يقدم كتاب «المعرفة» لمحيي الدين بن عربي مساهمة في التعريف بكتابات هذا المتصوف الكبير، ويمثل استحضاراً لفكر الصوفية، بوصفه فكراً معارضاً للفكر الذي كان سائداً في عصره. لكن استدعاء ابن عربي، في أيامنا هذه، يخفي - بالنسبة إلينا ـ حنيناً يعاودنا كلما دار الحديث أو الاهتمام بأعلام «الروحانية» في الشرق والغرب، نظراً لما قدمه هذا الشيخ الجليل من كتابات ضربت عميقاً في تفحّص أحوال الدين والدنيا.
ويلّح السؤال، هل مازال ابن عربي قادراً على المساهمة في مخاطبة عالمنا المعاصر؟ إن الإجابة عن هذا السؤال، تعتمد على السياق الذي يُبحث فيه، وعلى معرفة المتغيرات التي عصفت بنا وبالعالم، ومدى القلق الذي يساور الإنسان في عالم اليوم، حيث يدور الصراع بين أصوليتين: أصولية إنجيلية جديدة، يقودها جورج دبليو بوش، وأصولية جهادية إسلامية، يقوها ابن لادن.
لقد دعا ابن عربي إلى «دين الحب» الذي يتسع لكل العقائد، ويجمع بين «الدير» و«الكعبة»، و«بيت الأوثان»، و«مرعى الغزلان»، وتقوم دعوته على فهم للدين يعتبر الحب أصل العلاقة بين «الحق» الخالق و«الخلق»، وهو فهم يسمح بالتمييز ما بين مفهوم الدين الإلهي الواحد، وبين أديان المعتقدات الكثيرة، لكن اليوم ما الذي يمكن فعله إزاء مقولات الصراع والصدام الحضاري والعلاقة الصعبة بين العالمين العربي الإسلامي والأميركي الغربي .
إن الإرهاب بات يضرب في كل مكان بالتقابل مع حرب بوش عليه، ووسط هذه الحرب تختفي صورة ابن عربي، وتختفي معها صور الفلاسفة والمتكلمين والأدباء، ولا تبقى غير صورة الرجل الإرهابي، حامل البندقية والسكين جنباً إلى جنب مع صورة المرأة الملثمة، التي لا يظهر من ردائها إلا ثقبان لعينيها.
لمقابل فإن بعض الاتجاهات والأفكار والرؤى السلفية سيطرت على مجمل الخطاب الإسلامي في السنوات الثلاثين الأخيرة من القرن العشرين، وقد أنتجت هذا النمط من الخطاب المهيمن ظروف وملابسات اجتماعية وسياسية وثقافية معقدة، ونجحت الآلة الإعلامية الغربية إلى حدّ كبير في خلق صورة عن الإسلام والمسلمين تعتمد على مفردات وسلوكيات وتعبيرات طارئة من شأنها أن تجعل الإسلام عدوا للحضارة والتقدم والحرية.
لكن العقلاء في العالم الغربي والعالم الإسلامي تصدوا لهذه الصور النمطية، وعملوا على ترسيخ وإحلال قيم الحوار والتفاهم والاحترام المتبادل محل الصراع والصدام والحروب. وفي سياق المساهمة في تأكيد قيم الحوار والتفاهم والاحترام المتبادل يمثل فكر ابن عربي رصيداً ثرياً،
وبالتالي فإن استدعاء ابن عربي، مع غيره من أعلام الروحانية في كلّ الثقافات، يشكل مطلباً ملحاً في أيامنا، علّنا نجد في تجاربهم ما يمكن أن يمثل مصدراً للإلهام في ظلّ دين الكوننة الجديد، حيث تشكل التجربة الروحية الإطار الجامع للدين والفن في السياق العام، بينما في السياق الإسلامي فإن استعادته من أفق التهميش إلى فضاء المتن مرة أخرى، لا يقلّ أهمية للتصدي للاتجاهات السلفية والمتطرفة.
