مؤلف هذا الكتاب روبرت و. ميري هو رئيس تحرير المجلة الفصلية للكونغرس الأميركي وناشرها. وكان مراسلاً لجريدة الوول ستريت لفترة من الزمن حيث غطى أخبار السياسة الوطنية أو القومية الأميركية. وقد نشر عدة كتب سابقاً. وهو الآن يعيش ويكتب في ولاية فيرجينيا.

وفي هذا الكتاب الجديد يتناول المؤلف عدة قضايا أساسية تشغل العالم حالياً: كالحرب على الإرهاب، وصدام الحضارات، والهيمنة الأميركية على العالم، والمحافظين الجدد، والعلاقة مع العالم الإسلامي، والموقف من الجالية العربية المقيمة في الولايات المتحدة ... الخ. وكلها قضايا ساخنة، قضايا أساسية تشغل الطبقة السياسية والثقافية في العالم كله.

ونلاحظ أن المؤلف ينتقد بشدة السياسة الخارجية الأميركية في الآونة الأخيرة. فهو يرى أنها خرّبت المشروع الأميركي الهادف إلى العولمة الشمولية أو السيطرة الشمولية لى العالم. وبالتالي فقد أدت هذه السياسة إلى عكس النتيجة المتوخاة منها. ينقسم الكتاب إلى أربعة فصول مع مقدمة وخاتمة. يتخذ الفصل الأول العنوان التالي: موشور التاريخ.

أي المنظور الذي نرى التاريخ من خلاله. وهنا يتحدث المؤلف عن فكرة التقدم وكيف تبلورت في القرن الثامن عشر على يد فلاسفة التنوير من أمثال فولتير، كانط، كوندورسيه، ديدرو، إلخ.. ثم يتحدث المؤلف عن النظرة الدائرية للتاريخ على طريقة شبنغلر.

وعن العولمة ونهاية التاريخ طبقاً لنظرية فوكوياما. ثم يتناول المؤلف بعدئذ النظرية الأميركية الثانية التي شغلت العالم في السنوات الأخيرة، أي نظرة صدام الحضارات لصمويل هنتنغتون، وبعدئذ يتحدث المؤلف عن السياسة الخارجية الأميركية الوافدة باستمرار بين إغراء الانعزالية، وإغراء التدخل الخارجي في شؤون العالم.

أما الفصل الثاني من الكتاب فمكرس لدراسة الموضوع التالي: النظام الجديد الوهمي أو المراوغ والمحيّر، بمعنى أن النظام العالمي الجديد الذي ودعنا به جورج بوش الأب بعد سقوط الشيوعية لم يتحقق، فالعالم لا يزال مليئاً بالاضطرابات والحروب الأهلية والإرهاب الأعمى والمجازر، ولا يزال الغني غنياً والفقير فقيراً، بل إن الغني يزداد غنى في عصر العولمة الرأسمالية المتوحشة. هذا في حين ان المجاعات تكتسح أفريقيا السوداء ومناطق أخرى من العالم.

ثم يتحدث المؤلف في هذا الفصل عن انتصار الأيديولوجيا الولسونية: نسبة إلى الرئيس الأميركي الكبير ودرو ويلسون الذي حكم أميركا بعد الحرب العالمية الأولى، وبعدئذ يتحدث الباحث عن أشباح البلقان ومآسي البوسنة وكوسوفو.. إلخ.

أما الفصل الثالث من الكتاب فمكرس لدراسة الموضوع التالي: فترة ولدت في الدم، وهنا يركز المؤلف حديثه على 11 سبتمبر وما تلاها من صعود المحافظين الجدد على مسرح السلطة في واشنطن.

ومعلوم أنهم لعبوا دوراً كبيراً في بلورة الخطوط العريضة للسياسة الخارجية الأميركية، فقد كانوا وراء غزو العراق، بل ونظّروا له حتى قبل حصول ضربة 11 سبتمبر ثم يخصص المؤلف بعدئذ فقرة كبيرة لدراسة أوضاع العالم الإسلامي، وبعدئذ ينتقل إلى دراسة الحرب التي اندلعت بين الغرب والحركات الأصولية المتطرفة.أما الفصل الرابع والأخير من الكتاب فيتحدث عن العالم الواقعي وموازين القوى التي تسود فيه.

