ينطلق الدكتور ناصر يعقوب الأكاديمي الأردني في كتابه الجديد «اللغة الشعرية وتجلياتها في الرواية العربية» 1970 ـ 2000 من كون هذه اللغة أصبحت تشكل مَعلماً بارزاً ومهماً في حداثة الرواية العربية إن لم نقل أنها شكلت العمود الفقري للتحول من الرواية التقليدية إلى الرواية العربية الجديدة،
ويضيف الدارس في مقدمة كتابه أن إيلاء شعرية الرواية هذا الاهتمام يأتي من افتقار الساحة النقدية العربية إلى دراسات لغوية متخصصة في حقل الرواية العربية على النحو الذي حظي به الشعر، إضافة إلى أن الدراسات النقدية ظلت مهتمة بتسليط الضوء على دلالات اللغة الفكرية والاجتماعية متجاوزة البعد الجمالي لهذه اللغة ومدى تأثرها وتأثيرها في البنية الروائية. يتألف الكتاب من أربعة فصول ودراسة تمهيدية يخصها لدراسة شعرية الرواية في مرحلة الستينات من القرن الماضي وفيها يؤكد أولاً على العلاقة بين الرواية والواقع،
إذ إن الرواية كما يؤكد «باختين» هي الجنس الوحيد الذي لم يكتمل بعد، في حين أن الواقع لا يعرف الثبات، وبذلك تكون الرواية هي الأقدر على الالتصاق بالواقع، وقد شهدت الرواية في هذا العقد ـ كما هو حال الأدب ـ تحولات متفاوتة قبل هزيمة 1967 وبعدها، إذ عمل جيل الستينات الروائي على تطوير الرواية في الشكل والرؤية، وخصوصاً بعد الهزيمة، إلا أن انجلاء طبيعة اللغة الروائية، وطبيعته الشعرية الروائية احتاج إلى قرابة ربع قرن من الزمن،
وقبل أن يتناول العوامل التي ساهمت في حداثة الرواية يقدم مجموعة من التعريفات لعدد من النقاد العرب لمفهوم اللغة في الرواية الشعرية، ثم يشير إلى الدور الذي لعبته الرواية الجديدة في فرنسا في حداثة الرواية وشعرية اللغة، إلى جانب التأثير الذي مارسه الاتجاه الرمزي في أوروبا، وتأثيرات الحركة الرومانسية العربية لا سيما أعمال أدباء المهجر.
ثم يربط بين ظهور شعرية اللغة والواقع الاجتماعي بانكساراته ومآزقه، مؤكداً أن أول هذه الروايات التي أسست لهذا الاتجاه هي رواية حليم بركات «ستة أيام» التي صدرت عام 1961. ومن ثم رواية عبد الحكيم قاسم «أيام الإنسان السبعة» كما يتناول تجليات اللغة الشعرية من خلال المجاز المتمثل بشعرية لغة الوصف والتشبيه والتكرار، واختفاء أدوات الربط وتحوُّل اللغة الروائية إلى لغة داخلية ذاتية الإحالة والانعكاس وتعتبر رواية (الفهد) لحيدر حيدر، و«شرخ في ليل طويل» لهاني الراهب من الأعمال التي تعبر عن ذلك.
الفصل الأول من الكتاب يتناول شعرية الرواية مقيماً نوعاً من التقابل بين الشعر والنثر وفيه يعرض للمواقف التي تناولت العلاقة بين الأجناس الأدبية، لا سيما الشعر والنثر وهي آراء متفاوتة تمتد من جينيت وويليك، وموريس بلانشو إلى بارت ويتودوروف الذي يطرح مفهوم النص ثم ينتقل إلى آراء ومواقف النقاد والكتّاب العرب من هذه العلاقة،
وبشكل خاص ادوار الخراط وعبدالرحمن منيف حيث يبيّن المحاولات العربية لتحديد الفاصل بين الشعر والنثر كمحاولات أدونيس، إلى أن يؤكد أن التحوُّل في لغة الرواية العربية قد تجلّى في إحالة لغة الرواية من كونها مجرد وظيفة للتبليغ المباشر إلى نظام وظيفته التبليغ غير المباشر وهو ما يُطلق عليه «الوظيفة الجمالية للغة».
وفي الجزء الأخير من الفصل ينتقل إلى الحديث عن تصنيف الرواية عند جينيت وعلاقة التداخل المزدوج بين الصيغة والجنس، وإقرار جينيت لثنائية الشعر والنثر المستمدة من الجانب الشكلي لنظريته، كما يؤكد أن مفهوم الجنس الأدبي وخصوصيته تظل قائمة رغم الدعوات إلى نفي مفهوم الجنس الأدبي، فقد تداخلت لغة النثر والشعر منذ القدم واستفادت من بعضها بعضا.