يمثل ابن عربي أحد الشخصيات النادرة التي شكلت معايير عصرها وعقائده، وهو يملك خطاباً ذا خصوصية، لا تجعله يقف خارج التاريخ ولا الجغرافيا، أي خارج الزمان والمكان، شأنه في ذلك شأن كل خطاب إنساني. ابن عربي: هو أبو بكر محمد بن عربي الطائي (نسبة إلى قبيلة طيء العربية)، ولد في مرسية بالأندلس سنة 560 هـ / 1164 م، وتوفي في دمشق سنة 638 هـ / 1230 م، وكان يعرف بابن سراقة. كان أبوه علي بن محمد من أئمة الفقه والحديث، ومن أعلام الزهد والتقوى والتصوف، وكان جده أحد قضاة الأندلس.
نشأ ابن عربي وترعرع في الأندلس، و تعرف على الصوفية، وانضوى تحت لوائها، حين كان التصوف في تلك المرحلة شكلاً من أشكال الوعي الفلسفي العربي ـ الإسلامي في العصر الوسيط. تؤمن الصوفية بالكشف والستر أو بالظاهر والباطن، وهي مسألة متفرعة من نظرية المعرفة الصوفية. كما أن نظرية التأويل الباطني نظرية دينية فلسفية، تتلخص في أن الله تعالى جعل كل معاني الدين في المخلوقات التي تحيط بالإنسان. وللصوفية مصطلحات عديدة، ومعان متعارف عليها بين المتصوفة، وتثير هذه المصطلحات اللبس والغموض لدى كثير من الناس.
ويعدّ التأويل والظاهر والباطن مفاهيم تعني رفض أيديولوجية النظام الحاكم. إذ عند الصوفية يمكن لأهل الولاية أن يصلوا إلى الله مباشرة دون واسطة، وكل مسلم يمكنه أن يكون من أهل الولاية. إن واحدية الوجود التي قال بها ابن عربي تذهب إلى أنه ليس في العالم وجودان بل وجود واحد، فالله هو العالم والعالم هو الله. وإن مظاهر العالم المختلفة ليست سوى مظاهر الله تعالى أي ليس لله إلا الوجود القائم بالمخلوقات، وليس هناك غيره ولا سواه.
وينظر ابن عربي من الإنسان بوصفه أصل وجود العالم، وأنه مبدأ صلة العالم مع الله. ولا يقرّ ابن عربي بالوجود الموضوعي للعالم الخارجي، في حين يعترف تلميذه ملا صدرا الشيرازي صراحة بالوجود الخارجي وجوداً موضوعياً، مع قوله بوجود إله حقيقي، أو إرجاعه كلا الوجودين إلى حقيقة واحدة وهوية واحدة.
يقول ابن عربي».. آدم هو الكتاب الجامع فهو للعالم كالروح من الجسد فالإنسان روح العالم والعالم الجسد فبالمجموع يكون العالم كله هو الإنسان الكبير والإنسان فيه وإذا نظرت في العالم وحده دون الإنسان وجدته كالجسم المسوى بغير روح وكمال العالم بالإنسان مثل كمال الجسد بالروح والإنسان منفوخ في جسم العالم فهو المقصود من العالم. يرى محقق الكتاب أن تأثير ابن عربي لم يتوقف على العالم العربي والإسلامي، بل تعداه إلى العالم الغربي.
إذ كتب المستشرق نيكلسون مبينا تأثير ابن عربي الكبير على الفكر الأوروبي قائلاً «إن ابن عربي عبقري الإسلام في الأندلس، بدراساته الجريئة في الإلهيات، ومشاهداته الكبرى، في عالم الروح، قد عبّد السبيل أمام اللاهوت المسيحي للنهوض والتحلل من القيود، وله أثاره في بعث الأدب الأوروبي أيضاً. فإذا قابلنا بين ما كتبه دانتي مثلا حينما نظم «الكوميديا الألهية» وبين ما كتبه ابن عربي، نرى أن دانتي قد تتلمذ على ابن عربي تلمذة واضحة، في النهج والأسلوب والطريقة، بل وفي الصور والأمثال والاصطلاحات، والأساليب الفنية».
بدأ ابن عربي تأليف الرسائل والكتب تباعاً، وكان مجمل المؤلفات التي ذكرها بنفسه 285 مؤلفاً ما بين كتاب كبير الحجم، ورسالة صغيرة. وكان رقم كتاب المعرفة بين هذه الأرقام 191، وقد نثره ابن عربي على هيئة مسائل في الله، والعالم، والإنسان. من خلال مجموعة من الأفكار التي تبين نظرة وحدة الوجود، والإنسان الكامل، فرقها ابن عربي وجمعها على هذا النحو الذي جاء في مسائل الكتاب.
