جان لاكوتور هو مؤلف أكثر من أربعين كتاباً.. عمل مراسلاً صحافياً في مصر خلال سنوات شبابه وكرس لها أول كتبه تحت عنوان: «مصر المتحركة» الصادر عام 1958 ثم قدم في عام 1971 كتاباً عن سيرة الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر تحت عنوان «ناصر» ..

كما كتب سيرة حياة العديد من شخصيات عصره مثل «هوشي منه» عام 1967 حيث كان قد أمضى فترة من الزمن في فيتنام أثناء الحرب ضد الولايات المتحدة الأميركية.. وله أيضاً كتاب عن «ديغول» وآخر عن «اندريه مالرو» وثالث عن «ليون بلوم» ثم عن «بيير مندس فرانس».

كذلك كتب جان لاكوتور في التاريخ مثل «تاريخ فرنسا في مئة لوحة» و«قصة السلطة» و«رحلة في نصف قرن»..الخ. هذا الكتاب الجديد «حياة زاخرة باللقاءات» هو عودة إلى بعض المحطات في مسيرة حياة طويلة، لقاءات مع بشر أو كلمات أو صور أو أفكار أو على صفحات الكتب.. وفي أمكنة عديدة، على شاطئ النيل، أو في «الهند الصينية» أو في أميركا، أو حيث شاءت الأقدار.

إنها لقاءات نسجتها الصدفة في أحيان كثيرة أو متطلبات العمل أو ظروف اللحظة. يتألف هذا الكتاب من أحد عشر فصلاً.. يؤكد المؤلف في المقدمة التي تسبقها بأنه قد وجد لديه «دافعاً طبيعياً» للميل نحو «التواصل» مع الآخر وليس الاكتفاء بالتأمل وحيداً. وهذا ما يفسره بتواضع كبير بكونه ليس فيلسوفاً مثل روسو وليس مبدعاً مثل فلوبير..

فحالته هي حالة «الذي لم تزوده الطبيعة بقدرة إبداعية بحتة لذلك يتجه نحو لقاء معاصريه وتفردهم وشهاداتهم». المهم هو أن تكون «المرآة مخلصة» وأن يعرف كيف يختار «زاوية الإضاءة المناسبة». ثم هناك آثار مهنة «الصحافة» التي «يدفعها طموحها نحو بوابات التاريخ والأدب لكنها تبقى مركزة على تقصي المعلومات من كل نوع» كما يدفعها نحو «اللقاء بالآخر».

لكن بالتأكيد يجمع المؤلف في هذا الكتاب مواقف ونشاطات قليلة التشابه جداً فيما بينها مثل لقاء مع الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات في بيروت قبل خمس وثلاثين سنة وأمسية للاستماع إلى الشاعر «رونيه شار» وهو يلقي أشعاره في قرية صغيرة بالقرب من مدينة افينيون الفرنسية أو لقاءات عابرة مع الفيلسوف ريمون آرون على سبيل المثال.

وبعد الحديث عن لقاءات صحافية أولى مع أدباء من أمثال جان كوكتو وفرانسوا مورياك أثناء سنوات المقاومة الفرنسية للاحتلال النازي خلال السنوات الأولى من الحرب العالمية الثانية ومع عسكريين مثل الجنرال لوكليرك محرر باريس..

ينتقل المؤلف إلى إقامته القصيرة في المرة الأولى في الهند الصينية ولقائه بالجنرال الشهير «جياب» الذي يدعوه بـ «البركان تحت الثلج».. ولا ينكر «لاكوتور» بأن معرفته عن قريب لواقع الاحتلال الفرنسي وللممارسات الاستعمارية أدت به إلى حتى «الإحساس بكره فرنسا» و«الحقد حيال بلاده»..

وينقل في هذا السياق عن الإمبراطور الفيتنامي السابق «باو داي» الذي كان قد تنازل عن العرش بتاريخ 15 اغسطس 1945 وصرح بكل كرامة بأنه يفضل أن يكون «مواطناً في أمة حرة من أن يكون إمبراطوراً في بلاد مستعمرة». وينقل عن الجنرال جياب الذي التقاه قبل أن يلتقي بالزعيم هوشي منه» قوله: «لقد كلفني الرئيس هوشي منه بأن اكشف لك بوضوح أهدافنا الاستراتيجية.

إنها بسيطة وتتمثل في أننا نريد الاستقلال وليس الحرب على عكس بعض حلفائنا إذا استطعنا الحصول على الاستقلال دون الحرب مقابل تنازلات مؤقتة والاعتراف بالمصالح فإننا سنكون صبورين ومعتدلين. إننا لا نبحث عن أي ثأر، فثقافتكم عزيزة علينا وإننا لا نزعم فرض ايديولوجيتنا. لكننا لن نساوم في المدى المتوسط أو الطويل على هذين الهدفين الأساسيين «أي الاستقلال والحرية».

