مؤلف كتاب «غريب الحديث» هو الإمام العلامة «أبو سليمان حمد بن محمد بن ابراهيم بن الخطاب البستي» من ولد «زيد بن الخطاب بن نفيل» ولد بمدينة «كابل» عاصمة أفغانستان الآن سنة 319 هجرية، ثم أقام بمدينة «نيسابور» يصنف، فعمل غريب الحديث، ومعالم السنن، والعزلة، والغنية عن الكلام وأهله، وله تصانيف أخرى كثيرة.

وقال ياقوت الحموي: رحل إلى العراق والحجاز، و جال في خراسان، وخرج إلى ما وراء النهر.وقال السبكي: سمع الحديث من أبي سعيد بن الأعرابي بمكة، وأبي بكر ابن داسة بالبصرة، واسماعيل بن الصفّار ببغداد، وأبي العباس الأصم بنيسابور وطبقتهم.

وقد أجمع كل من ترجم له، انه كان ثقة، صادقاً، ديّناً، فاضلاً، سمع الكثير، وحدث كثيراً، وحج ستين حجة، وقد مات سنة 388 هجرية.

وللخطابي شعر جيد يدل على صفاء نفسه وزهده وإيثاره السلامة بمداراة الناس وبذل النصيحة لهم، وكان أحد أوعية العلم في زمانه، حافظاً فقيهاً.

أما دوافع المؤلف في تأليف هذا الكتاب فقد قال عنها: «ثم إنه لما كثر نظري في الحديث، وطالت مجالستي أهله، وجدت فيما يمر بي، ويرد عليّ منه ألفاظاً غريبة لا أصل لها في الكتابين ـ يعني كتاب أبي عبيد، وكتاب ابن قتيبة ـ علمت أن خلاف ما كنت أذهب إليه من ذلك مذهبا، وأن وراءه مطلباً، فصرفت إلى جمعها عنايتي، ولم أزل اتتبع مظانها، وألتقط آحادها، وأضم نشرها، وألفق بينها، حتى اجتمع منها ما أحب الله أن يوفق له.

وهكذا كان هذا الكتاب «غريب الحديث، وقد كتب «الخطابي» له مقدمة وافية، بيّن فيها فضل أئمة القرون الثلاثة الأولى على علم السنة، وأنه لما ذهب هؤلاء الأعلام، وتناقل الحديث العجم، وكثرت الرواة، وفشا اللحن.

ومرنت عليه الألسن، رأى أولو البصائر والعقول، أن يعنوا بجمع الغريب من ألفاظه، وتفسير المشكل من معانيه، وتقويم الأود من زيغ ناقليه، وأن يدونوها في كتب تبقى إلى الأبد، لتكون من بعدهم قدوة وإماماً، ومن الضلال عصمة وأماناً.

ثم ذكر أن أول من سبق إلى ذلك «ابو عبيد القاسم بن سلام (ت: 224ه) بكتابه «غريب الحديث»، ثم انتهج نهجه أبو محمد عبدالله بن مسلم بن قتيبة (ت: 266) فألف كتابه في الغريب أيضاً.

وهكذا بقيت بقية بعدهما من الأحاديث تولى «الخطابي» جمعها وتفسيرها في كتابه هذا، متبعا نهجهما، بعد أن مضت عليه مدة من الزمان، مبتدئاً أولاً بأحاديث الرسول «صلى الله عليه وسلم» ثم ثنى بأحاديث الصحابة، وأردفها أحاديث التابعين، وألحق بها مقطّعات من الحديث لم يجد لها سنداً في الرواية، وختم الكتاب باصلاح ألفاظ من مشاهير الحديث، ويرويها عوام النقلة ملحونة ومحرّفة عن القصد.

ولم يعرض «الخطابي» لشيء فسّره «أبو عبيد» أو «ابن قتيبة» وكان غرضه الأول من هذا، أن يظهر الحق، ويبين الصواب، لا أن يكون القصد الاعتراض على ماض، أو الاعتداء على باق، وكان منهجه في هذا الكتاب، أولاً:

يورد الحديث، ثم يتبعه بسنده وأحياناً كثيرة يأتي بسند آخر وبرواية أخرى، ثم يفسر الكلمات اللغوية، ويؤيد تفسيره بحديث آخر، أو بعض حديث، أو آية قرآنية، أو بيت من الشعر أو الرجز، وكثيراً ما يستطرد فيشرح الكلمات الغريبة في هذه الشواهد في افاضة ومقدرة، واذا كان في الحديث شيء من الفقه، سجله بعد الشرح.

ولم يذكر حديثاً سبقه به أحد زميليه، الا أن يكون الحديث قد خلا من الشرح، فيذكره ليشرحه، أو يكون هناك خلاف بين صاحبيه ـ أبو عبيد ـ ابن قتيبة ـ في معنى كلمة، فيذكر قولها، ويختار أحد الرأيين مستدلاً بأحاديث أخرى أو شعر، وغالبا ما ينصر «أبا عبيد» ويؤيده، ومن ذلك:

في حديث النبي «صلى الله عليه وسلم» عليكم بألبان البقر فإنها ترّمُّ من كل الشجر» ويروى: ترتمُّ، ثم يقول: ترم وترتمُّ، أي ترعى وتتناول بالمرمّة، والمرَمّة لذوات الظلف بمنزل الفم للانسان، وهي المقمّة أيضاً.

ويقال: رمّت البقر ترُمُّ.