تمثل لغة الرواية لغة وسط بين لغتين: «لغة مطابقة في بعض الأجزاء، ولغة موحية في أجزائها الأخرى، وبنية الرواية تنسخ على لغة ذات بعدين لغة الاستعمال اليومي أحادية الدلالة والمرجع، واللغة الشعرية التي تقوم على الإيحاء والرمز وتعددية الدلالة والانزياح عن مقاطع البنية الروائية الأمر الذي يجعله يركز على المقاطع الأكثر شعرية، والتي تخلق مساحة أوسع للتأويل من دون أن تهمل لغة الرواية المألوفة، ينتقل بعدها إلى الإشارة إلى أن الانحراف بلغة معظم الروايات العربية يأخذ معلماً سياقياً،
وكأساس للدراسة يحدد مفهوم الشعرية أي قراءة الأعمال الروائية قراءة باطنية تتناول أبعادها المختلفة من دون أن تلغي المرجع الخارجي لهذه الأعمال، وينتقل في الفصل الثاني من الإطار النظري العام إلى الدراسة التطبيقية ويستهلها بطرح الآراء النقدية حول وظيفة العنوان، وعلاقته بالمتلقي مركزاً على عنوان الرواية الذي يمتاز بالاتساع بسبب طبيعة الجنس الروائي، كما يشير إلى أن العنوان الروائي يجلب معه سياقاً عاماً من خلال المخزون الثابت بين المرسل والمتلقي،
وهنا يلح على وظيفة العنوان الجمالية، والعلاقة التي يقيمها مع القارئ ودور الأخير في تحليل شيفرة العنوان، فالرواية التي تمثل حقلاً جمالياً مراوغاً يصبح العنوان معها مراوغاً غير قسري الدلالة، ونظراً لأهمية دور العنوان المحوري في تشكيل اللغة الشعرية من خلال علاقة الاتصال يؤكد على دور البعد الجمالي في هذا الدور.
ثم ينتقل إلى مجال الدراسة التطبيقي فيستهل البحث بدراسة عنوان رواية «السفينة» لجبرا إبراهيم جبرا حيث يجد أن هذا العنوان يشير إلى المكان، ويشكل نواة دلالية تقوم بالاستقطاب الدلالي، الأمر الذي يقوده إلى دراسة مدلولاته، وتداخله مع المتن الروائي، كما يدرس عنوان رواية النهايات لعبد الرحمن منيف والذي يمتاز بالاقتصاد اللغوي، ويحمل دلالة الجمع مما تحتوي عليه الرواية من أحداث كثيرة. كذلك يتناول عنوان رواية «الوجوه البيضاء» لإلياس خوري
فيجد أن هذا العنوان هو خبر لمبتدأ محذوف مقدره هذه، كما يدرس العنوان في ضوء البنية الدلالية للنص لشخوصه الروائية، كذلك يتناول عنوان «براري الحمى» لإبراهيم نصر الله، ورواية «المعجزة» لمحمود طرشونة مبيناً تجليات الدلالة للعنوان في النص السردي.
الفصل الثالث ينتقل فيه من دراسة شعرية العنوان ووظيفته إلى دراسة شعرية لغة السرد الروائي، فيدرس أولاً النعت باعتباره مظهراً أساسياً للغة الشعرية بواسطة الانزياحات السياقية، ويتناول في هذا السياق دلالات اللون في السرد الروائي في عدد من الأعمال الروائية وفي مقدمتها دلالات اللون الأبيض، كما يبيّن الدلالات المتعددة التي يحملها اللون الأسود، خاصة وأن البحث عن دلالة اللون الأسود تقتضي البحث عن دلالة اللون الأبيض بسبب التعارض القائم بينهما.
كذلك يتناول النعت «الزمن» والنعت «المكان»، إذ يشكل النعت هنا إشارة ايديولوجية. كما يتناول النعت «الشخصيات» مركزاً على بنيتها، ينتقل بعد ذلك إلى دراسة التشبيه في الرواية عبر تنظيمه داخل المساحات الروائية الواسعة، فهو يأتي لخدمة الأفكار والتأملات وأهميته لا تظهر إلا من خلال السياق الذي يتحوّل فيه إلى قوة إيحائية، كذلك يتناول الانحراف «المجاز» باعتباره خرقاً لقانون الكلام العادي.
الفصل الرابع يخصصه لدراسة شعرية لغة الوصف المكاني، وكالعادة يبدأ بمقدمة نظرية يتناول فيه لغة الوصف، أو اللغة الواصفة ويبدأها بالحديث عن غياب دراسة المظهر التخييلي، أو الحكائي في الرواية، موضحاً الأسباب التي أدت إلى ندرة هذه الدراسات،
ويستعين في هذا المجال بقول جينيت بأن الوصف أكثر لزوماً للنص من السرد، لأنه أسهل علينا أن نصف من دون أن نحكي، والسرد لا يؤسس كيانه بمعزل عن الوصف، فالسرد يسهم في تسليط الضوء على موقف أو حدث، والوصف هو الذي يحدد دلالاته، وفي مجال الدراسات التطبيقية يتناول أولاً الوصف المكاني في رواية السفينة والذي يظهر فيه وصف المكان في زمني الماضي والحاضر.
أما بالنسبة إلى رواية «النهايات» فإن الوصف المكاني لا يتم بناء على مرجعية واقعية وإنما على أساس المكون اللغوي الإيحائي.
أما في رواية «الوجوه البيضاء» لإلياس خوري فإن الوصف لا يأتي من خلال التماثل التام، بل هو يميل إلى أن يكون وصفاً غير مباشر. وفي روايتي «براري الحمى» لإبراهيم نصر الله و«المعجزة» لمحمود طرشونة، فإن شعرية وصف الأمكنة تبرز بصورة واضحة، وفي ختام الفصل يقدم الدارس ملخصاً لأهم المحاور والأفكار التي طرحها البحث، ثم يضمن الكتاب ثبتاً للمصادر والمراجع العربية والأجنبية.
أحلام سليمان
الكتاب: اللغة الشعرية وتجلياتها في الرواية العربية 1970 ـ 2000
الناشر: المؤسسة العربية للدراسات والنشر ـ بيروت 2005
الصفحات: 316 صفحة من القطع المتوسط