أحمد المسلماني، كاتب صحافي في جريدة الأهرام المصرية، له العديد من المقالات والابحاث المنشورة، ومن مؤلفاته «ليبيا.. حدود التغيير»، الأحزاب السياسية في مصر، «المؤسسة العسكرية في إسرائيل» «الحداثة والسياسة» و«ما الذي يجري في مصر» و«ما بعد إسرائيل» و«موسوعة 11 سبتمبر».. «الرؤية العربية» .
وفي تقديم المفكر الدكتور عبد الوهاب المسيري لهذا الكتاب أعلن انتماء هذا الكتاب إلى فئة المراجعات وإعادة النظر، والذي يستهدف إعادة قراءة ما كان من شأن الثورة والثائرين، وعن ذلك الطريق الذي صعد بالعالم العربي في سنوات الانتصار ثم هوى به في سنوات الانكسار يمر الكتاب على عدة ثورات عربية مفصحا عن تأملات في معالم الخريطة العربية من الزمان إلى المكان، ومن القصور إلى القبور.
ومن هنا تأتي شرعية سؤاله: ما الذي جرى للثورة في العالم العربي؟ سبعة فصول يشملها الكتاب أولها خريف الثورة.. ملامح الغروب، ويشير فيه إلى أن الثورات هي ضرورة في التاريخ وبعد عقود من ثورات باهرة.. هبطت مثل ملاك يحيط البائسين بجناحيه، وسطعت مبادئها نجوما لامعة تهدي الحائرين، تتبدى الصورة غير الصورة، وبدأ عصر آخر من إعادة النظر.
ويقول المؤلف إنه على نحو عام فإن موضوع الثورة يلفت الانتباه إلى عدد من المفارقات التي تستدعي الوقوف أمامها:
المفارقة الأولى: تتمثل في أن عددا كبيرا من الثوريين لم يبقوا طويلا بعد نجاح ثوراتهم. المفارقة الثانية: أن معظم الثورات كانت قاسية على نفسها وأبنائها، فتحت دعاوى التطهير ولا حرية لأعداء الشعب، راحت الثورات تعصف بأبنائها.
المفارقة الثالثة: أن معظم الثورات بدأت طموحة نحو الخارج، وتحت شعار تصدير الثورة انطلقت خطب الثوريين تهاجم النظم الحاكمة المجاورة.
المفارقة الرابعة: أن عددا من الثورات قد اندلعت وهي تحمل الكثير من الغضب والقليل من الفكر.
المفارقة الخامسة: تلك الصناعة الماكرة الاسطورة، الرأي العام، فالحديث باسم الجماهير والاستجابة لآراء وأفكار الشعب.
المفارقة السادسة: الزهو الثوري الدائم بالفضيلة السياسية ومكارم الأخلاق، ثم تكون النتائج عكس ذلك الاتجاه.
المفارقة السابعة: تكمن في ذلك الإلهام الزائف الذي يستوحيه الثوريون من نماذج مستحيلة مثل استوحاء النموذج الفيتنامي الشهير.
المفارقة الثامنة: التنافس الثوري، ذلك أن عددا من الثورات قد اصطدمت بالأخرى.
المفارقة التاسعة: الخلط الشائع بين الجيش والسياسة بعد أن فقدت الهيئات العسكرية احترافها وأدار العسكريون ضعاف الموهبة شؤون السياسة.
ورغم محاولة الكاتب لاستخلاص مجموعة من القواعد والنتائج والمفارقات ـ كما يطلق عليها ـ إلا أنه لم يفلح في ربط تلك الاستخلاصات بالظرف والبيئة المحيطة بكل ثورة على انفراد فمما لاشك فيه أنه لو كان في ربطه قد حلل ـ على سبيل المثال ـ فكرة تصدير الثورة في إطار الظرف القومي والإقليمي والعالمي لاستطاع أن يضع القارئ في صدق استخلاصه من عدمه، كما أنه لو فعل ذلك أيضا في مسألة التنافس الثوري بين الثورات،
وشرح لنا لماذا حدث ذلك بين النموذج الصيني والسوفيتي، أو النموذج المصري والنموذج البعثي أو أي نماذج أخرى لكنا وضعنا أيدينا على خصائص كل تجربة ومجال حركتها وعلاقة ذلك بالبيئة الدولية والإقليمية التي تقف مساندة أو معاندة .
عندها سوف يتكشف لنا خرائط الصراع بعمقها الرأسي والأفقي ومدى قدرة هذا النموذج على النفاذ أو الصدام أو الالتفاف من أجل تحقيق فعله ونفوذه بما يعني تأمين ذاته، والأمثلة عديدة. بعد ذلك ينتقل الباحث إلى الفصل الثاني من الشيوعية إلى الإسلام.. بقاء العدو»
ويقول فيه إن العالم انشغل بالثورة الشيوعية في القرن العشرين بمثل ما انشغل بالثورة الفرنسية في القرن التاسع عشر، وأن العالم العربي قد شهد ثورة يمينية رئيسية هي ثورة عام 1919 بقيادة سعد زغلول وإلى الاسفل منها انقلاب ثوري يميني مثلته الثورة العربية الكبرى عام 1916 بقيادة الشريف حسين بن على، وأنه لم يقدر لثورة 1919 أن تستكمل مشروعها الإصلاحي باتجاه التطور السياسي والاقتصادي ودعم حالة الفلاحين والعمال،
فجاءت ثورة 1952 وجملة الثورات العربية في الخمسينات والستينات آخذة من الثورة الشيوعية العداء الإيديولوجي للغرب الأميركي الأوروبي، ثم كان أن فشلت مجمل الثورات العربية بعد أن اختطفها التجار وانزاح الثوار.