وفي مقدمة حديثه عن «لقاءاته العربية» يتحدث جان لاكوتور عن شخص فرنسي هو «جاك بيرك» أحد أكبر المستشرقين في فرنسا إلى جانب مكسيم رودنسون، وقد أصبح المؤلف صديقاً للاثنين كما يشير في معرض حديثه عنهما. ويصف لاكوتور صديقه بيرك بأنه «ذلك المستعرب الكبير وأحد أفضل الذين ترجموا القرآن الكريم إلى اللغة الفرنسية، ثم يضيف بأنه ذلك الذي سيصبح رفيق الساعات الطويلة على شواطئ النيل.. ويتابع: لقد عرف جاك بيرك كيف يفرض نفسه.. كأحد رجال الغرب الذين يستمعون بملء إرادتهم للعرب والمسلمين.

ويفتح المؤلف هنا قوسين للحديث عن لقاء أوجدته الصدفة ذات يوم من ربيع عام 1948، حيث كان بصحبة زوجته التي يقول عنها في الحقيقة كانت أجمل لقاءاتي المغربية وأكثرها استمراراً، يجلسان على شرفة مقهى مطل على مرفأ الصويرة. الموتمادور في ظل الحقبة الاستعمارية ـ

وفجأة لحظت بالقرب منهما رجلاً ضخماً لم يكن في الواقع سوى «اورسون ويلز» عندما كان يقوم بتمثيل فيلمه الشهير «عطيل» لشكسبير.. ويومها ألقى عليهما «ويلز» درساً في موسيقى «موزارت».

إن المغرب مرتبط في رأس المؤلف بشخصيات عدة في مقدمتها الملك محمد الخامس ثم الحسن الثاني وعبدالرحيم بوعبيد والمهدي بن بركة. وكان «لاكوتور» قد التقى الملك محمد الخامس للمرة الأولى عام 1957 لإجراء مقابلة لصحيفة «لوموند» هذه المقابلة التي لم يتم نشرها أبداً. لماذا؟

هل لأسباب تتعلق بالتوتر الذي كان سائداً بين فرنسا والجزائر بسبب الحرب، أم بسبب حماقتي؟ «يتساءل لاكوتور كي يشير مباشرة إلى إصرار الملك المغربي على التحدث باللغة العربية وهو الذي كان قد دخل في نزاع مع قوة الانتداب الفرنسي ونفوه إلى مدغشقر كي يعود ظافراً عام 1955 إلى العريش وبعدها لم يكن يتحدث باللغة الفرنسية إلا أحياناً مع بعض أصدقائه الحميمين» ويوم المقابلة قال الملك محمد الخامس بطرحه للصحافي المؤلف:

«من أجل المحافظة على الصداقة الفرنسية ـ المغربية ينبغي الوصول إلى حل يحترم تطلعات الجزائريين ومصالح الفرنسيين».

كان ذلك القول بعد أشهر فقط من اختطاف القائد الجزائري أحمد بن بلله ورفاقه واقتيادهم عنوة إلى فرنسا.. وقبل أشهر عدة من وصول الجنرال شارل ديغول الى السلطة من جديد بعد ان كان قد تخلى عنها قبل سنوات.. وبعد عودته مباشرة أسس «الجمهورية الخامسة» التي لا تزال قائمة حتى الآن والرئيس الحالي جاك شيراك هو خامس رئيس لها.

بعد الموت «المفاجئ» للملك محمد الخامس خلفه ابنه «مولاي الحسن» الذي أصبح الحسن الثاني. ومن خلال المقابلات الاثنتي عشرة التي أجراها المؤلف معه منذ نهاية عام 1957 وحتى نهاية القرن «العشرين» يصفه بالقول: «لقد ظهر لي طوراً كرجل يملك طاقة ووضوحاً في الرؤية لا مثيل لهما وطوراً رجلاً متشككاً فيه من الجفاف ما يثير القلب، وعلى قاعدة مثل هذا «الجفاف» تمت «ملاحقة واضطهاد عائلة محمد أوفقير الذي كان لفترة طويلة رجل ثقته الأمين»..

وكذلك عملية اختطاف «المهدي بن بركة» من أمام احد مقاهي شارع السان جيرمان في باريس، ثم قتله.

ويروي المؤلف عن لقائه الأول مع بن بركة في باريس عام 1952 احتمالاً بأنه كان يقال عندها: «اذا كان للمغرب ان ينجب لينين جديداً فسيكون هذا الأستاذ الصغير»، وكان بن بركة، يشغل منصب رئيس الجمعية الوطنية المغربية عند الاستقلال عام 1957، وقد أطلق عليه مؤلف هذا الكتاب في تحقيق أجراه آنذاك بأنه «دينامو المغرب»

وضمن هذا الإطار يقول لاكوتور: لقد كان من الصعب الوصول الى صداقة حقيقية مع المهدي المتوثب (...) لكنه كان مع ذلك يعرف كيف يمارس الصداقة (...) إنما كانت حرارة المحرك ترتفع بسرعة كبيرة، ويكشف المؤلف بأن بن بركة، قد أبدى أمامه «إمكانية التعاون» مع الحسن الثاني..