ونلاحظ أن المؤلف يستعرض في البداية نظرية فوكوياما عن نهاية التاريخ ويقول ما معناه: كان فرانسيس فوكوياما في البداية موظفاً في وزارة الخارجية، ولكنه أصبح الآن أحد كبار الأكاديميين وأساتذة الجامعات الأميركية بعد أن اشتهر وأصبحت كتبه تباع بملايين النسخ.

وقد سبق هنتنغتون إلى الشهرة عندما نشر كتابه: «نهاية التاريخ» بعد سقوط الشيوعية والاتحاد السوفييتي وفيه يقول ما معناه: لقد ربح الغرب الحرب الباردة، وانتصرت الليبرالية على الماركسية ووصل التاريخ إلى نهايته، ولم يعد هناك من زائد يستزيد، فالديمقراطية الليبرالية هي آخر صيغة من صيغ الحكم، ولا يمكن للجنس البشري أن يتوصل إلى صيغة أفضل منها في المستقبل، حقاً لقد انتهى التاريخ، ولم يعد بقادر على أن يأتي بشيء جديد، فما بعد الديمقراطية إلا الديمقراطية.

وهكذا نظّر فوكوياما في عهد بيل كلينتون لعصر الهيمنة الغربية على العالم، وقال إن الديمقراطية سوف تنتشر في أوروبا الشرقية التي كانت شيوعية سابقاً، وفي أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية ..إلخ.

وصدق التاريخ نبوءته، فقد أصبحت معظم هذه الدول ديمقراطية تنظّم الانتخابات الحرة، وتعترف بالمعارضة السياسية وتعددية الصحافة وتقبل بالتناوب على الحكم ما عدا الدول العربية والإسلامية في معظمها، ولهذا السبب أخذ بعضهم يتحدث عن الاستثناء الإسلامي.

ثم يردف المؤلف قائلاً: وبعد كتاب فوكوياما ظهر كتاب آخر ينظر للحقبة الأميركية الجديدة وهو للباحث توماس فريدمان. وفيه يتحدث عن الحقبة الجديدة للعولمة، وفيها تنتصر الطريقة الغربية في الحياة: أي الليبرالية الديمقراطية والرأسمالية.

في هذا الكتاب يتحدث المؤلف أيضاً عن الصراع الجاري حالياً بين العولمة والهوية الخصوصية لكل شعب أو أمة، وهذا هو عنوان الكتاب في الواقع: العولمة والهوية.

فالعولمة الرأسمالية، أو الليبرالية الجديدة سمّها ما شئت، تكتسح العالم، وسوف يحصل صراع بينها وبين الخصوصية الصينية، والهندية، والعربية الإسلامية، إلخ.

فالعنوان الحرفي للكتاب هو: ترف العولمة أو رفاهية العولمة وشجرة الزيتون، والمقصود بشجرة الزيتون هنا الأصولية أو الخصوصية التي تريد العولمة اقتلاعها من جذورها أو تدميرها. ثم يخصص المؤلف بعدئذ صفحات مطولة لمناقشة الكتاب الذي شغل العالم أكثر من غيره بعد كتاب فوكوياما، ألا وهو صدام الحضارات لصموئيل هنتنغتون.

ولكن اذا كانت نظرة فوكوياما متفائلة للتاريخ لانها هيغلية فإن نظرة هنتنغتون كانت متشائمة وسوداوية. فهو لا يعتقد بأن التاريخ يمشي الى الأمام بالضرورة كما يفعل فوكوياما وهيغل وكل فلاسفة التنوير، وانما قد يعود الى الخلف كما يعتقد بعض الفلاسفة المتشائمين.