وفي هذا الفصل يبدو الكاتب مغرما بالوصول إلى الاستخلاصات الحكيمة، دون رصد للتفاعلات على خريطة العالم وأثر ذلك على بلدان العالم الثالث، متغافلاً عن الاستعمار وحركته العالمية ومراحل تطوره وأثر ذلك كله على الثورات في العالم الثالث، وكذلك أيضا دور الثنائية القطبية وبروز حركات التحرر في ما بعد الحرب العالمية الثانية ونتائجها التي أسست لموازين قوى وصراعات قوى ومصالح..
كل ذلك أوقع الكاتب في حديث عن صراع الثورات مع الغرب أو ما سماه العداء الايديولوجي للغرب الأميركي الأوروبي رغم أنه لو ربط الأحداث وسار مع سياقها التاريخي لأكتشف أن العداء لم يكن موروثا من الثورة الشيوعية، وإنما جاء نتيجة للمشروع الاستعمار الغربي واستمراره في الواقع رغم محاولات عديدة من الثورة للاقتراب والتفاهم مع الغرب والولايات المتحدة الأميركية ولعل قصة تمويل السد العالي خير شاهد على ذلك.
في الفصل الثالث عن الجزائر.
من الثورة إلى الدولة، يحاول الكاتب أن يجد مدخلات تشرح لنا الدراما التي حدثت بين بن بيلا وبومدين وبين نموذج القومي العربي ونموذج الاشتراكي الأممي الذي أفضى إلى الانتفاضة الإسلامية والعنف الدموي الذي وقع بعد ذلك، ودور الفكر الديني الإصلاحي الذي مثله ابن باديس وابن مالك ،
وكيف أن الليلة أبعد من البارحة، وكيف أن البؤس مازال قائما ، ومازالت الرحي دائرة. أما الفصل الرابع: العراق.. قرن الاجتهاد والخطأ فهو محاولة تبسيطية للوصول إلى استخلاصات مفصولة عن سياقها كما هي العادة في هذا الكتاب، مثل قوله: » لا يبدو أن بلدا كهذا قد حاول الإصلاح في القرن التاسع عشر وسار في الإصلاح في العهد الملكي وخطى في الإصلاح في بداية عهد الثورة قد أتت به الثورة إلى ذلك الحال من العدم. حيث لا ثورة ولا دولة.
في الفصل الخامس: ثورة اليمن .. سقوط الملكية بعد ألفي عام. وفيه يصل أيضا إلى استخلاص مفاده إن الثوريين اليمنيين بدعم الثوريين المصريين لم يتمكنوا من تطويق النظام القبلي وإطلاق الفرصة للتطور السياسي والاجتماعي.. وقد فشل كلا الطرفين في تحويل الثورة إلى دولة، وفي تطوير الحالة القبلية باتجاه الدولة العصرية..
وأصبحت القبائل خارج سلطة الدولة، ولم تعد الحكومة سوى غطاء على حالة التوازن القبلي القائم. ويقول المؤلف: إنه إذا كانت تجربة الثوريين في الشمال والجنوب تكمن في إسقاط النظام الملكي المستبد والتخلص من الاستعمار البريطاني فإن إكمال الطريق لم يذهب أبعد من ذلك.
لقد تهاوت أوضاع اليمن بعد أن عادت ملامح ثورتها لتقارب ملامح ما قبل الثورة. وكالعادة أطلت جماعات الإسلام السياسي على المشهد من الاخوان المسلمين إلى الجهاد ومن اليمنيين الافغان إلى جماعات التكفير. في الفصل السادس: ثورة ليبيا.. جماهيرية بلا جماهير ويقول المؤلف إن الشعب الليبي خاض خمسمئة معركة ضد الاستعمار الإيطالي، فقد خلالها 700000 شهيد أي ما يعادل نصف السكان وقتها.
كان ذلك سبيلا لفاتحة طريق نهضة وتقدم وازدهار إلا أن الثورة الليبية وقعت عام 1969 وعادت ليبيا إلى الوراء واختفى اسم عمر المختار حتى لا ينافس معمر القذافي المناضل والمفكر ومفجر الثورة والثوري الدائم.. الخ
الحاصل إذن أن الثورة الليبية قد انتهت على غير ما بدأت وأخيرا في الفصل السابع: «محاورات حول الثورة والدولة» وفيها انتقل من محاورات مع سامي شرف والرئيس أحمد بن بيلا والصادق المهدي، إلى علاقة الثورة بالدولة وانطباعات كل منهم عن القيادات التاريخية مثل جمال عبد الناصر، خرتشوف، كينيدي، نلسون مانديلا، شافيز.
وأخيرا إذا كان عصر الثورة وصل إلى خريفه ونهايته ، فكم يبدو ضروريا أن تنهض موجة فكرية تستكمل إعادة النظر والقراءة العميقة والمتأنية للأحداث وعلاقة ذلك بفهم العصر والعالم وكذلك علاقة ذلك بالسياقات التاريخية لأمتنا ودور النخب والطلائع. كثيرة هي القضايا التي تحتاج إلى قراءات ومراجعات فالإشكالية معقدة.
أمين اسكندر
الكتاب: خريف الثورة صعود وهبوط العالم العربي
الناشر: دار مريت ـ القاهرة 2005
الصفحات: 297 صفحة من المقطع المتوسط