كما ضمّن ابن عربي بعض هذه المسائل في كتابه «الفتوحات المكية»، حيث كتب يقول «ومدار العلم الذي يخص به أهل الله تعالى على سبع مسائل، من عرفها لم يعتص عليه شيء، من علم الحقائق، وهي معرفة أسماء الله تعالى، ومعرفة التجليات، ومعرفة خطاب الحق بلسان الشرع، ومعرفة كمال الوجود، ومعرفة الإنسان من جهة حقائقه، ومعرفة الكشف الخيالي، ومعرفة العلل والأدوية، وذكرنا هذه المسائل في باب المعرفة من هذا الكتاب، فلتنظر هناك إن شاء الله».
ابن عربي ـ كما هو حال باقي كبار المتصوفة ـ يصرح أحيانا عن ما يريد قوله وتبليغه، وأحياناً أخرى يعمد إلى الإشارة والرمز، فحين يتحدث عن عقيدة خاصة الخاصة في الله تعالى نراه يقول «إنه أمر فوق هذا، جعلناه مبددا في هذا الكتاب». (المعرفة)، لكون أكثر العقول المحبوبة بأفكارها تقصر عن إدراكه لعدم تجردها. بينما يخاطب القارئ في مكان آخر قائلاً «إن كنت ذا فطنة أومأنا إليك ما هو الأمر عليه!».
يرى المحقق أن كتاب «المعرفة» يمثل نظرية المعرفة عند ابن عربي، لما فيه من الكثير من المصطلحات الصوفية، التي قام بوضع شروح لها، وفقاً للمصطلحات الصوفية التي استخدمها ابن عربي في مؤلفاته، وبخاصة كتاب «رسائل ابن عربي». ويريد محقق الكتاب ومقدمه أن يكون كتاب «المعرفة» بمثابة محاولة لقراءة ابن عربي من زاويتين مترابطتين، الأولى كونه قطباً صوفياً، والثانية مسؤولاً، في حركة ثورية هي الحركة الإسماعيلية. ويؤكد بأنها قراءة غير كافية، لأنها تحتاج إلى دراسة دقيقة ومعمقة.
إن كتاب «المعرفة» ينفتح على التجربة الصوفية بين الكشف والستر في جدلية الوضوح والغموض، ونعثر على تفسير منشأ الوضوح والغموض في طبيعة التجربة الصوفية ذاتها، حيث ينهض جوهرها في انفتاح الأنا على المعنى الباطني للوجود كله، باعتبار التجربة الصوفية موازية لتجربة الوحي. ويفضي تماثل التجربتين إلى تماثل الخطاب الصوفي، من جهة بنية لغته التعبيرية، بالخطاب القرآني. وعليه يميز المتصوفة بين الإشارة والعبارة.
وإن كانت التجربة الصوفية في جوهرها تقوم على تجربة انفتاح الأنا على المعنى الباطني للوجود كلّه، فإن هذا الانفتاح مرهون بالقدرة على التواصل بين الأنا والكون الذي هي جزء منه. ولذلك فإنه من الطبيعي أن تمثّل التجربة الصوفية تجربة موازية لتجربة الوحي النبوي،
مع أن الفارق بين تجربة النبي وتجربة الصوفي يكمن في أن التجربة الأولى تتضمن الإتيان بتشريع جديد، فيما يكون فهم الوحي النبوي بالاتصال بالمصدر نفسه، هي مهمة العارف في التجربة الصوفية، وهذا التشابه والتوازي بين التجربتين يؤسس تشابها لغوياً من حيث بنية لغته التعبيرية.
إن قراءة محيي الدين بن عربي هي قراءة للتراث الإسلامي والتراث العالمي في نفس الوقت، نظراً لاستيعابه التراث الإنساني، وتوظيفه له في إقامة بناء فكري وفلسفي مميز.
عمر كوش
الكتاب: المعرفة
تحقيق وتقديم: محمد أمين أبو جوهر
الناشر: دار التكوين ـ دمشق2004
الصفحات: 201 صفحة من القطع الصغيرالمعرفة