الدكتور محمد صالح المسفر الأكاديمي والباحث الذي يعمل أستاذاً للعلوم السياسية في جامعة قطر، وصاحب أكبر مؤلف في القضايا العربية، شغله كغيره من المهتمين بالشأن العربي والإسلامي، علاقة الدين الإسلامي بالسياسة لا سيما بعد صعود ظاهرة ما عرف اصطلاحاً بالإسلام السياسي، وبروز الحركات الجهادية في بداية عقد التسعينات،

وقد دفعه هذا الانشغال إلى إجراء مجموعات من الحوارات المطولة مع علماء الدين وقادة الفصائل الإسلامية للوقوف على رأي هؤلاء العلماء والقادة في القضايا المصيرية التي تواجه العرب والمسلمين كقضية الصراع العربي ـ الإسرائيلي، وحرب الخليج الثانية، والعمل الجهادي.

يضم الكتاب حوارات مع تسع شخصيات من رموز الفكر الديني، والفصائل والأحزاب الإسلامية في مقدمتهم الدكتور يوسف القرضاوي والدكتور سيد طنطاوي والبابا شنودة الثالث، وخالد مشعل مسؤول المكتب السياسي لحركة حماس، والمفكر الإسلامي فهمي هويدي، وزياد محمود غنيمة أحد قادة الحركة الإسلامية في الأردن.

ولعل أهمية هذه الحوارات تكمن في كونها تقدم طيفاً من الآراء المتعددة والاجتهادات، التي تمثل مواقف ورؤى ومفاهيم لها أنصارها ومؤيدوها على ساحة العمل الإسلامي، إضافة إلى أنها تطرح قضايا هامة ومصيرية لا تزال تشغل بال الجميع، وتثير جدلاً واسعاً حولها، كما هو الحال بشأن العلاقة مع الغرب والموقف من العلمانية وقضية السلام العربي ـ الإسرائيلي وشرعية الفتاوى السياسية الإسلامية، ومفهوم الجهاد ومستقبل الحركات السياسية الإسلامية.

المحور الأول الذي يدور حوله الحوار مع الشيخ يوسف القرضاوي مدير بحوث مركز السيرة والسنة بجامعة قطر، هو علاقة الإسلام مع الغرب، هل هي علاقة صراع أم تعاون، وفي البداية يثير المحاور قضية خلافية هي مسألة العلمانية، التي يؤكد الشيخ القرضاوي أنها أولاً مثار خلاف في المصطلح، إذ إن الذين ترجموا هذا المصطلح من الفرنسية أو الإنجليزية كانوا يقصدون وضع العلم مقابل الدين.

كما أن العلمانية كانت لها مبرراتها عند الغرب بسبب وجود كهنوت متحكم في المجتمع، والإسلام ليس بحاجة إلى ذلك لأنه لا يوجد صراع بين العلم والدين، وبين الفكر والعقيدة، ثم تحدث عن مفهوم الدولة المدنية باعتبارها ليست دولة بيروقراطية أو دولة الكهنة، فهي دولة مدنية مبنية على البيعة، يختارها الشعب، وتقوم على دستور قائم على الشورى والعدالة والمساواة.

وعن الحوار مع الغرب يؤكد الشيخ القرضاوي أنه من دعاة الحوار معه، ومع العلمانيين والقوميين وحوار الأديان، أما الحوار الثاني فمحوره مسيرة السلام في المنطقة وطرفه الثاني الدكتور سيد طنطاوي مفتي مصر سابقاً وشيخ الأزهر حالياً وفيه يقدم رؤية الإسلام إلى بني إسرائيل، كما جاء في الآيات القرآنية، إضافة إلى موقفه من تغيير مناهج الدين والتعليم التي لا تتوافق مع المعاهدات والاتفاقيات الموقعة من قبل بعض الدول العربية مع إسرائيل، حيث يؤكد أن المشكلة ليست في المناهج، وإنما في كثير من الأحيان تنبع ممن يدرسون تلك المناهج.

وفي جانب آخر يتناول الحوار موضوع الفتنة الطائفية ودور رجال الدين والعلماء في الحفاظ على وحدة النسيج الاجتماعي، الوطني في مصر بعدما شهدته من أحداث بفعل فئة من المتطرفين لا تفهم الدين فهماً صحيحاً.

الحوار الثالث مع البابا شنودة الثالث بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقصية، ويتناول موضوع العلاقة بين العرب والغرب، والأرض المقدسة في فلسطين، لكن الحوار يقدم إضاءة على تاريخ الكنيسة القبطية في مصر وعلى تاريخ البابا شنودة الذي سبق وعمل في الجيش المصري في مهنة الصحافة، وكانت له إسهاماته في الأدب والشعر، كما يتطرق الحديث إلى تاريخ شهداء الكنيسة القبطية، الذي يمثل تاريخ النضال الوطني المصري ضد الإمبراطورية الرومانية.

وكما هو معروف عنه موقفه من اليهود والصراع العربي ـ الإسرائيلي، فإنه يؤكد أن فكرة شعب الله المختار انتهت مع انتهاء دورهم في نقل الإيمان إلى العالم في حين يتحدد موقفه من الصراع على أساس أن اليهود يحتلون بلداً عربياً، وكذلك الأمر بالنسبة إلى التطبيع الذي يجب أن يكون بعد تحقق السلام الشامل والعادل.

