زار اسبانيا قبل تفجيرات مدريد حوالي 80 مليون سائح، أي ضعف عدد سكانها، واسبانيا التي نعرفها بديمقراطيتها اليوم لم تكن حتى منتصف السبعينات سوى دولة زراعية متخلفة يحكمها الجنرال فرانكو وتعتمد على مداخيل بسيطة، لكن السياحة طيلة السنوات الماضية حمت اسبانيا من الفقر ووضعتها على خارطة الجهات الأكثر رغبة وإقبالاً لدى السياح.
لقد شكلت السياحة مصدراً كبيراً للدخل القومي وخاصة بالنسبة لبلدان تمتاز بخاصية سياحية كالآثار والطبيعة، وهما ما يمكن للشرق أن يفتخر بهما حيث لكل حجر ذاكرة ولكل بقعة جغرافية مذاق. وعندما يأتي السائح إلى شرقنا فهو يأتي حاملاً معه كتاباً وخريطة وضعهما ذات يوم مستشرق مغامر جاب المنطقة طولاً وعرضاً فوثقها في مراكزه الوطنية وتحولت إلى مراجع يستدل بها أبناء جلدته الطريق إلينا.
وتشكل السياحة الثقافية عنصراً مهماً في رحلة الشرق، والأوروبيون عموماً يأتون إلى المنطقة بقصد التعرف والتثقف والاطلاع ويحملون في الغالب خرائط وكتب أجدادهم عنا، عكس السائحين الأميركيين الذين يتسلحون بدولارهم لكسب سعادتهم ، وبذلك لا تكون وجهتهم إلينا بقدر ما تكون إلى جنوب وشرق آسيا، هناك حيث الملايين يذهبون بحثاً عن مغامرة غير ثقافية!
ما يهم في علاقتنا بالسائح أن نكون نحن أدلاءه وليس خرائط أجداده وبمعنى أدق، أن كتبنا السياحية بلغات العالم خير سفير لنا ليعرف العالم عنا ما نريد أن يعرفه حقيقة وليس افتراضات. ترى كيف نصرف على التسويق والترويج الثقافي السياحي مقارنة بما نصرفه على الإعلام ليحسن صورتنا، إن السائح عندما يمتلك كتاباً عن أي منطقة عربية وضعناه نحن، ذلك يعني أننا لم نضلله ولم نخدعه، بل قدمنا خدمة مشتركة فهو عرف ما هو حقيقي عن بلادنا، ونحن غيرنا من صورتنا النمطية في ذهنه التي تركها المستشرقون الأوائل.
كتب الترويج السياحي واحدة من أبرز الكتب التي تقدمها المطابع عالمياً كل سنة، وهي ما تنفك تعيد وتحسّن وتنقح لكل الكتب عاماً بعد آخر، وقد أصبحت في السنوات الماضية مرجعاً ليس جغرافياً فحسب بل انثربولوجياً، ولم تعد تكتفي بذكر مساحة الدولة أو عدد سكانها وديانتهم وعملتهم الوطنية، بل دخلت إلى عمقهم الجغرافي والعرقي وتعددهم الثقافي ومستواهم المعيشي، ولكأن السائح تعنيه هذه الأمور؟! ربما كان هذا صحيحاً، ولكن لنقم نحن بذلك ولنرسم صورتنا بأيدينا بدلاً من أن يرسمها غيرنا مشوهة وغير صادقة.
ما ينقله السائح من مشاهدات عنا سيكون لها أثر كبير في تحسين صورتنا لديهم، فلنقدم له العون عبر كتب صحيحة ومفيدة، وبلغته أينما كان ليجيء إلينا ضيفاً زائراً، وليس فاتحاً يحمل الصولجان.