ويرى هنتنغتون ان الصدام المقبل لن يكون بين النزعات القومية كما حصل في القرن التاسع عشر، ولا بين الايديولوجيات السياسية كما حصل في القرن العشرين، وانما سيكون بين الحضارات ذات الجوهر الديني والثقافي أساساً، ففي القرن التاسع عشر جرت الحروب بين الأمم الكبرى باسم النزعة القومية الألمانية، أو باسم القومية الفرنسية، أو القومية الانجليزية، الخ.

وأما في القرن العشرين فقد جرت بين الايديولوجيا الليبرالية من جهة، والايديولوجيا الاشتراكية أو الشيوعية من جهة أخرى.

كما جرت بين الايديولوجيا الليبرالية البرلمانية الديمقراطية قبل ذلك والايديولوجيا الفاشية أو النازية وانتهت بسحق هتلر وموسوليني بعد الحرب العالمية الثانية.

ثم يردف هنتنغتون قائلاً: ولكن منذ اليوم فصاعداً سوف يحصل الصراع بين الحضارات الأساسية الموجودة في العالم: أي الحضارة الغربية المسيحية في جوهرها، والحضارة الصينية الكونفوشيوسية في جوهرها «الحضارة الهندوسية والحضارة السلافية الارثوذكسية، والحضارة الأفريقية، والحضارة الأميركية اللاتينية، والحضارة الإسلامية، الخ، وأهم صراع سوف يجري بين الحضارة الغربية والحضارة الصينية الكونفوشيوسية من جهة اخرى.

وأكبر خطر يتهدد الحضارة الغربية في نظر هنتنغتون هو حصول تحالف بين الحضارة الإسلامية والحضارة الكونفوشيوسية.

فعندئذ سوف يتشكل تكتل كبير يتجاوز البليارين والنصف من البشر ولا يعود الغرب قادراً على مواجهته. ويرى المؤلف ان اطروحة أستاذ هارفارد ومستشار كارتر وبريجنسكي للأمن القومي الأميركي مغرية وجذابة.

فالواقع ان الصدام مع العالم الإسلامي حصل بعد 11 سبتمبر بشكل واضح لا يقبل الجدل. وبالتالي فقد تحققت نبوءته التي كان قد أطلقها قبل ضربة 11 سبتمبر بسبع أو ثمان سنوات.

ولكن المؤلف يقول إن هذه الأطروحة ليست صحيحة إلا جزئياً، فالصدام الحاصل ليس بين الغرب والعالم الاسلامي ككل، وانما بين الحضارة الغربية والأصولية الراديكالية.

وأكبر دليل على ذلك هو ان هذه الأصولية المتطرفة تضرب العواصم العربية والإسلامية أيضاً وليس فقط نيويورك أو باريس أو مدريد، الخ، وأما الأغلبية العظمى من المسلمين فلا علاقة لها بالعنف والإرهاب.

ثم يتطرق المؤلف الى مسألة الجاليات العربية والإسلامية الموجودة في أميركا ويقول بما معناه: يوجد عدة ملايين من العرب أو المسلمين في الولايات المتحدة، وهم في أغلبيتهم مسالمون يحترمون قوانين البلد، ولكن توجد أقلية متعاطفة مع أطروحات المتطرفين بدون شك.

وأكثر ما نخشاه بعد ضربة 11 سبتمبر هو ان يخلط الناس بين الطرفين وعندئذ تتحقق أمنية الأصوليين الراديكاليين الذين يريدون إشعال حرب الحضارات بين الإسلام والغرب، ولهذا السبب فينبغي ان نكون حذرين ويقظين جداً فيما يخص هذه المسألة، وينبغي توعية الشعب الأميركي وشرح حقائق الإسلام له باعتبار انه دين الرحمة والمغفرة وليس الإرهاب أو العدوان.

الكتاب: رمال الامبراطورية

تأليف: روبرت و. ميري

الناشر: سيمون وشوستر

نيويورك 2005

الصفحات: 302 صفحة من القطع الكبير

sands of empire

ropert w. merry

simon and schuster - new york 2005

simo