في القسم الثاني من الكتاب ينتقل الحوار إلى ممثلي ورموز بعض التيارات الإسلامية والحركات الجهادية، وفي مقدمتهم الدكتور بسام العموش النائب السابق عن جبهة العمل الإسلامي في الأردن، ويجيب فيه عن رأي الجبهة بمعاهدة السلام الإسرائيلية ـ الأردنية من موقع الرافض لهذه الاتفاقية، إذ يرى أن الهدف من الاتفاقية هو إبقاء الكيان الأردني.

وعن الأسباب التي أدت إلى تنامي ظاهرة الحركات الإسلامية في الوقت الراهن يقول بأن أسباب ذلك تكمن في غياب النظم الأحادية والاتحاد السوفييتي مؤكداً على أن الإسلام قادم وهو الحل. ويعرض نافذ عزام عضو حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين لنشأة الحركة وأهدافها التي زاوجت بين الإسلام والوطنية في حواره الذي يعترف فيه بأثر الثورة الإسلامية في إيران على الحركة، كما يتحدث عن الدور الذي تقوم به الحركة وعن أسباب عدم توحد هذه الحركات الجهادية.

ويعود الدكتور مسفر في حوار آخر للحديث عن آفاق الحركة الإسلامية في الأردن مع أحد قادة الفكر فيها زياد أبو غنيمة، الذي يعترف منذ البداية أن أهم سلبيات هذه الحركة تتمثل في عدم ممارسة الحركة للنقد الذاتي، مما يعطي انطباعاً بأن الحركة إذا ما وصلت إلى الحكم فإنها سوف تصادر الرأي الآخر، وحول عدم نجاح حركة الإخوان المسلمين في تحقيق إنجازات ملموسة يدافع أبو غنيمة عن النجاحات التي حققتها هذه الحركة،

كما يتحدث عن موقف الحركة عن اتهام الحركات الإسلامية بالإرهاب مطالباً بالعمل على ضبط وربط العمل الإسلامي، وعدم الخروج على الثوابت الشرعية حتى في الخصومة مع الأعداء، لكي لا تعطي هذه الحركات أعداءها مبرراً لتشويه صورة العمل الإسلامي.

القسم الأخير من الكتاب يتضمن حوارين، الأول مع الدكتور إسماعيل الدفتار أستاذ علم الحديث في جامعة قطر حول شرعية الفتاوى السياسية الدينية والثاني مع المفكر الإسلامي والصحافي فهمي هويدي حول مفهوم الجهاد عند الحركات السياسية الإسلامية. في الحوار الأول تتجلى القضية الإشكالية الأولى في تعدد واختلاف الفتاوى الدينية حول قضايا سياسية متعددة إذ يرى الشيخ الدفتار أن السبب في ذلك هو الاختلاف في التصور وعدم معرفة جميع أبعاد القضية.

وعن تحميل النصوص الدينية ما لا تحتمل يشير إلى تأكيد الإسلام على التحذير من تجرؤ الإنسان على الخوض في ما ليس له به علم.

المفكر الإسلامي فهمي هويدي يفرِّق في إجاباته عن الجهاد بين قيمة الجهاد والحركة التي تحمل الراية وتقول إنها حركة الجهاد التنظيمية، ويرى أن الجهاد الحقيقي يكون بتنوع الجبهات التي ينبغي على المسلم أن يمارسها، سواء أكان الجهاد السياسي بالقلم أم اللسان، وعلينا أن نحافظ على قيمة الجهاد، وأن نعزلها عمن يسيء استخدامها. وفي جواب عن أهداف حركة الجهاد الإسلامي يطالب الهويدي أولاً ضبط مصطلح حركة الجهاد الإسلامي،

إذ إن هناك حركة متعددة، يقوم بعضها بنسب نفسه إلى هذه القيمة، ولذلك هناك تعدد واختلاف في مشارب هذه الحركات، وفي أهدافها وأفكارها، وإذا ما كانت هناك جهات دولية استخدمت بعض المجاهدين لمصالح خاصة فلا يجب أن يكون ذلك مثار شبهة. وحول استنفار المجاهدين لقضايا ليست أهم إلى المسلمين من قضية القدس وفلسطين أشار إلى أن هذه حقيقة يجب التأكيد عليها، لكنه يبرر أسباب هذه المفارقة بأن منظمة التحرير الفلسطينية أعلنت عن مشروعها لإقامة دولة علمانية،

كما أن فلسطين ليست بلداً مفتوحاً، وبخصوص اتهامه بالترويج لأفكار الدولة الإسلامية أعلن دعمه لأي مشروع سياسي يرفع راية الإسلام، أما عن ظاهرة العمل الإسلامي فاعتبره جزءًا من أمل النهضة الذي يراود قطاعات عريضة من المسلمين والصدام الحاصل بين بعض الأنظمة وبعض الجماعات الإسلامية فهو ظاهرة مؤسفة تستدعي من الجميع مراجعة مواقفهم،

وفي النهاية يعلن رفضه لممارسات العنف الموجودة في العالم العربي من قبل الشباب أو المؤسسات الرسمية، في حين أن الدفاع عن الأرض العربية وكرامة المسلمين هو جهاد شريف ينبغي دعمه وتأييده.

مفيد نجم

الكتاب: الدين والسياسة

الناشر: المؤسسة العربية للدراسات بيروت 2005

الصفحات 144 صفحة من القطع الكبير