مؤلف هذا الكتاب هو الباحث والكاتب المصري فايز علي، الذي تخصص في آداب وديانات الحضارة المصرية القديمة إلى جانب اهتمامه بالدراسات اللغوية والنقدية الأدبية المعاصرة، فألف في موضوعات تتصل بأصول تعلم اللغتين العربية والمصرية (القديمة).

وعقد المقارنات بين آداب وديانات الحضارة المصرية القديمة، إلى جانب اهتمامه بالدراسات اللغوية والنقدية الأدبية المعاصرة، فألف في موضوعات تتصل بأصول تعلم اللغتين العربية والمصرية (القديمة)، وعقد المقارنات بين آداب وثقافات الأمس البعيد والحاضر القريب.

وفي هذا الكتاب، الذي يحمل اسم «الروح»، يقدم المؤلف دراسة مقارنة بين أديبين مصريين تباعدت بينهما الأزمان، وإن كان قد جمع بينهما أصول وتقاليد أدبية واجتماعية مشتركة، وناهيك عن بيئة واحدة، ثابت في المكان، مما كفل لهما أرضية مشتركة للإبداع الحر. على حد تعبير المؤلف، في مقدمة كتابه. إذ اتجه المؤلف إلى تحليل النصوص الأدبية - كما تتجلى في تعاليم الحكيم (بتاح حتب).

وفي بعض قصائد شاعر السيف والقلم (محمود سامي البارودي) تحليلا شاملا، مع مراعاة خصوصية النثر الفني في تعاليم الأول، والنظم الشعري في قصائد الثاني، إلى جانب علاقات الإبداع الأدبي بالنظر الأخلاقي والجمالي، وذلك بغية صياغة مذهب نقدي يقوم على أسس الفكر المصري، دون تجاهل لآراء النقاد القدامى والمحدثين.

كما يقول المؤلف، الذي يرى أن «الروح الكلي» لـ «المصرية» مفهوم شامل يتسع لكل المتناقضات - إن سلمنا بأنها كذلك - وجامع الأطراف التغيير والتبدل، ولكنه يبطن عناصر جوهرية، تميزه وتحدد ملامحه، منها الدين والسياسة والجغرافية، التي تناول المؤلف أوزان فاعليتها، في سياق دراسته تلك.

وتأسيساً على ذلك فقد قسم المؤلف كتابه إلى أربعة أبواب، تناول الأول سيرة الأديبين، وذلك في سياق قصصي، بغية استجلاء جوانب الشخصية، واستكشاف خلجاتها الدفينة، وتلمس الروابط والعلاقات بين النفس الإنسانية وإبداعها الأدبي، بينما يعالج الباب الثاني مسألة الأدب المصري ومكانته، بوصف أن هذا الأدب ذو أسبقية زمانية ونوعية في ذات الآن.

حيث تعود تقاليده الشفاهية إلى الألف الرابع قبل الميلاد، وتقاليده الكتابية تناهز الآلاف الخمسة وذلك من خلال نماذجه الأسطورية والملحمية والدرامية والقصصية، التي انطلق منها المؤلف لعقد مقارنة بين اللغتين المصرية والعربية بما يوضح الأسس المشتركة التي يمكن أن تقوم عليها دراسات المقارنة، في هذا الصدد.

ولهذا خصص المؤلف الباب الثالث لبسط مذهبه في النقد، ساعياً إلى وضع تعريف دقيق له، في حين جاء الباب الرابع حافلاً بالنماذج التطبيقية، كما تبدت في أعمال الأديبين المستهدفين في هذا الكتاب، وذلك من خلال أربعة فصول، إلى جانب فصل ختامي بلور فيه المؤلف علاقة الأسطورة المصرية بالإبداع الأدبي ومذاهب النقد الأدبي.

وفي هذا الإطار يشدد المؤلف على ضرورة نشر نصوص الأدب المصري القديم بلغه عربية سليمة، مع شرحها ودراستها، بغية تعظيم المشتغلين بالأدب منها، كما أفاد الشاعر (محمود سامي البارودي) ومن حذا حذوه - من تراث الذين سبقوه.

