منذ أسابيع طرحت في الأسواق الفرنسية رواية بعنوان «فارس القديسة هرمن» للمؤلف الفرنسي العملاق الكسندر دوماس (18021870) وهذه الرواية لم تنشر من قبل، حيث تم العثور عليها مخطوطة في أرشيف المكتبة الوطنية الفرنسية وتبلغ ألف صفحة تسرد مغامرات الضابط لوشو فالييه في بداية إمبراطورية بونابرت مطلع القرن الثامن عشر.
أعادت تلك الرواية حياة دوماس إلى صدارة الاهتمامات الثقافية في فرنسا والعالم، فمن منا لا يعرف الكسندر دوماس الروائي والكاتب الفرنسي المشهور، كان والده مركيزاً في دوقية أورليان بفرنسا. ويجري التعريف به أنه الكسندر دوماس الأب أو الكبير، حيث هناك كاتب فرنسي آخر تحت الاسم نفسه ويعرف بالكسندر دوماس الابن وهو مؤلف رواية غادة الكاميليا. ومن منا لم يقرأ «الفرسان الثلاثة» و«الكونت دي مونت كريستو» وغيرهما من قصص المغامرات الشائقة؟.. ومن منا لم تتوق نفسه إلى معرفة طرف من حياة مبدع هذه الروايات؟.. الذي يلمع اسمه في ذاكرة كل صبي وشيخ.
كان دوماس في الرابعة من عمره حين مات والده.. فلما خرجت أمه من غرفة الموت، رأت الطفل يصعد السلالم إلى سطح المنزل وهو يجر وراءه بندقية ثقيلة:
ـ إلى أين أنت ذاهب يا بني؟
ـ ذاهب إلى السماء!
ـإلى السماء؟.. لماذا؟
ـ كي أبارز الله الذي قتل أبي.
وهكذا ـ كما في الفرسان الثلاثة ـ كان «الكسندر» منذ طفولته الباكرة محارباً ضد القوى المنيعة التي لا تغلب!ولد من سلالة اشتهر رجالها بالحروب والمغامرات.. حتى لقد تناسى جده «دافي دي لابايتري» ارستقراطيته الموروثة.
وأطاع الحنين الذي يسري في دمه إلى حياة المغامرة فأقلع بسفينة صغيرة من أحد موانئ مقاطعة «نورماندي» متجهاً إلى جزيرة «سان دومنجو» حيث عاش أشبه بـ «إمبراطور» على الزنوج، تحيط به رعية من العبيد السود، كانت منهم «لويز دوماس» التي أنجبت له «مولوداً» سماه أبوه «الكسندر».
أحرز دوماس أول نجاح أدبي بفضل مسرحياته التاريخية، هنري الثالث (1829) وكريستين (1830) وانتوني (1831) واتبعها بالتحفة الخالدة الفرسان الثلاثة (1844) والكونت دي مونت كريستو في السنة نفسها وكذلك الملكة مارغو، ثم زهرة التوليب السوداء عام (1850) والفيكونت دي برجيلون 1848، وذلك فضلاً عن مذكراته ودراساته التاريخية وكتبه عن الرحلات والأسفار.
تدور أحداث رواية الفرسان الثلاثة حوالي العام 1660 بين فرنسا وانجلترا وهذه الرواية هي سلسلة متواصلة من مغامرات الفرسان دارتانيان وآراميس وبورتوس، الذي يمتاز بقوة بدنية هائلة بينما صديقه دارتانيان يعمل قائداً لحرس فرسان الملك في حين يعمل آراميس قائداً عاماً ثم دوقاً لمقاطعة آلاميدا.
كان لويس الرابع عشر ملك فرنسا الشاب مستبداً شغوفاً بالنساء محباً للمال ولكنه كان أشبه باللعبة بين يد الكردينال مازاران ولا يستطيع الملك تحريك أمر في مملكته دون الرجوع إلى الكاردينال المتسلط.
بينما كان شارل الثاني ملك انجلترا يحاول العودة إلى العرش بعد مقتل أبيه شارل الأول، وجاء متخفياً إلى فندق على أطراف باريس يطلب مساعدة ملك فرنسا لويس الرابع عشر لاستعادة عرشه من يد جنرال اسكتلندي يدعى مونك. لكن الملك الفرنسي لم يستطع تلبية طلب ملك انجلترا فهو لا يملك من أمره شيئاً لكن وعده بمد يد العون له مادياً حتى يستطيع تدبر بعض أموره.
وصلت هذه القصة السرية إلى مسامع قائد الحرس دارتانيان فقرر عبر تاريخ من النبالة والفروسية مساعدة الملك شارل الثاني ليعود إلى عرشه، فعمل مع عشرة من أشجع فرسانه الذين تنكروا بزي صيادين واستقلوا سفينة صيد هولندية وانطلقوا بها إلى معسكر القائد الاسكتلندي مونك.
حيث قام دارتانيان بإغراء مونك بالمال وقاده إلى قبو قديم حيث كان في انتظاره الفارس آتوس فتم احتجاز مونك ومن ثم وضعه في قفص خشبي والإقلاع به على ظهر السفينة الهولندية باتجاه انجلترا وهناك قدم دارتانيان القفص للملك شارل الذي أكبر فيه هذا الصنيع متسائلاً في الوقت ذاته عن الطريقة التي سمع بها دارتانيان حديث الملكين ولكنه قال مستدركاً إنني قائد الحرس وعلي معرفة كل شيء ومن واجبي أن أقدم يد العون لجلالتكم كما فعلت سابقاً مع والدكم.
تم التفاهم مع الجنرال مونك ومن ثم استرضائه ببعض المقاطعات حتى يتاح للملك شارل أن يحكم عرشه الشرعي. وهكذا دخل الملك مدينة دوفر ثم عاصمته لندن دخولاً فخماً يحيطه اخوته ووالدته، واستقبله الشعب استقبالاً رائعاً.
عاد الفرسان إلى فرنسا يحملون الهدايا والمال مدركين أن إصلاح أمر فرنسا أصبح ضرورياً خاصة وأن الملك لويس الرابع عشر غير كفؤ للحكم ولديه شقيق توأم داخل الباستيل، فقاموا بطريقة احتيالية بتزوير توقيع الملك وتحرير شقيقه من السجن ومن ثم الإدعاء أن الشخص الذي تم إطلاق سراحه ليس هو المقصود، فهذا شخص مجنون يدعي أنه ملك فرنسا.
وفي تلك الأثناء كان الفرسان قد استدرجوا الملك الألعوبة إلى خارج قصره ووضعوه في عربة قادته إلى السجن وسط صراخ عظيم يطالب بتحريره لأنه الملك الفعلي، لكن الفرسان قالوا لآمر السجن إنه شخص معتوه لا يستحق العيش خارج السجن فهو يدعي أنه الملك، وطلبوا منه الحرص على أن يبقى في زنزانته إلى الأبد.
قصص الفرسان الثلاثة سلسلة من أعمال نبيلة أرادها الكسندر دوماس شاهداً على عصر مضطرب فيه الكثير من الدسائس والمؤامرات لكن وجود مجموعة من الرجال الشرفاء حولت بعض ملامح ذلك العصر إلى أعمال كريمة ناصرت الحق وأعادته إلى نصابه وأبرز قصتين مساعدة ملك انجلترا للصعود إلى العرش واستبدال ملك فرنسا الماجن بشقيقه العاقل المتبصر.
رباب محمد