا العالم السحري الغريب بالنسبة للقاريء الأوروبي منهن:
صوفيا بول شقيقة المستشرق البريطاني الشهير ادوارد وليم لين التي زارت مصر مع أخاها وزوجته بعد وفاة والدتها وعاشت فيها سبع سنوات زارت خلالها حريم محمد علي وحصلت على معلومات وافية عن الحياة الأسرية في المجتمع الإسلامي وقد أبدت تعاطفا مع نساء مصر.
وهناك الكونتيسة دي غسباران التي زارت مصر عام 1848 وأحسن محمد علي استقبالها وكانت من أنصار محاربة تجارة الرقيق، وتزوجت من الكونت أجينور دي جسباران وهو سياسي فرنسي شهير زارت مصر والنوبة وسجل رحلاتها باربي بواسي ومن البريطانيات جاءت الرحالة إميليا ادواردز لتضع مجلدين قدمت فيهما وصفا لمدن الوجه القبلي وعادات المصريين الاجتماعية.
اما الجزء الثاني من الكتاب فتتناول فيه المؤلفة وصف هؤلاء الرحالة لحالة المجتمع المصري من الناحية السياسية والاجتماعية أوضحت فيه اختلاف آرائهم حسب الغرض من الزيارة.
اهتم الرحالة الأوروبيون بتقديم وصف عن الحكام وقد اختلفت رؤيتهم فتارة يصفهم البعض بالعظمة وأحياناً أخرى بالطغيان وقد ارتبط هذا الحكم بدرجة كبيرة بمصالح هؤلاء الرحالة ومدى قربهم منه إلا ان الرحالة اجمعوا على وصف المماليك بالطغيان لأنهم يحكمون بلا قوانين قضوا على آمال وطموحات المصريين ، أما محمد علي فكان عليه خلاف كبير فيذكر شامبليون كيف ان الضرائب التي فرضها الباشا باهظة تفوق قدرة الشعب ويصفه بريس دافين بالظلم
وانه سيستوحي المثل القائل انما الشعب مثل السمسم ينبغي ان تسحقه كي تخرج منه الزيت في حين رآه المارشال مارمون من أعظم الشخصيات التي ظهرت في القرن التاسع عشر وأنه رائد عصره رغم كونه أميا في الوقت نفسه نال عباس نصيباً وافرا من انتقادات الرحالة فلا تخلوا كتاباتهم عنه من ألفاظ تحمل معنى الجهل والتعصب والتأخر.
اهتم الرحالة بوصف المجتمع المصري وتدوين ما شاهدوه من احتفالات وأعياد ومنشآت اجتماعية وقال ميليه إن المصريين يشبهون الصينيين في العراقة وقد ميزوا بين طبقات المجتمع المختلفة وفي مقدمتها طبقة الأتراك التي اعتبروها في قمة الهرم الاجتماعي وعقد الكثيرون مقارنة بين الأتراك والعرب في طريقة نشر الاسلام فأنصفوا العرب وانتقد شولشيه عنصرية الأتراك قائلاً: «إننا لم نسمع عن ضرب أو معاقبة أحد من الأتراك بالعصى أو وضعه على الخازوق حتى في العقوبات هناك تفرقة بين التركي والمصري البائس».
ويرى كلوت بك ان محمد علي بذل كل ما في وسعه لتعديل هذه الأوضاع فنشر التعليم بين أفراد الشعب المصري وأرسل البعثات إلى أوروبا لأنه أراد ضرب الأتراك المتسلطين بتكوين جيش مصري من سكان البلاد كما عمل على رفع القومية العربية الا انه شولشيه نفى هذه الفكرة مؤكدا ان محمد علي عامل المصريين معاملة المهزومين والواضح في حديث الرحالة عن الأتراك نبرة استعلاء ترجع إلى طبيعة العلاقة بين أوروبا والدولة العثمانية
وتبين المؤلفة ان الرحالة من رجال الدين اهتموا بطبقة علماء الأزهر وأشاروا لأروقة الأزهر وأشهرها رواق المغاربة والشوام والعيان وحرصوا على تأكيد دوره في المقاومة الشعبية ولاسيما ضد الفرنسيين وما لعالم الأزهر من هيبة واحترام
ولم يخف بعض الرحالة أحساسهم العدائي ضد المساجد كما فعل شولشيه الذي أبدى ضجره من خلع الأحذية قبل دخولها
وأبدى الرحالة اعجابهم الشديد بمسجد عمروبن العاص وجامع السلطان حسن الذي رأوه أفضل من مساجد الاستانة وأن انتقدت اميليا إدوارز قذارة الأزقة والشوارع الضيقة حوله بما لا يليق وبهاء عمارته وأفاض الرحالة في وصف أحوال الفلاحين لفقرهم الشديد وبؤس حالهم وانتشار الأمراض بينهم
وقد انتقد الرحالة اتهام محمد علي وأسرته للفلاح بالغباء والجهل وقارن شولشيه بينها وبين إدعاءات أوروبا عن الزنوج بأنهم حيوانات متوحشة وادعاءات الأسبان بأن الكاريبيين ليسوا رجالاً .