ويذكر المؤلف في الباب الأول - أن أصول هذا الشاعر تعود إلى سلالة «المماليك الجراكسة» الذين حكموا «مصر» في القرون الوسطى، وأن جداه قتلا في المذبحة الشهيرة، التي أوقعها حاكم (مصر) الشهير (محمد على) بالمماليك في القرن التاسع عشر، وهو القرن الذي شهد مولد (البارودي) 1839م، وذلك من أب يعمل في السلك العسكري، الذي خلفه ابنه فيه.

حيث تدرج في هرمه، حتى بلغ رتبة «لواء»، إلى جانب تقلده مناصب الوزير لوزارتي المعارف «التعليم» والجهادية «الدفاع»، ثم رئاسة الحكومة، خلال عهد الخديوي «توفيق» الذي شهد انحياز «البارودي» إلى جانب ثوار الجيش المصري بقيادة (عرابي)، خلال ثورتهم الشهيرة ضد هذا الخديوي والتي باءت بالفشل وأدت إلى نفي «البارودي» مع رفاقه إلى جزيرة «سيلان»، لمدة 17 عاما، ليعود إلى «مصر» كفيف البصر، معتل الصحة، بعد أن احتلت بلاده من جانب الانجليز.

وقد اعتمد المؤلف في تأريخه لحياة «البارودي» على مذكرات الشاعر، التي تشي بخصائص عديدة في شخصية مثل عشقه للقتال وحبه للتعليم، وانحيازه إلى الإصلاح، وتوقه للمصارحة، مع اعتدال لا ينحو إلى المهادنة، ولا يصبو إلى الحلول الوسط، حيث جمع الرجل بامتياز بين مسؤوليات الفارس والوزير والشاعر والثائر والحكيم وهي صفات قلما تجتمع - إلا نادراً في رجل واحد.

لكن بعض من هذه الصفات لاحظها المؤلف في شخص «بتاح حتب» الذي جمع بين ممارسة الأدب وتقلد الوزارة، وإتباع الحكمة نهجا للحياة، ليصبحوا لقباً يسبق اسمه في نهاية حكم «كهنة الشمس»، أولئك الذين تسلموا عرش «مصر» بعد رحيل الملك الشهير «خوفو» وأسرته.

وبعيدا عن مسلك التبويب الذي اتبعه المؤلف في كتابه، نتوقف عند الصفحات الواردة في فصول الباب الرابع، والتي تظهر نقداً موضوعياً يقارن فيه المؤلف بين تعاليم «بتاح حتب» وشعر «البارودي»، حيث تبدأ التعاليم بمقدمة بلاغية في وصف الشيخوخة،.

وتنقسم إلى سبعة وثلاثين فصلاً، بكل منها عدة فقرات، تتصدرها دعوة للتحذير من الغرور بالعلم، ومحتواها يشدد على أن ثمة نظاماً للكون يقوم على مبدأ «ماعت» أي العدالة، وهو ما يتطلب من التلميذ أو الابن الذي تتوجه إليه هذه التعاليم، أن يسير بمقتضى هذا النظام، وذلك من خلال لغة غنية بالمجاز والدلالات الفلسفية.

بينما تحفل إحدى قصائد «البارودي» التي صاغها في منفاه السرنديبي «السيلاني» بالمعاني نفسها، التي جاءت بها التعاليم تأثراً وتفاعلاً من الشاعر بها.

ويرى المؤلف أن النزعة العقلانية - التي ظلت إحدى سمات «الروح المصري قديما وحديثا، كما يقول - قد تبدت في شعر» البارودي، مثل قوله :

الجيزة الفيحاء عن هرم مصر

لعلك تدري غيب ما لم تكن تدري

وهذا التعبير المجازي ـ كما يقول المؤلف ـ له أصل أسطوري يعرضه (البارودي) في موضع آخر، بقوله:

أثر دل صنعه أن هرميس

بناه من أبدع البنيان

فـ (هرميس) أي (تحوت) هو رمز إله المعرفة ـ الذي أراد أن ينقذ معرفة البشرية من الطوفان فجمعها في «الأهرام»، الذي سمي باسمه.