ثم يضيف قوله: «كل شيء يسمح بالتفكير بأن محاولة أو فرضية للمصالحة قد جرت بين الحسن الثاني وبينه بوساطة رئيس وزراء المغرب الأسبق احمد بلفرج. لماذا لم يتم ذلك؟ الفرضية التي يقدمها المؤلف هي ان الجنرال محمد أوفقير «الرجل القوي آنذاك في القصر المغرب قد «تدخل» اذ رأى بأنه «قد يخسر كل شيء إذا تم توقيع عقد بين الملك والمنفي».

وعن مصير المهدي بن بركة يكتب المؤلف: «كل ما تمت معرفته من خلال بعض المعلومات والمقارنات هناك بعض المعطيات المؤكدة التالية: إن اختطافه في قلب باريس من قبل اثنين من رجال الشرطة الفرنسيين الذي جرى استخدامهم من قبل الاستخبارات المغربية، وأنه جرى احتجازه في بلدة نونتوني اوروزل، وانه قد جرى تعذيبه بآلات حادة وان أوفقير نفسه قد غرز فيه رأس خنجره..

وانه قد احتضر في ضواحي باريس ليتم نقل جثته ليلاً بواسطة الخطوط الجوية الفرنسية على أساس انه طرد بريدي. ثم يختم لاكوتور كلامه بالقول: «مسكين المهدي ذلك الجسد الصغير الممزق».

في القاهرة التي عرفها جان لاكوتور كان «الضباط الأحرار» يحلمون بإطلاق صورة مصر في القرن العشرين. لكن ماذا كانت طبيعة النظام آنذاك 1953؟ هذا السؤال يطرحه المؤلف ويجيب عنه بالقول: «للنظام وجه هو محمد نجيب، وإرادة هي عبدالناصر، فإذا أردت أن تكون مسروراً فما عليك سوى أن ترى الأول وإذا أردت أن تحصل على معلومات فعليك بالثاني». وبما ان الأمر يتعلق بصحافي،

فكان طبيعياً أن يسعى لاكوتور الى مقابلة جمال عبدالناصر الذي حدد له موعداً للقائه في قصر حكومي يطل على نهر النيل.. وكانت الأحاسيس التي اعترته في اللحظات الأولى لرؤيته مواجهة هي ما يعبر عنها بالقول: «ما كان يصعق لديه هو قامته الفارعة ثم شبابه وأخيراً نظرته التي كان يمتزج فيه السواد العميق مع شيء من الحدة التي يتسم بها أبناء الصعيد المصري».

لقد طرح عبدالناصر أثناء ذلك اللقاء العديد من الأسئلة «أكثر مما قدم من الإجابات» وحيث أبدى اهتمامه خاصة بما كان يجري من أصوات في شمال أفريقيا الخاضعة للاحتلال الفرنسي وكان ذلك في مطلع عام 1954، وكأنه يريد أن يفهم «مثل طالب». عندما خرج لاكوتور من ذلك اللقاء قال لزوجته التي كانت ترافقه: «انه ذكي، هذا الرجل» وهذا ما علقت عليه بالقول: «لكنك أنت الذي أخذت ناصية الحديث طيلة الوقت».

لقد تولى جمال عبدالناصر مقاليد السلطة كلها عام 1956 وكان عمره آنذاك 36 سنة.. وعندها «تخلى عن سترة البكباش» كما يقول المؤلف ليرتدي «سترة الرئيس».. ثم يضيف: «لقد توقف عن لعب دور المتدرب الثوري كي يتحدث لغة القوة ويتعامل مع أدواتها دون خجل» وحيث كان محاطاً بمجموعة صغيرة من المقربين من بينهم محمد حسنين هيكل، صاحب القلم «الذي يذكر بهنري كسنغر» وعلي صبري الذي كان رئيس وزرائه وعبدالحكيم عامر صديقه.

وفي معرض المؤلف عن عبدالناصر، الذي لا يخفي اعجابه به يقول: «ان هذا الرجل الذي عرفناه كيف يجيد الحسابات قدم لرئاسة الأركان الإسرائيلية أفضل حجة لشن الحرب عبر حصاره لمضائق تيران.. والرجل نفسه كان مع ذلك قد انخرط في حديث بالمراسلات مع دافيد بن غوريون بواسطة اثنين من النواب البريطانيين من حزب العمل الانجليزي عام 1954 ـ وهي عملية كنت قد شاركت بها قليلاً ـ،

بل وإنه وافق على اجراء مقابلة معي لمجلة «فرانس سوار» في مطلع عام 1956، مقابلة طويلة أبدى فيها وليس دون انتقاد مرير لتقسيم فلسطين، امكانية التفاوض مع اسرائيل من أجل السلام، ويفترض انه كان قد توصل إلى الاعتراف بأنه لا مفر منه عندما قبل عام 1969 بخطة روجرز المقصود هو وزير الخارجية الأميركي آنذاك وليام روجرز الذي اقترح عام 1969 خطة للسلام العربي ـ الإسرائيلي تقوم على أساس اقتسام الأراضي والمياه والنفط (نفط سيناء).

الكتاب: حياة زاخرة باللقاءات

الناشر: سويل ـ باريس 2005

الصفحات: 28 صفحة من القطع المتوسط

Une vie de rencontre

Jean lacouture

Seuil - paris 2005

p. 280