كما سجل الرحالة أسماء أشهر القبائل في مصر وأكد مونتوليه أن العبابدة هم السلاله الحقيقية للمصريين القدماء وليس الأقباط ثم وصفهم بأنهم أكثر القبائل نبلا وكرماً اما ريفو فكان يراهم مجرد لصوص.
وأفاض قادة الحملة الفرنسية في الحديث عن قبائل أولاد علي الذين لعبوا دورا رئيسياً في مقاومة القوات الفرنسية ولفت نظرهم أيضاً جماعات الغجر الذين يقرأون الطالع ويعملون بالحدادة ويعيشون على السحر والشعوذة ويعيشون في القاهرة وضواحيها وفي المطرية.
اما عن مجتمع الحريم في مصر فتشير المؤلفة إلى انه ظل مغلقا وغامضا للأوروبيين لم يتعرفوا عليه سوى من خلال زوجات القناصل وبصفة عامة أثنى الرحالة على غيرة الرجل الشرقي وحرصه على الفضيلة إلا أن الرحالة الأوروبيات كان لهن رأياً قاسياً على المرأة المصرية فاتهمتها هارييت مارتنيو بأنها لا روح ولا عقل تتصف بالكسل والتفاهة وتكثر من الأطعمة الدسمة والكية ولا تمارس الرياضة.
في حين كتب الجراح البريطاني ما دلين انه من غير اللائق ان تصطدم مشاعر الأوروبيات بوصف نساء مصر اللاتي يفوقوهن جمالا على الرغم من اصباغهن واصابعهن الملونة بالحناء إلا ان أوليفيه وصفت الفلاحات بالقبح اما سونيني فقد وجدت نساء الوجه البحري اكثر جمالاً. واتفق الرحالة على معاناة الفلاحةالمصرية في البيت والحقل.
وقد سجل الرحالة الاوروبيات ملاحظاتهن عن حريم محمد علي فقد اتيح لمدام روزيتي اللقاء بزوجة سعيد باشا القوقازية ونازلي هانم ابنه محمد علي ورأت صوفيا لين انها تشبه والدها فلها نفس ذكائه ونظراته السريعة الفاحصة. وأما عن المصاعب التي واجهها الأوروبيون في مصر فتشير إلى ان من اهمها كان الطقس والحرارة الشديدة حتى أصيب العديد منهم بالحمى وللتغلب على هذه المشكلة كانوا ينتقلون للأقامة بالإسكندرية صيفا وشكا الأوروبيون من اجبار السلطات المحليه لهم بارتداء ملابس شرقية ومنعهم من ركوب الخيل والسماح لهم بركوب الحمير فقط
وقد ذكر ينبور ان السلطات في مصر أجبرت الأوروبيين على ارتداء الملابس الشرقية ولكن القناصل كانوا يصممون على ارتداء ملابسهم الغربية فعرضهم ذلك كثيراً للسباب من العامة كما تزايدت الغرامات المفروضة على الأوروبيين مما أدى إلى افلاس العديد من تجارهم إلا ان حدة المضايقات خفت في القرن التاسع عشر هذا وقد اعتنق بعض الاوروبيين الاسلام من ألمان وفرنسيين بل ومن رجال الدين الكاثوليك.
فيصل حماد
الكتاب : رؤية الرحالة الأوروبين لمصر
بين النزعة الانسانية والاستعمارية
الناشر : دار الشروق ـ القاهرة 2005
الصفحات :180 صفحة من المقطع المتوسط