ويرى المؤلف أن الأدب المصري القديم ـ بأجناسه المتنوعة ـ قد اتسم بخصائص عدة منها الحفاظ على جملة من التقاليد والأقوال المأثورة الشفاهية، والذي يعد بمثابة عمود الشعر لدى الشعراء العرب.

بما يتيح لكل ذي مخيلة إبداعية أن يجدد فيها بالحذف والإضافة، مما أتاح نوعاً من التجديد الحذر إلى جانب سمتي الملحمية والدرامية، كما يقول المؤلف الذي يعتقد أن أي دراسة مقارنة بين الأدبين العربي والمصري (القديم) تكشف عن ثمة خصائص مشتركة بين اللغتين، كأسلوب الاشتقاق من الجذر، وغلبة الجذر الثلاثي.

ومسائل النحو، كالإعراب الشامل، وشيوع الجملة الاسمية والتثنية، كحال تتميز عن الجمع إلى جانب تمييز ضمائر التذكير عن التأنيث، وتشابه كثير منها في النطق، وفي الخصائص البلاغية للغتين، اللتين تتيحان استخدام اللفظ في غير موضعه المعهود، وهو ما يدخل تحت مفهوم «المشاكلة اللفظية»، بحيث تتعدد دلالات اللفظ الواحد، كلما استخدم في سياق جديد أو بطريقة مغايرة.

وفي معرض تفصيله لمذهبه في النقد الأدبي يشير المؤلف إلى أن مذهبه يقوم ـ بالأساس ـ على ما يسميه «الروح المصري»، الذي تبلور تاريخياً على أساس، ما عرف حديثاً عن فكرة «الجدل» الفلسفية بين المتناقضات.

فالأسطورة المصرية الشهيرة حول «أوزوريس» تجسده في العالم بوصفه المحرر له، وهو ليس سوى الروح، الذي تحدث عنه «هيغل» باعتباره المتحرك في المسيرة التاريخية إلى المطلق بحثا عن الحرية.

وعلى هذا الأساس، فـ «الروح المصري» - كما يقول المؤلف ليس مفهوماً ميتافيزيقياً غامضاً، بل هو جوهر الحضارة الإنسانية الأخلاقية، التي ازدهرت في «وادي النيل» فجمع سمات هذه الأمة وخصائصها الفكرية المميزة، وتضافرت دعائم عدة لتكوينها والحفاظ عليها، منها الدين والأخلاق والسياسة، والتي انعكست في الفنون والآداب، مثل أدب التعاليم وشكاوى الفلاح الفصيح والملاح الغريق.

لذا، يرى المؤلف أن العودة إلى رحاب الأسطورة بوصفها المجال الأرحب لتوليد العوالم الحدسية والمثالية هي التي تعين الآداب والفنون المعاصرة على التفتح على اللانهائي الوجودي، وخصوصاً الأسطورة المصرية، التي تمتاز بسعة دلالاتها، وتعدد مغازيها، والاستقلال الكبير لعناصرها بعضها عن بعض، علاوة على رمزية تكرار الحدث، ودلالة الرقم، واستخدام الكنى، والتلاعب بالألفاظ والأخيلة المجنحة.

ومن ثم، فإن الدعوة إلى تحليل الأسطورة المصرية - كما يقول المؤلف - ليست ردة إلى الماضي، بقدر ما هي استنباط لرؤى نقدية جديدة، بعدما أحرزته البشرية من تقدم في مجالات النقد والأدب واللغة.

فكري عبدالمطلب

الكتاب : الروح المصري

في أدب بتاح حتب ومحمود سامي البارودي

الناشر : طبعة خاصة ـ القاهرة 2004

الصفحات: 202 صفحة من القطع المتوس