مؤلف هذا الكتاب الأستاذ الدكتور بسام موسى قطوس هو ناقد أكاديمي فلسطيني يشغل مقعد أستاذ النقد الأدبي الحديث بجامعة اليرموك في الأردن، إضافة إلى كونه عضواً في أكاديمية أكسفورد للدراسات العليا؛ واتحاد الكتّاب العرب بدمشق، ورابطة الكتّاب الأردنيين، وهو يعمل حالياً أستاذاً للنقد الأدبي الحديث في كلية الآداب بجامعة الكويت.
من مؤلفاته: «استراتيجيات القراءة» دار الكندي 1998، «وحدة القصيدة في النقد العربي الحديث» دار الكندي 1999، «مقاربات نصيّة في الأدب الفلسطيني الحديث» دار الشروق 2000، «سيمياء العنوان» وزارة الثقافة الأردنية 2001.
يأتي الكتاب الجديد للدكتور قطوس «الإبداع الشعري وكسر المعيار.. رؤى نقدية» في بابين وأربعة فصول لاحق من خلالها مظاهر كسر أو تجاوز المعيار الشعري في المراحل التاريخية المتأخرة، ومثّل لكل مظهر بشواهد شعرية اجتهد في شرح وتحليل ملامح ومميزات خروجها على المعيار السائد.
وبعد أن يذهب المؤلف إلى أن ظروف خلود الشعر واستمراره عبر القرون ربما لا يكون لها أدنى علاقة بالمعيار حيث تجاوز الرومانسيون الكلاسيكية، وتجاوز الواقعيون الرومانسية، كما تجاوز السرياليون الاتجاهات التي سبقتهم، نجده يرصد في هذا الكتاب مستويين من مستويات التجاوز. الأول، التجاوز المبدع المحكوم بمنطق اللغة وتشكيلاتها وما تحمله من جوازات ومحرّمات، وبمنطق النص والسياقات المحيطة به التي تعقلن ما قد يبدو لا معقولاً، من خلال محافظتها على شكل راقٍ من أشكال التواصل مع المتلقي.
والتجاوز الثاني، هو التجاوز المفرط الذي يصل إلى درجة تعصى على التأويل، لأنها لم تخضع لمنطق اللغة الإبداعية نفسها وتطورها الداخلي وجوازاتها وانحرافاتها فتسقط عنها سمة التواصل، وتظل بعيدة عن أن تشكل سمة إبداعية.
في الفصل الأول من أول أبواب الكتاب يمثل المؤلف لتجاوز النص المدجن من خلال اتخاذ الممارسة الثقافية كأداة لكشف ما غمض من النص أو ما لم يسعف المخزون اللغوي في تقريبنا من جمرة إبداعه. ويحاول إثبات أهمية السياقات الثقافية وكيف تتكفل بتأويل ما لم يسعف المخزون البلاغي (استعارة، صورة) بتأويله.
وقد اتخذ المؤلف من «جدارية» محمود درويش وقصيدته «اللقاء الأخير في روما»، وقصيدة «الوقت» لأدونيس مثالاً على ذلك. ثم يرصد المؤلف في فصله الثاني تجاوز المعيار من خلال اتكاء الشعر الحديث على «الاستعارة التنافرية»، حيث يغيّر الشعراء في العلاقة بين الدال والمدلول من خلال توسيع الدوائر الاستدلالية التي تتخطى المعجم المألوف إلى معجم جديد يسعى إلى العبث بعلاقات التناسب القائمة بين طرفي الاستعارة،
وهو ما يُحدث خلخلة عجيبة في توقع المتلقي، وإيحاءات متعددة تتغلغل في النفس متجاوزة التقرير والمباشرة والوصف السطحي إلى الإبداع الحقيقي، ويورد المؤلف أمثلة عديدة على ذلك.
وأورد المؤلف العديد من نماذج قصيدة النثر لمحمد الماغوط وأدونيس وتوفيق صايغ وأمجد ناصر ونوري الجراح، وخلص إلى أن الشعرية لا تكتمل إلا باكتمال بقية أدوات التعبير وعلى رأسها حضور الإيقاع الحقيقي، وآية ذلك أن توفر بعض مقاطع «قصيدة النثر» على نوع من الشعرية لا يعطيها شرعية كونها قصيدة، ولا يمنحها تأشيرة الشعر، فثمة شعرية في الرواية، والقصة، والأسطورة، ولكن وجود هذه الشعرية لا يمنح الرواية أو القصة تأشيرة الشعر، وهو إن منحها روح الشعرية فلا يمنحها حق التسمّي بـ «قصيدة».
وبعد تحليله لعدد من القصائد النثرية لأكثر من شاعر يؤكد قطوس أن ما أتت به قصيدة النثر ليس إلا مجرد كلام لا ينبني على رؤية متكاملة، إذ علاقة المنشئ بموضوعه وباللغة علاقة باهتة ومعدومة. أما اللغة التي هي الأصل في تحقيق الاتساق والانسجام، ومن ثم الإبداع والتواصل، فقد خرجت على قوانين اللغة خروجاً عبثياً وليس خروجاً إبداعياً، ليس انحرافاً أو انزياحاً، كما يُسمى في النقد الحديث، وليس عدولاً أو توسعاً، كما يُسمى في نقدنا العربي القديم، إنه خروج فوضوي لا يقدم معنى ولا يشير إلى دلالة.
عبدالكريم المقداد
الكتاب:الإبداع الشعري وكسر المعيار..رؤى نقدية
الناشر: مجلس النشر العلمي الكويت 2005
الصفحات: 166 صفحة من القطع الكبير